لقمان سليم
"سوف يبقى مزعجاً، لهم ولغيرهم. طوبى للإزعاج"

خلف ابتسامة دائمة لم تفارق وجهه، كان لقمان سليم يقدّم لمن يحاوره مزيجاً من الأفكار السوداوية، التي ترسم الواقع بأقبح الصور، ومن الأعمال الإقدامية، التي تترقب مستقبلاً وردياً. ربما كانت تلك نسخته من الحكمة المنسوبة إلى الإمام علي "اِعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً". لم يعكّر لسان لقمان اللاذع، ولا قلمه الحاد، حقيقة أنه كان قد نذر نفسه دون تحفّظ للشأن العام، بل ضاعف من تأثير فعله، إذ "أزعَج"، الإزعاج الطيب الحسن.

ليست هذه الكلمات محاولة أخرى لرسم معالم سيرة لقمان. أن يطفح الفضاء العام بمحاولات من هذا القبيل دليل على أن الرجل قد أنجز، ولستُ أنا بموقع القادر على إضافة ذات قيمة في هذا الصدد. ولا هي مسعى لإثبات التهمة لقتله، وهي التهمة اللاصقة بحزب الله، مهما اجتهد المعتذرون لهذا الحزب بجهود الضعضعة والمحاججة الفارغة.

من موقعي، كإنسان تقاطعت حياته وتجربته مرات عدّة مع لقمان سليم منذ أيام الدراسة قبل عقود، أود أن أفي الرجل بعض حقّه بالإشارة إلى أنه، وهو الذي "عبث وتولّى"، كان في حياته النقيض لما يراد للبنان وما يتعدى لبنان أن يمسي، وأن إزعاجه لهذه الإرادة بحد ذاته الدليل على أنها ليست إرادة حق، بل إرادة هوى، هي إلى زوال، ولقمان إلى بقاء.

الإرادة المقصودة هنا لا تقتصر على حزب الله، وإن كانت هذه المجموعة الموالية لإيران "أنجح" تجلياتها. النجاح هنا هو بالسطوة والقدرة على فرض الأمر الواقع، وبشفاء صدور هو في واقع الأمر إشباع غرائز، وليس الإنجاز. بل الإنجاز هنا هو من حصة لقمان، المزعج.

هي إرادة الاختزال. الهوية القاضية الماضية. إرادة الطاعة والولاء. إرادة "صرماية السيد"، إذ تعلو على ما يبدو على أي كرامة. السيد هو حسن نصر الله، ولكنه أيضاً كل سيد وزعيم يرى أتباعه أن حذاءه أرفع مقاماً من هاماتهم.

يراد للإنسان أن يمتثل، أن ينتظم، أن يسير وفق المقتضى المرسوم له. ربما أن في ذلك انزلاقا من واقع أن الناس، إذ بقاؤهم وقوتهم في اجتماعهم، بحاجة أكيدة إلى إطار يتوافقون عليه. بل هي فطرتهم، لتنظيم أحوالهم ودرء تفاقم الطمع لدى المتغلب منهم. الطمع لا يفارق الإنسان، ولكنه حتى في طفولته وعند بواكير وعيه، يسعد بخير الآخرين. هو جدل بين الأنا والنحن، ألوف مؤلفة من السنين لم تنجح في فضّه. على أنه، على مدى هذا التاريخ، ظهرت مرّات عديدة من تطويع للنحن لخدمة الأنا.

"المقتضى المرسوم" الواجب الاتباع هذا، من يحدّده؟ أفراد باسم آلهة، أو مبادئ علوية، وهذه وتلك على أي حال من قماش واحد. هو، للبنان وجواره، في القرن الماضي، تجلّى بأشكال ثلاثة.

قومية، أطاحت بما تراه من تنوع منبوذ في اللغة والهوية والشعور، لتزعم أصالة موهومة وتمتد بفرضها على المكان والزمان. متاحف القوميين تتحدث عن "العرب الكنعانيين و"العرب البابليين"، وكتبهم تأنس لأنساب تلزم المغاربيين والمصريين بعروبة هلامية، الاستغراب إزاءها خيانة.

إسلامية، تحيي الإقصاء الذي سعت الفكرة العربية إلى إماتته، والذي طال "أهل الكتاب" من الناطقين بالعربية. بعضهم على أي حال، أما لليهود منهم، فبئس المصير. وتعيد الولاية والطاعة والذمة إلى قلب العلاقة بين الإنسان والآخر.

وأممية، تزعم رفض الفرز القومي والديني، ولكنها لا تخرج عن إلزام الفرد بسلوك يذوّبه في الجماعة، لتفيده بأن وعدها بالعدالة يقتضي استبدال القسمة القومية والدينية، إذ هما عاموديتان مبتذلتان، بفرز أفقي بين طبقة عاملة، لها المستقبل، وطبقة رأسمالية جشعة، تستحق الإزالة.

تسمية لقمان للمؤسسة التي أرساها مع زوجته القديرة وسائر زملائه، تشي ببعض خلفية استكشافه للفكر الإنساني. في زمن الحروب التي عاشها لبنان، سعى اليسار العقائدي إلى الكسب الحزبي. "من ليس تقدمياً في سن العشرين، لا قلب له. ومن ليس محافظاً في سن الأربعين، لا عقل له". مقولة ونستون تشرشل هذه قد لا تكون الدافع المباشر وراء جهود الأحزاب الشيوعية في لبنان إلى محاولة استقطاب الطلاب "البرجوازيين".

فالشيوعية في لبنان، رغم طول تاريخها، لم تكن يوماً ناضجة. هي شيوعية "العدو القومي" وشيوعية "الطبقة الطائفة"، والشيوعية الملتبسة بين حاجتها إلى الحضور والبروز، المتوفرَيْن في ذاك الوسط المديني الميسور نوعاً ما، ونصوصها التي تصف من تسعى إلى كسبهم بالمتذبذين وتحلم بأن تكون قيادتها من العمال والفلاحين.

لقمان كان ذا عقل، فتذبذب وأزعج. وخرج عن اليسار الصوَري وتجاوز. وبقيت "أمم" لتشير إلى ذاك الجوهر في اللقاء الأول.

يفترض بهذه الاختزالات أنها تتناقض، تتقاتل، تتناحر، تتنافى، وتنتفي. وهو بالفعل حال بعضها. فيما كان التحالف الدولي يضيق الخناق على الدولة الإسلامية، كان مقاتلوها يبددون ما تبقى لديهم من ذخائر بملاحقة من يخالفهم الرأي وبتدمير أنصاب ومقامات، يرون أنها تعبد دون معبودهم. صفاء اختزالهم سابق لحاجتهم إلى البقاء.

أما في الحالة اللبنانية، أي في الحالة الإيرانية في لبنان، فإنه قد جرى تطويع الاعتبارات العقائدية للحاجات العملية. إسلاميو إيران في لبنان أكثر واقعية وعقلانية. ليسوا أقل قناعة، ولكنهم أكثر حنكة. هم مستعدون أن يتعايشوا إلى حين مع القوميين والأمميين، طالما أن هؤلاء مستمرون بتصويب سلاحهم، اللفظي حصراً حيث أن السلاح الحقيقي محظور لهم، إلى العدو المشترك أو الأعداء المشتركين.

منذ عقود وسخط القوميين والأمميين موجه إلى "الإمپريالية والصهيونية والرجعية العربية". لا بأس بالتالي من استيعابهم، توظيفهم، طالما أنهم يؤدون الغرض.

لا العروبي ولا الشيوعي يثير قلق المتغلب على لبنان أو امتعاضه. بل هذا وذاك مفيد. هو يشاطره العدو، ولكن الأهم هو أنه يساهم في إرساء الاختزال كأساس راسخ للماهية، فيما يتعدى الهوية.

المزعج هو لقمان، الشيعي دون أن يقتصر على الخلفية الشيعية، المناضل للعدالة الاجتماعية دون قيود حزبية، المنفتح على الآخر وصولاً إلى الإسرائيلي، دون أن تغيب قضية فلسطين عن كلامه وضميره، الداعي إلى الحرية لسوريا دون الانجرار إلى الفئوية، ابن حارة حريك، ونجل محسن سليم بقامته التاريخية العصية عن التخوين والتكفير مهما حاولوا. شقيق رشا وزوج مونيكا، وهذه وتلك بدورهما مزعجتان.

لقمان يزعجهم لأنه يشبه روح لبنان كما هو، لا كما يريدونه. تعددي منفتح، لا حرج لديه أن يرفع كأس النبيذ في سهرة حياة وسعادة، لا كما يلزمونه بأن يكون متجهماً عابساً في طقوس موت وشهادة. لقمان، كما لبنان، حرّ في نفسه، وإن اجتهدوا لإرهابه باحتلالٍ هم جنودُه، احتلال إلى زوال مع ما سبقه من احتلالات.

ينقطع المرء إلا من ثلاث، صدقة جارية، وعلم نافع، وذرية صالحة تذكره بالخير. لقمان، في المؤسسات التي ساهم بإنشائها، وفي كل ناشط ساهم بتشكيل فكره ومنهجه، وفي ذكراه الطيبة ونتاجه الغزير، لا ينقطع.

سوف يبقى مزعجاً، لهم ولغيرهم. طوبى للإزعاج.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!