تمثال الحرية في نيويورك
تمثال الحرية في نيويورك

قبل أن نتساءل: ماذا يعني سقوط الغرب؟ علينا أن نتساءل ـ بدرجة أولى وأعمق ـ: هل سقوط الغرب  ـ ولو في المدى البعيد ـ يدخل في دائرة الإمكان ؟ وهل القصود بـ"السقوط": زوال الهيمنة الغربية ـ الرمزية والمادية ـ من موقعها في صدارة التاريخ الحديث، إلى الحضيض، بحيث تحتلّ دُول الغرب الليبرالي المربعات الهامشية ذاتها التي تحتلها دول العالم الثالث اليوم، أم يكفي مجرد الانزواء عن موقع الصدارة، نزولا إلى ما دونها بقليل؛ لتكون صفة "السقوط" مجرد تعبير عن التحول من مسارات الهيمنة الكاملة أو شبه الكاملة، وصولا إلى مسارات الشراكة المتكافئة بين عَدد غير قليل من الأطراف/ عالم متعدد الأقطاب؟

في الأسبوع الماضي (تحديدا في 2/2/2021) نشر موقع روسيا اليوم ما نصّه: "أعرب عميد معهد العلاقات الدولية في جامعة تسينغهوا في بكين، يان شوتونغ، عن رأي مفاده أن انهيار الولايات المتحدة سيجري وفق سيناريو انهيار الإمبراطورية البريطانية. فـ "المملكة المتحدة كانت على مدى طويل أقوى دولة في العالم، واستمر تدهورها لفترة طويلة، وشغل عدة عقود". وفي التقرير ذاته، يرى الأستاذ بجامعة سان بطرسبورغ، ستانيسلاف تكاتشينكو، أن تصريح الباحث الصيني يعد جزئيا مؤشرا على الضغوط النفسية والسياسية التي تمارسها الصين عموما على الولايات المتحدة، حيث أوضح تكاتشينكو أن "ردة فعل الصين أصبحت مفهومة الآن، بالنظر إلى أن جامعة تسينغهوا في بكين مقربة جدا من الحكومة، وكبار العاملين فيها لا يدلون بتصريحات عشوائية".

طبعا، المقصود بتراجع/ انهيار الولايات المتحدة (الذي يبتهج به ـ على نحو ساذج ـ الموقعُ الروسي) هو: تراجع الغرب الليبرالي لصالح قوى غير ليبرالية، قوى شمولية، أو شبه شمولية؛ صاعدة في الشرق. والمفارقة أن بلدا يكون فيه "كبار الأكاديميين" لا يُدلون بتصريحات عشوائية، بل لا بد من ترتيبات مسبقة مع الحكومة الشمولية ـ وفق تعبير المحلل الروسي نصّاً ـ، هو ذاته الذي يُبَشّر بتراجع/ سقوط الولايات المتحدة !. ولا يُخْفِي المُحلّلُ الروسي/ تكاتشينكو الجانبَ الرغبويَّ الذي ينتظم تحليله، خاصة عندما يُعقِّب على ذلك بقوله عن الولايات المتحدة: "سوف تحاول دون جدوى تشكيل تحالفات جديدة ضد الصين. وسوف يستمر ذلك حتى تدرك أخيرا وزنها الحقيقي في الشؤون الدولية وتعود إلى سياسات القرن التاسع عشر الانعزالية، والتي كانت في ظلها القوة الأكثر نجاحا في العالم. ومنذ الآن، العالم كله يرفض الاعتراف بالزعامة الأميركية، ولم تعد الولايات المتحدة تمتلك الموارد لإجبار الجميع على هذا الاعتراف".

هكذا يتحدث الشرق الاستبدادي المتخلف (المتخلف بالمعايير الإنسانية للتقدم: المعايير التي تدور على محور تحقق الكرامة الإنسانية) عن الغرب الليبرالي المتقدم. وهو حديث يتكرر باستمرار، على أحوال مُتَقلِّبة بين حَسَدٍ حَارق يُغَذّيه فَشلٌ متواصل، وغيظ مكتوم تحت وطأة الهزائم التاريخية المتلاحقة، وجهل (جهل لا بسبب غياب المعلومات؛ وإنما بسبب افتقاده للنظام المعرفي الأرقى) يمنح مثل هذه المشاعر البدائية مساحة واسعة لاستنبات الأحلام الكاذبة التي تَعِدُهم وتُمَنِّيهم؛ فما يخرجون منها بطائل؛ إلا أن يكون طائلَ مُداوَة الجروح النرجسية النازفة بالكذب على الذات، التي سرعان ما تنساق لمثل هذا الخداع.

منذ قرنين تقريبا، منذ انتظم وعي الحضارة الغربية بنفسها كحضارة استثنائية تأخذ طريقها لمزيد من الهيمنة المادية والمعنوية على العالم، والحديث عن تراجع هذه الحضارة وانكماشها، بل وحتى عن تدهورها، هو حديث ينبع من داخل هذه الحضارة ذاتها؛ كحراك ثقافي يُمارس آلية النقد الذاتي بشكل واعٍ أو غير واعٍ؛ عبر مسارين: رفض أو استشراف.

وإذا كان هذا الطرح/ النقد الذاتي قد بلغ قمته قبل قرن تقريبا، على يد المؤرخ والفيلسوف الألماني/ اشبنغلر في كتابه الشهير الذي حكم في على الحضارة الغربية بحتمية "الأفول/ السقوط/ الانحدار/ التدهور؛ كقاعدة تاريخية/ واقعية، تعمّ الحضارات، والحضارة الغربية ليست ـ كما يرى ـ استثناء، فإنه لم يتوقف إلى اليوم؛ بل ولم يكبح من جُموحه التشاؤمي إلا قليلا؛ رغم كل الصور المبهرة من الصمود، بل ومن الانتصار المتواصل على أكثر المآزق والتحديات خطرا. 

على أي حال، لا يمكن فصل تشاؤم اشبنغلر بشأن الحضارة الغربية في كتابه الصادر عام 1918 عن الدمار الذي لحق بأوروبا جرّاء الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، وجرّاء صعود القوميات/ العصبيات التي تُوحي بفشل مسار التنوير السابق الذي كان وراء تفاؤلِ القرن التاسع عشر المدعوم بثورة من الاكتشافات التي كانت تَعِد بالكثير. 

ولعل من المفارقات أن الأفول/ السقوط لم يكن أفول/ سقوط الغرب؛ بقدرما كان أفول/ سقوط تشاؤم اشبنغلر بعد أن أثبتت هذه الحضارة الاستثنائية  أنه بـ"وعيها الاستثنائي" في التاريخ، قادرة على الخروج من مآزقها، بل وقادرة على الانبعاث من رماد الحروب العالمية التي التهمت نيرانها معظمَ أقطارها في لحظة جنون عابرة؛ لتحقق ذاتها باستمرار، بل ولتنتصر على ذاتها باستمرار أيضا.

يتحدث مساعد وزير الدفاع الأميركي في إدارة كلينتون/ جوزيف س. ناي عن هذه الظاهرة قبل عشرين عاما من الآن، أقصد: ظاهرة الحديث الغربي المتكرر عن سقوط الغرب، وسقوط الولايات المتحدة تحديدا كرمز أيقوني لهذا الغرب. يقول: "على مدى سنوات، حاول عدد من الباحثين أن يتنبأوا بصعود الأمم وسقوطها بتطوير نظرية عامة عن التحوّل إلى الهيمنة. فحاول بعضهم التعميم من تجربة البرتغال، وأسبانيا، وهولندا، وفرنسا، وبريطانيا، وركّز آخرون بشكل لصيق أكثر على اضمحلال بريطانيا في القرن العشرين كمؤشر ينبئ بمصير الولايات المتحدة، ولكن لم ينجح أيٌّ من هذين النهجين. فقد تنبأت معظم النظريات بأن أميركا سوف تضمحل قبل وقت طويل من الآن". وهو يشير إلى أن الحديث عن انحطاط الولايات المتحدة كان رائجا قبل عقد عقدين من نهاية القرن العشرين. يقول في كتابه الذي صدر عام 2002: "قبل عقدين من الزمان [يقصد في حدود 1980 تقريبا] كان الرأي التقليدي السائد يندب أميركا الآخذة بالانحطاط، وتصدرت قائمةَ الكتبِ الأكثر مبيعا كتبٌ تصف سقوطنا. وظهرت على غلاف إحدى المجلات الشعبية صورة لتمثال الحرية وقد سالت على خده دمعة" .(مفارقة القوة الأميركية، جوزيف س. ناي، هامش ص49, وص13على التوالي).

جوزيف س. ناي يُرجع ظاهرة الكتابة عن سقوط/ تدهور الولايات المتحدة إلى "التشاؤم الثقافي" الذي "هو ببساطة شيء أميركي جدا، يمتد تاريخيا إلى جذور التطهرية المتزمتة"، كما يراه تشاؤما مدفوعا بنوع من كون الناس ـ بطبيعتهم ـ ينظرون إلى الماضي بوصفه زمنا جميلا مقارنة بالحاضر والمستقبل (مفارقة القوة الأميركية، ص208و209). أي أنها لا تُعبّر عن واقع الحال؛ لا راهنا ولا مستقبلا؛ من حيث كونها لا تستند على معطيات واقعية صلبة، بل هي خاضعة لعوامل نفسية، تتجاوز معطيات الواقع أو تقفز عليها، سواء صدرت تلك التحليلات/ الأطروحات الاستشرافية عن الداخل الغربي، أو صدرت عن الآخر/ غير الغربي، الآخر الذي يُحاول ـ في الغالب ـ تعزيز تحليلاته/ رَغْبَوِيّاته بما صدر عن الداخل الغربي، بوصفه نوعا من الاعتراف، نوعا يُشْبه شهادة الأعداء على أنفسهم، و"الحق ما شهدته به الأعداء" !

منذ بدء تلك التنبوءات، مِن داخل الغرب ومن خارجه (أي من جهة النقد الذاتي والتحذير التشاؤمي، ومن جهة الهجوم العدائي والرؤية الشامتة الحاقدة أو الحاسدة)، في كل الأحوال، أثبتت الوقائع، وعلى امتداد قرنين من الزمان، أن الغرب يسير قُدُما في تقدّم مستمر؛ رغم كل المنعرجات والانحناءات التي شهدها مساره التقدمي، بل وأثبت ـ على امتداد هذا التاريخ/ قرنين ـ أن الآخرين يتقدمون تقدما حقيقيا؛ بقدر ما يتغرّبون؛ بقدر ما يُصبحون أوفياء لحضارة الغرب التي ليست استثنائية في تقدمها المادي فحسب، وإنما هي استثنائية حتى في تقدمها الإنساني/ القيمي.

أعلم أن كثيرا من أبناء العالم الثالث يحملون ترسانة من الاعتراضات المشاغبة على الشطر الثاني من هذا التوصيف (= التقدم الإنساني والقيمي). غير أن حقائق هذا الشطر الثاني لا تقل صلابة ـ في تحقّقاتها الواقعية ـ عن حقائق الشطر الأول. فحقائق انفتاح الأفق الإنساني في الغرب لا تقل وضوحا وثباتا ورسوخا عن حقائق المسار التقدمي على مستوى العلوم وبراءات الاختراع والتكنولوجيا والإنتاج الصناعي. بل هي في الأفق الإنساني أشد تخصّصا بالغرب وأكثر انطباعا به، من حيث كون هذا الأفق الإنساني لم يخضع بَعْدُ لمنافساتٍ حقيقية خارج نطاق العالم الغربي الليبرالي، بينما خضع ويخضع المسار التقدمي المادي لمنافسات وتحدّيات جِدّية، خاصة في الشرق الأقصى الذي لا يزال بعيدا جدا عن يوائم بين خطواته المتسارعة في التقدم المادي/ الصناعي، وخطواته المتعثرة: المتراجعة ثباتا على قديم، أو نكوصا عن جديدٍ تشترطه ـ على نحو ما ـ بعضُ مسارات التقدم المادي. 

لو تراجع الغرب حقا، لو فقد الغربُ قوته المادية وضمانته الأخلاقية؛ لفقدت كثير من المنظمات العالمية قدرتها على الضبط؛ ولأصبحت "الذّئبية" هي سيدة العلاقات الدولية، وبالتالي، وبالتتابع الطردي الضروري، سيدة العلاقات داخل كثير من دول العالم. ما يعني أن ازهار الغرب ليس ضمانا لاستقرار العالم فحسب، بل هو ضمان لاستقراره على قاعدة من العدالة الدولية من جهة، وعلى قاعدة من شيوع "الضمير الإنساني" ـ بكل ما يحمله هذا الشيوع من حاكميّة مضمرة ـ على مستوى الجماعات والأفراد.

المعايير التي تؤكد حجم الكارثة التي يمكن أن تصيب العالم؛ فيما لو تراجع الغرب، كثيرة. وهي ذاتها المعايير التي تكشف حجم الهوة بين الانفتاح الإنساني الغربي والانغلاق الشرقي. ولإيضاح الصورة بشكل أبسط وأكثر مُبَاشريّة: يمكنك تخيّل ملايين المهاجرين الذين لا يحملون غير انتمائهم الإنساني/ كونهم بشرا، أولئك الذي فتح الغرب لهم آفاقا غير محدودة لتحقيق الذات، آفاقا لا يحلمون ببعضها حتى في أوطانهم الأصلية (فيما هو/ الغرب غيرُ مُكْتَفٍ بذلك، بل يُجْرِي مراجعات مستمرة على مسلكياته في هذا المضمار لتكون أكثر إنسانية)، وبين الممكن في دول الشرق، حتى تلك التي حققّت مستويات عالية من التقدم المادي المتواصل. 

لا يُمكِنك أن تتخيل مُهاجرا هنديا أو عربيا أو أفريقيا وصل إلى منصب وزاري ـ فضلا عن منصب رئيس الوزراء ـ، في اليابان أو الصين مثلا، (وهما المطروحان كبديل للغرب !)، بينما تستطيع أن تخيّل ذلك في بريطانيا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة وفرنسا وهولندا، بل تراه متحقّقا؛ لا مُتخيّلا(فيما هو في الشرق الأقصى غير متخيّل أصلا !). ولا شك أن هذا مؤشر حاد، وحاسم، ونوعي، على انفتاح الأفق الإنساني في الغرب؛ مقارنة بالشرق، هذا الانفتاح الذي ينعكس حتما ـ بفعل الزخم الكبير/ الطاغي لحضارة الغرب ـ على كثير من مسارات التأنسن، حتى خارج الحدود الجغرافية للغرب الليبرالي. وسقوط/ تدهور الغرب ـ فيما لو سقط/ تدهور ـ سيعني تراجع كل ما تحقق في المضمار الإنساني، وفي مسار الضمانة الدولية العادلة للسلام العالمي، ومن ثَمَّ؛ العودة إلى المربع الأول للحالة الإنسانية، أي إلى واقع العالم/ واقع الإنسان؛ كما كان قبل ثلاثة أو أربعة قرون، والصين، وقِيم الصين، وعالَم الصين ومبادئ الشرق اللإّإنساني...إلخ في الانتظار !            

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!