عمر البشير
عمر البشير

سألت صحيفة الأوبزيرفر البريطانية الجنرال، عمر البشير، في عددها الصادر يوم 16 يوليو  1989، أي بعد حوالى أسبوعين من انقلابه على النظام الديمقراطي عن علاقة انقلابه بحزب الجبهة القومية الإسلامية (فرع جماعة الإخوان المسلمين في السودان) فأجاب بالقول: "أريد أن أؤكد بشكل قاطع أنه لم تكن لنا علاقة بالجبهة القومية الإسلامية لا قبل ولا أثناء ولا بعد الانقلاب ولا توجد لدينا نية للتعاون معهم بالمرة!". 

كان الجنرال الإخواني يكذب، فقد اعترف لاحقا أنه عضو ملتزم التحق بصفوف الجبهة القومية الإسلامية منذ سنوات طويلة حتى صار أكبر قياداتها العسكرية داخل القوات المسلحة السودانية حيث عهد إليه بتدبير الانقلاب بأوامر مباشرة من قيادة الجبهة، التي تزعمها الدكتور حسن الترابي.

من جانبه أيضا كذب الترابي مثل الجنرال البشير وأنكر علاقته بالانقلاب، ولكنه اعترف لاحقا بحقيقة كذبه، وقال إنه إلتقى قائد الانقلاب قبل ساعات من التنفيذ وبارك له الخطوة قائلا له: "اذهب أنت للقصر رئيساً، وأذهب أنا للسجن حبيساً"، حيث تم التمويه من قبل منفذي الانقلاب بحبس الأخير مع بقية قيادات الأحزاب السياسية.

يقول بعض أصحاب الأفهام الدينية بجواز الكذب على العدو في الحرب، ويستندون في ذلك إلى حديث منسوب لأم كلثوم بنت عقبة قالت فيه: "لم أسمع رسول الله يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب".

ويذهب بعضهم كذلك إلى أن الكذب على الكفار عموما يجوز في غير حالة الحرب من أجل تحقيق مصلحة دينية أو دنيوية، ويستشهدون في ذلك بحديث منسوب للنبي يقول: لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات: اثنتان منها في ذات الله عز وجل: قوله (إني سقيم) وقوله (بل فعلهُ كبيرهم هذا)، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس فارسل إليه فسأل عنها فقال: من هذه؟ قال أختي، فأتى سارة قال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإنَّ هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني".

وكذلك يستندون إلى قصة أصحاب الأخدود، وينسبون إلى الرسول القول فيها: كان ملك فيمن قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إلى غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يُعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب فقال له: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر".

الإخوان المسلمون يتبنون نفس المنطق في تبرير الكذب، ويستخدمون عبارات ملتوية يلتفون بها على الكلمة، فعلى سبيل المثال، فإن أحد قادتهم الكبار، محمود الصباغ، في كتابه "حقيقة التنظيم الخاص"، أسمى الكذب (إيهام القول للمصلحة)، وهو عندهم جائز من أجل تحقيق أهداف الجماعة ونصرتها على الأعداء خارج صفها.

وتتمثل خطورة تبني الكذب عند الإخوان المسلمين في أن تعريف من هم خارج صفهم أو الأعداء عندهم لا يقتصر على المخالفين في الدين، ذلك لأنهم يعتبرون أنفسهم في حالة حرب مع الجميع، حتى المسلمين، فالمُنِّظر الأول للجماعة، سيد قطب، يقول في كتابه "في ظلال القرآن": "ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم  قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله و الفقه الإسلامي".

إن الكذب يناقض القيم الدينية وكذلك الوجدان السليم، ولا يجوز تبرير الكذب بأي سبب دعك من تبريره بمنطق الدين، فهذه الخصلة المذمومة يجب أن تكون محرمة في كل الأحوال وتحت كل الظروف فالتجتماع البشري يَفسد فسادا عظيما إذا استشرت فيه هذه الآفة، ولذلك فإن القرآن نزع عن المسلم صفة الإيمان إذا كذب: "إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون".

والقرآن كذلك يصف الكذب بالإثم المبين: "أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا"، ويقول إن الذين يمارسون هذه العادة الرذيلة لن يفلحوا أبدا: "إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون"، ولم تتحدث آية قرآنية واحدة عن إباحة الكذب لأية سبب من الأسباب.

لم يضع الرسول أي إستثناء للكذب سواء في حالة الحرب أو الكذب على غير المسلمين، حين قال: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً وإياكم والكذب فإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".

وهو كذلك عندما سُئل: "أيكون المؤمنُ جباناً؟ قال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمنُ بخيلاً؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: لا"، ولم يقُل نعم يكون المؤمن كذاباً في زمن الحرب أو في حال دفاعه عن الأمة الإسلامية ضد العدو كما يقول إسحق فضل الله.

إن الإدعاء بأن الكذب يجوز على أعداء الإسلام – فوق أنه يسيء للدين – فإنه يفتح الباب عريضا لاستشراء الفساد بين الناس وفي المجتمع، فالكل سيكذب، وسيقول إنه إنما يكذب على أعداء الإسلام، خصوصا بعد أن أصبحت هذه العبارة فضفاضة تسع كل من يخالف هذا أو ذاك في الرأي.

إن أهل الإسلام السياسي بمختلف فرقهم وجماعاتهم يتقاتلون، ويُكفرون بعضهم البعض، فالوهابية يرون أن الشيعة "الرافضة بمصطلحهم" هم ألد أعداء الإسلام، والعكس صحيح كذلك من طرف هؤلاء.

وفي سوريا تقاتلت جبهة النصرة تنظيم داعش، وكلاهما ينظر للآخر بأنه عدو، وفي الصومال قاتلت حركة الشباب جماعة "شيخ شريف" الأقرب لفكر الإخوان المسلمين وصنفوهم في خانة الكفار، وهكذا لم يعد يعرف أين هو الإسلام الذي يقول إسحق أنه يدافع عنه بإطلاق الأكاذيب، فالكل يُكّفر الكل، والخاسر الأكبر هو الدين نفسه.

وكذلك، فإن فتح الباب أمام إباحة الكذب في مناسبات معينة يساهم - ضمن أسباب أخرى - في انحطاط المجتمع ككل لأن الكذب لا محالة سيتعدى تلك المناسبات وينتشر ليشمل مختلف نواحي الحياة، وبالقطع سيجد كل إنسان اعتاد على ممارسة هذا السلوك تبريرا يريح ضميره.

الصحيح أن يتمسك المسلمون بنبذ الكذب مطلقا كما حثَّهم القرآن، وألا يفتحوا ثغرات ولو كانت محدودة لقبول هذه العادة الرذيلة لأنها بالقطع تفتح عليهم أبواب جهنم في الدنيا قبل الآخرة، وما الفارق الكبير في الالتزام بقيمة الصدق بين مجتمعات المسلمين ومجتمعات أخرى (الغرب على وجه التحديد) إلا دليل ظاهر على ما يمكن أن يقود إليه هذا السلوك البائس من انحطاط شامل في كل نواحي الحياة.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.