تمثال الحرية في نيويورك
تمثال الحرية في نيويورك

قبل أن نتساءل: ماذا يعني سقوط الغرب؟ علينا أن نتساءل ـ بدرجة أولى وأعمق ـ: هل سقوط الغرب  ـ ولو في المدى البعيد ـ يدخل في دائرة الإمكان ؟ وهل القصود بـ"السقوط": زوال الهيمنة الغربية ـ الرمزية والمادية ـ من موقعها في صدارة التاريخ الحديث، إلى الحضيض، بحيث تحتلّ دُول الغرب الليبرالي المربعات الهامشية ذاتها التي تحتلها دول العالم الثالث اليوم، أم يكفي مجرد الانزواء عن موقع الصدارة، نزولا إلى ما دونها بقليل؛ لتكون صفة "السقوط" مجرد تعبير عن التحول من مسارات الهيمنة الكاملة أو شبه الكاملة، وصولا إلى مسارات الشراكة المتكافئة بين عَدد غير قليل من الأطراف/ عالم متعدد الأقطاب؟

في الأسبوع الماضي (تحديدا في 2/2/2021) نشر موقع روسيا اليوم ما نصّه: "أعرب عميد معهد العلاقات الدولية في جامعة تسينغهوا في بكين، يان شوتونغ، عن رأي مفاده أن انهيار الولايات المتحدة سيجري وفق سيناريو انهيار الإمبراطورية البريطانية. فـ "المملكة المتحدة كانت على مدى طويل أقوى دولة في العالم، واستمر تدهورها لفترة طويلة، وشغل عدة عقود". وفي التقرير ذاته، يرى الأستاذ بجامعة سان بطرسبورغ، ستانيسلاف تكاتشينكو، أن تصريح الباحث الصيني يعد جزئيا مؤشرا على الضغوط النفسية والسياسية التي تمارسها الصين عموما على الولايات المتحدة، حيث أوضح تكاتشينكو أن "ردة فعل الصين أصبحت مفهومة الآن، بالنظر إلى أن جامعة تسينغهوا في بكين مقربة جدا من الحكومة، وكبار العاملين فيها لا يدلون بتصريحات عشوائية".

طبعا، المقصود بتراجع/ انهيار الولايات المتحدة (الذي يبتهج به ـ على نحو ساذج ـ الموقعُ الروسي) هو: تراجع الغرب الليبرالي لصالح قوى غير ليبرالية، قوى شمولية، أو شبه شمولية؛ صاعدة في الشرق. والمفارقة أن بلدا يكون فيه "كبار الأكاديميين" لا يُدلون بتصريحات عشوائية، بل لا بد من ترتيبات مسبقة مع الحكومة الشمولية ـ وفق تعبير المحلل الروسي نصّاً ـ، هو ذاته الذي يُبَشّر بتراجع/ سقوط الولايات المتحدة !. ولا يُخْفِي المُحلّلُ الروسي/ تكاتشينكو الجانبَ الرغبويَّ الذي ينتظم تحليله، خاصة عندما يُعقِّب على ذلك بقوله عن الولايات المتحدة: "سوف تحاول دون جدوى تشكيل تحالفات جديدة ضد الصين. وسوف يستمر ذلك حتى تدرك أخيرا وزنها الحقيقي في الشؤون الدولية وتعود إلى سياسات القرن التاسع عشر الانعزالية، والتي كانت في ظلها القوة الأكثر نجاحا في العالم. ومنذ الآن، العالم كله يرفض الاعتراف بالزعامة الأميركية، ولم تعد الولايات المتحدة تمتلك الموارد لإجبار الجميع على هذا الاعتراف".

هكذا يتحدث الشرق الاستبدادي المتخلف (المتخلف بالمعايير الإنسانية للتقدم: المعايير التي تدور على محور تحقق الكرامة الإنسانية) عن الغرب الليبرالي المتقدم. وهو حديث يتكرر باستمرار، على أحوال مُتَقلِّبة بين حَسَدٍ حَارق يُغَذّيه فَشلٌ متواصل، وغيظ مكتوم تحت وطأة الهزائم التاريخية المتلاحقة، وجهل (جهل لا بسبب غياب المعلومات؛ وإنما بسبب افتقاده للنظام المعرفي الأرقى) يمنح مثل هذه المشاعر البدائية مساحة واسعة لاستنبات الأحلام الكاذبة التي تَعِدُهم وتُمَنِّيهم؛ فما يخرجون منها بطائل؛ إلا أن يكون طائلَ مُداوَة الجروح النرجسية النازفة بالكذب على الذات، التي سرعان ما تنساق لمثل هذا الخداع.

منذ قرنين تقريبا، منذ انتظم وعي الحضارة الغربية بنفسها كحضارة استثنائية تأخذ طريقها لمزيد من الهيمنة المادية والمعنوية على العالم، والحديث عن تراجع هذه الحضارة وانكماشها، بل وحتى عن تدهورها، هو حديث ينبع من داخل هذه الحضارة ذاتها؛ كحراك ثقافي يُمارس آلية النقد الذاتي بشكل واعٍ أو غير واعٍ؛ عبر مسارين: رفض أو استشراف.

وإذا كان هذا الطرح/ النقد الذاتي قد بلغ قمته قبل قرن تقريبا، على يد المؤرخ والفيلسوف الألماني/ اشبنغلر في كتابه الشهير الذي حكم في على الحضارة الغربية بحتمية "الأفول/ السقوط/ الانحدار/ التدهور؛ كقاعدة تاريخية/ واقعية، تعمّ الحضارات، والحضارة الغربية ليست ـ كما يرى ـ استثناء، فإنه لم يتوقف إلى اليوم؛ بل ولم يكبح من جُموحه التشاؤمي إلا قليلا؛ رغم كل الصور المبهرة من الصمود، بل ومن الانتصار المتواصل على أكثر المآزق والتحديات خطرا. 

على أي حال، لا يمكن فصل تشاؤم اشبنغلر بشأن الحضارة الغربية في كتابه الصادر عام 1918 عن الدمار الذي لحق بأوروبا جرّاء الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، وجرّاء صعود القوميات/ العصبيات التي تُوحي بفشل مسار التنوير السابق الذي كان وراء تفاؤلِ القرن التاسع عشر المدعوم بثورة من الاكتشافات التي كانت تَعِد بالكثير. 

ولعل من المفارقات أن الأفول/ السقوط لم يكن أفول/ سقوط الغرب؛ بقدرما كان أفول/ سقوط تشاؤم اشبنغلر بعد أن أثبتت هذه الحضارة الاستثنائية  أنه بـ"وعيها الاستثنائي" في التاريخ، قادرة على الخروج من مآزقها، بل وقادرة على الانبعاث من رماد الحروب العالمية التي التهمت نيرانها معظمَ أقطارها في لحظة جنون عابرة؛ لتحقق ذاتها باستمرار، بل ولتنتصر على ذاتها باستمرار أيضا.

يتحدث مساعد وزير الدفاع الأميركي في إدارة كلينتون/ جوزيف س. ناي عن هذه الظاهرة قبل عشرين عاما من الآن، أقصد: ظاهرة الحديث الغربي المتكرر عن سقوط الغرب، وسقوط الولايات المتحدة تحديدا كرمز أيقوني لهذا الغرب. يقول: "على مدى سنوات، حاول عدد من الباحثين أن يتنبأوا بصعود الأمم وسقوطها بتطوير نظرية عامة عن التحوّل إلى الهيمنة. فحاول بعضهم التعميم من تجربة البرتغال، وأسبانيا، وهولندا، وفرنسا، وبريطانيا، وركّز آخرون بشكل لصيق أكثر على اضمحلال بريطانيا في القرن العشرين كمؤشر ينبئ بمصير الولايات المتحدة، ولكن لم ينجح أيٌّ من هذين النهجين. فقد تنبأت معظم النظريات بأن أميركا سوف تضمحل قبل وقت طويل من الآن". وهو يشير إلى أن الحديث عن انحطاط الولايات المتحدة كان رائجا قبل عقد عقدين من نهاية القرن العشرين. يقول في كتابه الذي صدر عام 2002: "قبل عقدين من الزمان [يقصد في حدود 1980 تقريبا] كان الرأي التقليدي السائد يندب أميركا الآخذة بالانحطاط، وتصدرت قائمةَ الكتبِ الأكثر مبيعا كتبٌ تصف سقوطنا. وظهرت على غلاف إحدى المجلات الشعبية صورة لتمثال الحرية وقد سالت على خده دمعة" .(مفارقة القوة الأميركية، جوزيف س. ناي، هامش ص49, وص13على التوالي).

جوزيف س. ناي يُرجع ظاهرة الكتابة عن سقوط/ تدهور الولايات المتحدة إلى "التشاؤم الثقافي" الذي "هو ببساطة شيء أميركي جدا، يمتد تاريخيا إلى جذور التطهرية المتزمتة"، كما يراه تشاؤما مدفوعا بنوع من كون الناس ـ بطبيعتهم ـ ينظرون إلى الماضي بوصفه زمنا جميلا مقارنة بالحاضر والمستقبل (مفارقة القوة الأميركية، ص208و209). أي أنها لا تُعبّر عن واقع الحال؛ لا راهنا ولا مستقبلا؛ من حيث كونها لا تستند على معطيات واقعية صلبة، بل هي خاضعة لعوامل نفسية، تتجاوز معطيات الواقع أو تقفز عليها، سواء صدرت تلك التحليلات/ الأطروحات الاستشرافية عن الداخل الغربي، أو صدرت عن الآخر/ غير الغربي، الآخر الذي يُحاول ـ في الغالب ـ تعزيز تحليلاته/ رَغْبَوِيّاته بما صدر عن الداخل الغربي، بوصفه نوعا من الاعتراف، نوعا يُشْبه شهادة الأعداء على أنفسهم، و"الحق ما شهدته به الأعداء" !

منذ بدء تلك التنبوءات، مِن داخل الغرب ومن خارجه (أي من جهة النقد الذاتي والتحذير التشاؤمي، ومن جهة الهجوم العدائي والرؤية الشامتة الحاقدة أو الحاسدة)، في كل الأحوال، أثبتت الوقائع، وعلى امتداد قرنين من الزمان، أن الغرب يسير قُدُما في تقدّم مستمر؛ رغم كل المنعرجات والانحناءات التي شهدها مساره التقدمي، بل وأثبت ـ على امتداد هذا التاريخ/ قرنين ـ أن الآخرين يتقدمون تقدما حقيقيا؛ بقدر ما يتغرّبون؛ بقدر ما يُصبحون أوفياء لحضارة الغرب التي ليست استثنائية في تقدمها المادي فحسب، وإنما هي استثنائية حتى في تقدمها الإنساني/ القيمي.

أعلم أن كثيرا من أبناء العالم الثالث يحملون ترسانة من الاعتراضات المشاغبة على الشطر الثاني من هذا التوصيف (= التقدم الإنساني والقيمي). غير أن حقائق هذا الشطر الثاني لا تقل صلابة ـ في تحقّقاتها الواقعية ـ عن حقائق الشطر الأول. فحقائق انفتاح الأفق الإنساني في الغرب لا تقل وضوحا وثباتا ورسوخا عن حقائق المسار التقدمي على مستوى العلوم وبراءات الاختراع والتكنولوجيا والإنتاج الصناعي. بل هي في الأفق الإنساني أشد تخصّصا بالغرب وأكثر انطباعا به، من حيث كون هذا الأفق الإنساني لم يخضع بَعْدُ لمنافساتٍ حقيقية خارج نطاق العالم الغربي الليبرالي، بينما خضع ويخضع المسار التقدمي المادي لمنافسات وتحدّيات جِدّية، خاصة في الشرق الأقصى الذي لا يزال بعيدا جدا عن يوائم بين خطواته المتسارعة في التقدم المادي/ الصناعي، وخطواته المتعثرة: المتراجعة ثباتا على قديم، أو نكوصا عن جديدٍ تشترطه ـ على نحو ما ـ بعضُ مسارات التقدم المادي. 

لو تراجع الغرب حقا، لو فقد الغربُ قوته المادية وضمانته الأخلاقية؛ لفقدت كثير من المنظمات العالمية قدرتها على الضبط؛ ولأصبحت "الذّئبية" هي سيدة العلاقات الدولية، وبالتالي، وبالتتابع الطردي الضروري، سيدة العلاقات داخل كثير من دول العالم. ما يعني أن ازهار الغرب ليس ضمانا لاستقرار العالم فحسب، بل هو ضمان لاستقراره على قاعدة من العدالة الدولية من جهة، وعلى قاعدة من شيوع "الضمير الإنساني" ـ بكل ما يحمله هذا الشيوع من حاكميّة مضمرة ـ على مستوى الجماعات والأفراد.

المعايير التي تؤكد حجم الكارثة التي يمكن أن تصيب العالم؛ فيما لو تراجع الغرب، كثيرة. وهي ذاتها المعايير التي تكشف حجم الهوة بين الانفتاح الإنساني الغربي والانغلاق الشرقي. ولإيضاح الصورة بشكل أبسط وأكثر مُبَاشريّة: يمكنك تخيّل ملايين المهاجرين الذين لا يحملون غير انتمائهم الإنساني/ كونهم بشرا، أولئك الذي فتح الغرب لهم آفاقا غير محدودة لتحقيق الذات، آفاقا لا يحلمون ببعضها حتى في أوطانهم الأصلية (فيما هو/ الغرب غيرُ مُكْتَفٍ بذلك، بل يُجْرِي مراجعات مستمرة على مسلكياته في هذا المضمار لتكون أكثر إنسانية)، وبين الممكن في دول الشرق، حتى تلك التي حققّت مستويات عالية من التقدم المادي المتواصل. 

لا يُمكِنك أن تتخيل مُهاجرا هنديا أو عربيا أو أفريقيا وصل إلى منصب وزاري ـ فضلا عن منصب رئيس الوزراء ـ، في اليابان أو الصين مثلا، (وهما المطروحان كبديل للغرب !)، بينما تستطيع أن تخيّل ذلك في بريطانيا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة وفرنسا وهولندا، بل تراه متحقّقا؛ لا مُتخيّلا(فيما هو في الشرق الأقصى غير متخيّل أصلا !). ولا شك أن هذا مؤشر حاد، وحاسم، ونوعي، على انفتاح الأفق الإنساني في الغرب؛ مقارنة بالشرق، هذا الانفتاح الذي ينعكس حتما ـ بفعل الزخم الكبير/ الطاغي لحضارة الغرب ـ على كثير من مسارات التأنسن، حتى خارج الحدود الجغرافية للغرب الليبرالي. وسقوط/ تدهور الغرب ـ فيما لو سقط/ تدهور ـ سيعني تراجع كل ما تحقق في المضمار الإنساني، وفي مسار الضمانة الدولية العادلة للسلام العالمي، ومن ثَمَّ؛ العودة إلى المربع الأول للحالة الإنسانية، أي إلى واقع العالم/ واقع الإنسان؛ كما كان قبل ثلاثة أو أربعة قرون، والصين، وقِيم الصين، وعالَم الصين ومبادئ الشرق اللإّإنساني...إلخ في الانتظار !            

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.