مدرسة لتحفيظ القرآن بأحد مخيمات الصومال
مدرسة لتحفيظ القرآن بأحد مخيمات الصومال

من يشاهد الانتشار الواسع لمعاهد تحفيظ القرآن في هذه الأيام يظن أنها استمرار لتقليد قديم عمره قرون، ولكن الحقيقة أن هذه المعاهد ليست سوى بدعة حديثة عمرها بضعة عقود فقط رغم وجود مراكز لتدريس القرآن وتعليمه وشرح معاني آياته والأحكام المستخلصة منه وأصول تلاوته منذ زمن بعيد، ورغم وجود مبادرات فردية دائما لحفظ القرآن، كما أنه لا علاقة لمعاهد تحفيظ القرآن بالكتاتيب التي انتشرت في البلاد العربية في العصور الوسطى على شكل ركن ضمن المسجد يتعلم فيها الأطفال كما يدل اسمها على الكتابة والقراءة مع شكل بسيط من الحساب. 

 فقد ابتدأت هذه المعاهد في النصف الثاني من القرن الماضي عندما انتقل تركيز بعض رجال الدين إلى تحفيظ القرآن بدل دراسته وفهم معانيه ومقاصده، فتم افتتاح أول جمعية لتحفيظ القرآن في المسجد الحرام في مكة عام 1962 على يد رجل دين هندي هو محمد يوسف سيتي، وبعد نجاح هذه الجمعية تم بعد سنتين افتتاح فرع آخر لها في المسجد النبوي في المدينة، وبعد سنتين آخرين افتتح مركز ثالث في الرياض، وقال الشيخ خالد بن عبد الله الفواز أنه سرعان ما انتشرت هذه الجمعيات في بقية دول الخليج ومصر والشام والأردن وفلسطين ولبنان واليمن. 

ففي الكويت افتتحت وزارة الأوقاف أول دار للقرآن للرجال عام 1971 وللنساء عام 1977، وفي الإمارات تم افتتاح أول مركز لتحفيظ القرآن عام 1974، وفي البحرين تم افتتاح أول مركز في عام 1975، وتزايد إنتشار هذه المعاهد بشكل واسع في عقود الثمانينات والتسعينات في جميع البلاد العربية حتى وصلت أعدادها إلى عشرات الآلاف، ولم يكن هذا الانتشار الواسع عفويا بل وقفت خلفه جهات مثابرة لها أهداف أبعد من حفظ القرآن. 

الطرف الأول كان أحزاب وتيّارات الإسلام السياسي التي كانت محرومة من النشاط العلني في أغلب الدول العربية، فوجدت تحت عنوان تحفيظ القرآن طريقة لممارسة نشاطها لا يستطيع أحد الاعتراض عليها، وبما أن هدف هذه التنظيمات الرئيسي تجنيد كوادر في صفوفها فقد استلهمت في عملها تجربة الأحزاب الشيوعية والفاشية والقومية في التركيز على الأطفال والشباب، ففرضت عليهم لباسا خاصا في سن مبكرة بحيث يرتدي الأطفال الجلباب أو الدشداشة وترتدي الطفلات فوق ثيابهن الجلباب والحجاب باعتبارها تعكس الهوية الإسلامية. 

كما كانت طريقة التدريس اقتباسا آخر من الأحزاب الشمولية يعتمد على الحفظ والتسليم بدل التساؤل وحب المعرفة والاكتشاف، رغم أن فكرة التحفيظ لم يعد يتقبّلها العالم المعاصر الذي يشجع على العقل النقدي البعيد عن المسلّمات والذي يزرع في الأطفال حب النقاش والحوار والاستنتاج والإبداع للوصول إلى أكبر عدد من الأفكار وبالتالي تعلّم إحترام الآراء المختلفة، وكانت النتيجة تشويه الطفولة وحرمان الأطفال من السعادة والبراءة والعفوية بل زرع مشاعر الكراهية في قلوبهم تجاه كل من يختلف عنهم. 

وحققت أحزاب الإسلام السياسي من خلال هذه المعاهد نجاحا لا يمكن إنكاره في إعداد الكثير من الشباب ليكونوا جاهزين للتجنيد في صفوفها بعد إخضاعهم لسلسلة من الاختبارات ينتقل فيها الطالب من مرحلة إلى مرحلة أعلى مع تطور الثقة فيه، حتى يتم في النهاية إختيار نخبة منهم للدخول في الجماعة، وساعد هذه التنظيمات على نجاح مهمتها صعوبة مراقبة هذه المعاهد من قبل الدولة لأن التدريس يتم بشكل رئيسي شفويا وكل ما هنالك أن المتشددين يختارون آيات معينة تتماشى مع فكرهم. 

وكذلك لأن العلاقات داخل أغلب الأحزاب الإسلامية لا تتطلب بالضرورة وجود روابط تنظيمية واضحة وتسلسل قيادي واجتماعات دورية، بل تأخذ العلاقة شكل أسرة أو جماعة لها خط فكري واحد تحيط بالعضو وتقدم له مساعدات وخدمات تدفعه للشعور بالانتماء والولاء للتنظيم، كما كانت المعاهد التابعة لهذه الأحزاب شبه مجانية وأحيانا تتكفل باللباس وبقية مستلزمات طلابها لأن لديها أهدافا بعيدة مما زاد من انتشارها في الدول العربية التي تعاني من صعوبات إقتصادية، حيث ليس بإمكان الأطفال ممارسة نشاطات ثقافية أو رياضية بل حتى المنازل تضيق على سكانها، مما جعل هذه المعاهد الفرصة الوحيدة المتاحة أمام الأهل للاستراحة لبضع ساعات من ضجيج أبنائهم. 

أما الطرف الثاني الذي روّج لهذه المعاهد فقد كان المراكز الدينية المتحالفة مع الحكام مثل الأزهر في مصر ومعاهد كفتارو في سوريا، الذين عقدوا إتفاقيات مع الأنظمة بعدم التعرض للقضايا السياسية إلّا في سياق تأييد ومدح الحاكم مقابل إطلاق يدهم في أسلمة المجتمع، ولكن من حيث المحتوى كان من الصعب التمييز بين هذه المراكز وتلك التي تديرها أحزاب الإسلام السياسي لأن طروحات الطرفين ورؤيتهما كانت واحدة، مما ساعد في تغلغل أعضاء من تنظيمات الإسلام السياسي ضمن المراكز التي يديرها شيوخ السلطان والترويج لفكرهم بشكل غير مكشوف لأنهم أكثر ثقافة وخبرة وحنكة، ولكن النتيجة كانت تنافس الطرفين في اكتساب قاعدة شعبية عبر نشر هذه البدعة. 

ثم إنضم إلى تلك المنافسة طرف ثالث وهم رجال الدين النصّابين، الذين جعلوا من تحفيظ القرآن مهنة  وفرصة  للتكسّب المادي، وقال تقرير مطوّل في مجلة روز اليوسف المصرية عام 2012 "وسط هذا الطوفان من التدين السطحي الذي نعيشه، تفشّت في مصر ظاهرة التجارة بالقرآن الكريم والقراءات العشر ومنح إجازات بحفظه لكل من هب ودب في الداخل والخارج دون أدنى رقابة أو مرجعية مقابل تسعيرة تصل إلى 45 ألف جنيه"، وذكر التقرير العديد من الأمثلة مع شرح كيفية إستخدام هذه الشهادات في افتتاح مراكز لتحفيظ القرآن في دول خارجية من بنغلاديش وإندونيسيا شرقا مرورا بدول الخليج حتى أميركا وكندا غربا. 

وقال تقرير آخر في صحيفة الدستور عام 2017 بعنوان "السوق السوداء لإجازات القرآن في مصر" أن شيوخ وجمعيات وجامعات إسلامية ومواقع إلكترونية إستخدمت السكايب والفيس بوك وحتى التلفون في منح شهادات حفظ وتلاوة القرآن للكسب المادي وتحوّلها إلى بزنس وتجارة علنية ببضعة آلاف من الجنيهات، كما نبّه نقيب المقرئين المصريين محمد الطبلاوي إلى وجود سوق سوداء لإجازات حفظ القرآن، ولكنه أكّد عدم وجود حرمانية في تقاضي الأجر على تعليم القرآن والدليل قول الرسول، إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله. 

واليوم بعد مرور خمسة عقود على إنشاء هذه المعاهد اصبح بالإمكان الحكم على ما تركته من آثار خطرة على الأطفال والشباب وعلى المجتمع بشكل عام عبر محاولتها إرجاع المنطقة قرونا للخلف وفي تخريجها جيل جاهل يكره الحداثة والتطور والعلم ويعتمد على الحفظ كبديل عن التفكير وإعمال العقل، وكيف كانت منبرا للإسلام السياسي والمكان الذي تتخرج منه "أشباله" وإرهابيي المستقبل. 

كما تأكدت في الفترة الأخيرة أن محاولات إصلاح هذه المعاهد أو تنظيمها لن تنجح مهما بذلت الحكومات من جهود، وأنه لا بديل عن إغلاقها بشكل كامل، لأنها بدعة حديثة دخيلة على الإسلام وتسيء إليه عبر زرع الفكر المتطرف في المراكز المرتبطة بتنظيمات الإسلام السياسي أو تلقين إسلام عصور الانحطاط في معاهد شيوخ السلاطين، وإغلاقها في حقيقته دفاع عن الدين، فلا يفيد أحد حفظ القرآن دون تفكير واستيعاب ولا يستفيد أي مجتمع من تشويه الطفولة أو من زرع مشاعر الغضب في عقول وقلوب الشباب، ولكن هذا يتطلّب قرارات شجاعة ليس من السهولة اتخاذها، فتجربة العقود الماضية أثبتت أن إدخال أي بدعة متشددة إلى الإسلام أمر في منتهى السهولة أمّا إخراجها منه فهو أمر بالغ الصعوبة.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!