في "مقتلة الاغتيالات" تختفي الهويات لحظة الموت. يصبح الموتى وبقوة الاغتيال الجبان وحده ضمن دفتر عائلة واحد، هكذا أعتقد أنا على الأقل.
شخصيا، لم أكن متفقا مع كل ما ذهب الراحل جمال خاشقجي في مقالاته، كانت وجهة نظره في الطرف الآخر من حيث أقف، لكنني بلا شك حزنت كثيرا لعلمية قتله البشعة، تخيلت مرارا وتكرارا لحظاته الأخيرة بحزن ووجع ورعب، كان طريقة اغتياله بحد ذاتها إرهابا يستهدفني شخصيا.
الشعور يتضاعف حين يكون ضحية الاغتيال شخصا تعرفه، صافحته وجالسته ومزحت معه، مثل هشام الهاشمي مثلا، ضحية الاغتيال الجبان في العراق، اغتيال وسخ كان أيضا بمثابة إرهاب يستهدفني شخصيا.
قبل خاشقجي "الذي لا أتفق معه ولا أعرفه" وهشام الهاشمي " الذي أتفق معه وأعرفه" كان الموت المعلن للكاتب الأردني ناهض حتر، وهو من كنت أعرفه جيدا ولا أتفق معه، كان حزني على ناهض موجعا وكان اغتياله، إرهابا مباشرا يستهدف رأسي شخصيا.
وقبل أيام، يصبح الإرهاب بالإغتيال شبحا لا يغادر برحيل مؤسف للمغدور الشجاع لقمان سليم، "لا أعرفه وأتفق معه".
صباحا بتوقيتي في غرب أوروبا، وليلا بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة، كان الصديق ثائر غندور يهاتفني ويبوح بكل وجع الدنيا ليتوحد التوقيت على نبض بيروت الذي توقف برحيل لقمان سليم.
ثائر لا يعرف لقمان وحسب، كان قريبا حد التأثير والتأثر المباشرين مع الراحل لقمان، والإثنان تجتمع صورتهما في بوستر شهير جمعته ونقحته وأعدته بعناية "دموية" مطبوعة "الأخبار" في لبنان، وأخرجته للملأ ضمن خطاب تحريضي على القتل تحت عنوان "شيعة السفارة"! في البوستر أيضا من أصدقائي الدكتورة منى فياض، السيدة التي تكتب كعاصفة ثورية في سبيل الإنسان الحر، وتجالسك بوقار كسيدة حكيمة بقلب طفل عذب.
هؤلاء من نخبة أصدقائي اللبنانيين، ومن زاوية رؤيتي لم أكن أرى فرقا في وجهات النظر حول لبنان بين فارس خشان "اللبناني المسيحي على الهوية" ومنى فياض "اللبنانية الشيعية على الهوية" وهما يتحاوران أمامي في مطعم بتونس قبل عامين، كان ثائر وقتها فرحا جدا، على عكس مكالمته الأخيرة معي والتي انتهت بالتقاطي عدوى" الحشرجة المالحة في الحلق" وقد عبرت الأطلسي كله.
فارس خشان مستهدف أيضا من جماعة "المقاومة والممانعة" لكنه في ظروف أقل خطرا من منى فياض وثائر غندور وباقي أفراد "شيعة السفارة" لأن حزب الله ببساطة يكون أكثر شراسة مع "أهل البيت" من زاويته الطائفية.
ولأنه أكثر شراسة، كان لقمان "الحكيم جدا" هدفا سريع التنفيذ، فهو أيضا ومن مربضه المقاتل بالفكرة والكلمة كان أكثر شراسة مع "أهل البيت" بحكم منسوب الإنسانية المرتفع فيه، ورؤيته الموحدة "تماما" للبنان كدولة مؤسسات وقانون.
--
لبنان بواقعه الراهن، وهو خطيفة مرتهنة لحزب الله والمزاج الإيراني، وتاريخيا منذ سيطرة فكرة الطوائف عليه، فهو البلد الوحيد في العالم الذي تكون "هيئة التحقيق" فيه شريكا في الجريمة أو متواطئة فيها.
لذا فالقتلة، مع المحرضين، ومشاريع القتلة على الطريق، جميعهم يطالبون بانتظار نتائج "لجنة التحقيق"، وهي خطوة كان يمكن أن تكون عظيمة وذات معنى في ظل وجود دولة حقيقية، دولة مؤسسات وقانون لا يهيمن عليها وعلى قوانينها ومؤسساتها ورموز سلطتها "وهؤلاء تحديدا أوهى من بيت العنكبوت" نفوذ حزب الله المسيطر على كل تفاصيل العيش "المشترك".
دولة كانت ولا تزال نخب الفكر المستقل والحر والعابر "للحواجز الطائفية" تطالب بها، من تلك النخب كان الذوات الأفاضل في بوستر "شيعة السفارة"، وعلى رأسهم -مع الاحترام للجميع- كان الراحل لقمان "الحكيم جدا".
أكتشف بعد موته كم كان كبيرا فوق التخيل، أقرأ عنه بعد اغتياله البشع كل ما كتبه معارفه "وهم كثر جدا"، يكتب زميلي رستم محمود هنا في الحرة مثلا مقاله الأخير ويذكر فيه "كحدث عادي" أنه قبل شهر كان ومجموعة من زملائه على موعد مع لقمان سليم، لغاية عمل توثيقي يتعلق بتوثيق مبنى جهاز أمني في كردستان العراق أيام عد الدكتاتور صدام حسين، توثيق التعذيب والانتهاكات والدفاع عن الضحايا حتى لو ماتوا وطواهم الغيب.
أتخيل حجم النشاط الذي كان فيه لقمان "الحكيم جدا" وهو يمد يديه في كل مكان ليرفع صوت الضحايا حتى في كردستان العراق.
ومثل غيري، وقفت بخشوع أستمع لشقيقته، رشا الأمير، بعد اغتياله، كانت تعطينا جميعا درسا في الأخلاق الإنسانية، كانت شجاعة مثل شقيقها لقمان، من بيتهم في وسط "هيمنة ونفوذ" حزب الله، المشتبه به الأول والأوحد في مقتل لقمان، كانت تتحدث بحزن نبيل جدا.
كانت أم لقمان بعد ذلك، بلهجتها المصرية تبتلع ريقها بصعوبة كأي أم مكلومة وتتحدث بترفع إنساني مخيف، فأشعر رغم الحزن الشديد بالاطمئنان والهدوء.
فأنتبه إلى فكرة غريبة: كانت أمه وشقيقته يحاربان الإرهاب ببساطة. الإرهاب الذي شعرت أنه يستهدفني بالرعب.
--
القتل بالاغتيال، هو الحالة المتطرفة في الإقصاء، وإلغاء الآخر.
في شرقنا البائس، الإقصاء وظيفة دينية تحمل صفة المقدس دوما، هناك رابط "وهمي طبعا" بينها وبين الله، فإما أن يكون القتلة مؤتمرون من الله حسب وجهة نظرهم، أو أنهم يتوهمون أنهم من حزبه.
في العراق، ومع ذروة صعود تنظيم داعش وغيره من متطرفي السلفية السنية كانت بيوت المسيحيين في بعض الأحياء المختلطة "بالعيش المشترك" يتم تمييزها برسم حرف "ن" على أبوابها دلالة على كلمة "نصراني" وهي الكلمة الإقصائية بحد ذاتها للمسيحي في الأدبيات السلفية المتطرفة.
لكن، حرف "ن" وجد طريقه أيضا عند الجهة الإقصائية المقابلة في عالمنا الإسلامي، سواء في العراق او لبنان، فلقب "ناشط" أيضا يعرضك لأن تكون مستهدفا على باب بيتك مثل الراحل هشام الهاشمي، أو في أي مساحة على الطريق صالحة للقتل مثل الراحل لقمان سليم.
هذا استحضار عصري جديد في ذلك الشرق المحكوم بالخدر الطائفي لكل مرحلة "الحشاشين" و "الخوارج" واغتيالاتهم الدموية وجميعهم يؤمنون بيقين "أفيوني" ان الله ينصرهم.

