قوات كردية تحارب داعش
"أهم الأسباب التي أدت إلى تسلط الجماعات الجهادية على مجتمعاتنا وشجعتهم على قتلنا تتمثل في صمتنا ضد الانتهاكات التي تعرض لها الكثير من أفراد المجتمع"

تطرقتُ في الجزء الثاني من هذه السلسلة إلى أهمية أن تدرك الشعوب العربية والإسلامية أنها الهدف الأول لإرهاب الجماعات الجهادية وأن على عاتقها يقع العبء الأكبر لتجفيف منابع الفكر الذي ينتج الإرهابيين.

ولكي يعمل جميع أفراد المجتمع كوحدة واحدة وبصورة متناغمة ضد التطرف بكل أنواعه فإن من المهم معرفة العوامل التي ساهمت في انتشار ثقافة التطرف في مجتمعاتنا على حساب مبادئ التسامح وقبول الآخرين واحترام آرائهم واختياراتهم، لأننا حين ندرك بأن تصرفاتنا تجاه الآخرين وإن كانت عفوية أو حدثت لا شعوريا أو بحسن نية، قد لعبت دورا في تشجيع الإرهابيين على التجرؤ علينا، فإن ذلك سيدفعنا للعمل على تغييرها.

إحدى أهم تلك العوامل في اعتقادي هي التصورات الخاطئة المنتشرة في أوساط العامة، التي تقدم الإسلام كنظام شامل لا ينحصر في العلاقة بين المسلم وربه فقط بل يمتد ليشمل علاقته بالآخرين ويعطي أتباعه الحق في إجبار الآخرين أقرباء كانوا أم غرباء على الالتزام بأحكام وتعاليم الإسلام.

عناصر من تنظيم داعش في العراق
نحو تحالف فكري لهزيمة دعاة الجهاد (2)
في الجزء الأول من هذا المقال، تحدثت عن أهمية أن تستغل الحكومات والمنظمات والأفراد في المجتمعات العربية والإسلامية حالة التدهور التي تمر بها الجماعات الجهادية بفضل الضربات الإستباقية المتوالية التي تتلقاها من قوات التحالف الدولي والجيوش المحلية والعمل المتميز الذي تقوم به أجهزة الأمن والإستخبارات في كل مكان من أجل توجيه ضربة قاضية للفكر الجهادي وهزيمة دعاة الجهاد. 

ونتيجة لهذا التصور الخاطئ تحول قطاع كبير من أفراد المجتمع إلى ضباط شرطة وقضاة وجلادين في آن واحد مدفوعين باعتقاد خاطئ بأن لديهم تفويضا إلهيا لحراسة الفضيلة وتقويم أفعال الآخرين ومحاسبتهم على آرائهم واختياراتهم.

ولذلك نجد أن الكثير من الآباء، مثلا، يرون أن لهم كامل الحق في تعنيف أبنائهم بسبب قصة شعر أو طريقتهم في اختيار ما يرتدون من ملابس. كما بات من المعتاد في مجتمعاتنا تعنيف من يرفضن ارتداء الحجاب ومن يرفضون ممارسة الشعائر الدينية ومن لديهم ميول جنسية مثلية وغيرهم.

على الرغم من أن تلك التصرفات تندرج تحت قائمة الحريات الشخصية إلا أن هناك من يجدون أنفسهم مدفوعين إلى رفضها ويمنحون أنفسهم الحق في الاعتداء على الآخرين من أجل تغييرها بأيديهم.

ومع مرور الوقت، تحولت مجتمعاتنا إلى مجتمعات طاردة لكل من يحملون أفكارا وتصورات تختلف عن تلك التي اعتدنا عليها وبلغ القمع ضد الأقليات والمتمردين والمبدعين مبلغا دفع منظمات حقوق الإنسان العالمية إلى التدخل لحمايتهم مما يتعرضون له من اضطهاد وحث الحكومات على سن القوانين التي تكفل احترام كرامة الإنسان وحقه في الاختيار بدلا من إكراهه ودفعه إلى تكوين مجتمعات سرية أو الهجرة إلى حيث يمكنه التعبير عن نفسه بحرية.

كل ذلك حدث على مرأى ومسمع من الجميع، ولكن قلة فقط هم من حركوا ساكنا وأعلنوا اعتراضهم على كل لون من ألوان القمع سواء ذلك الذي تمارسه السلطة ضد معارضيها أو ذلك الذي يمارسه أفراد المجتمع ضد من يعتبرهم فاسدين وفاجرين ودعاة للرذيلة.

في اعتقادي، إن أهم الأسباب التي أدت إلى تسلط الجماعات الجهادية على مجتمعاتنا وشجعتهم على قتلنا تتمثل في صمتنا ضد الانتهاكات التي تعرض لها الكثير من أفراد المجتمع، وفي عدم دفاعنا عنهم بحجة اعتقادنا أن ما قاموا به من تصرفات تبرر ما حدث لهم، وهذا ما عزز اعتقاد الجهاديين بأننا مجتمعات تتوق إلى العيش في رحاب الشريعة فأجمعوا أمرهم وأعلنوا الجهاد على كل من لا يمتثل لأوامر الله بحسب تفسيراتهم.

والآن وبعد خروج مارد الجهاديين من قمقمه، فإن السبيل الوحيد لهزيمتهم يتمثل في أن نقف جميعا صفا واحدا مع كرامة الإنسان وحقه في التعبير والاختيار والدفاع عن حق الآخرين في أن يكونوا مختلفين، ولمن يختلف، معهم الحق في الاختلاف مع اختياراتهم، ولكن بسبل حضارية وبعيدا عن الإكراه والعنف.

إن أمام المجتمعات العربية والإسلامية طريقان لا ثالث لهما، فإما أن تكون مع تيار الجبر والإكراه والظلم والكراهية الذي تمثله الجماعات الجهادية التي تحلم بتأسيس دولة دينية لا تكفل الحقوق الأساسية للإنسان ولا تحترم حرياته الشخصية أو أن تكون مع تيار الحقوق والحريات الذي يمثله من يؤمنون بحق البشر في العيش في دولة مدنية تكفل حقوق جميع المواطنين وتدافع عن حقهم في الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية وفي مجتمع متمدن يحترم حق الآخرين في الاختيار وإن اختلف مع اختياراتهم.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان

في مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهيرة مع مجلة "ذا أتلانتيك"، يسأل الصحفي، محمد بن سلمان ماذا تريد أن يعرف الرئيس الأميركي جو بايدن شيئا عنك قد لا يعرفه غيره؟، فيجيب بكل صراحة ومباشرة "هذا لا يهمني، والأمر متروك له، ولتفكيره في مصالح أميركا".

هذا الكلام لم يكن أبدا متوقعا، ولا حتى في الأحلام، فالاتهامات التاريخية للمملكة السعودية أنها تابع لأميركا، ولا تخالفها، أو تعصي أوامرها، ولكن الأمير الذي كان بايدن يتوعد بنبذه، يقرر أن يتعامل بندية، وأن لا يلقي بالا للمصافحة الشهيرة بقبضات الأيدي حين زار بايدن الرياض ليُظهر الجفاء، والحزم في التعامل مع ولي العهد بعد الاتهامات بمقتل الصحفي جمال خاشقجي في إسطنبول.

لم يكن متوقعا أن يخرج محمد بن سلمان من تداعيات قضية مقتل خاشقجي بسهولة، غير أنه بعد 5 سنوات يظهر أن الرياض تختار أصدقائها، وتدير الظهر لمن يخاصمها، وكل الوعيد، والتابوهات التي تحدث عنها زعماء في الغرب تلاشت، ويتسابقون على ود القيادة السعودية، دون أي تحفظات.

منذ أن تولى الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد، ثم رئاسة الوزراء لاحقا، فعليا هو الذي يحكم على أرض الواقع، شهدت المملكة تغيرات غير مسبوقة، وما كان مستحيلا أن تراه في المدن السعودية صار حقيقة، واليوم تدشن الرياض سباقا مع الزمن في ميادين الاقتصاد، والثقافة، والترفيه، والعنوان الرئيس قطع مع الماضي، فالمملكة التي سيطرت عليها الحركة الوهابية لعقود تكاد تجلياتها أن تنتهي، والدولة الدينية التي كانت جماعة الأمر بالمعروف تصول وتجول بها اختفت، ولم يعد هناك ما كان يسمى "شرطة دينية" تراقب تطبيق الشريعة الإسلامية، وتفرض الإغلاق للمحلات التجارية وقت الصلاة، وتمنع خروج النساء دون عباءة سوداء، وتصطدم بكل من يفكر بإقامة اي أنشطة ترفيهية.
 
باختصار تغير الحال، ويلخص بعض الغاضبون لهذه التحولات ما وقع بالقول "اختفت هيئة الأمر بالمعروف، وحلت مكانها هيئة الترفيه" التي يقودها تركي آل الشيخ الشخصية المثيرة للجدل.

لم يكن الأمير محمد بن سلمان يُخفي رغبته في المضي في تحولات تعاكس الموروث الاجتماعي، ويبدو وكأنه متصادم مع إرث ديني، ولهذا يقول في حديث بمنتدى مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض "لن نضيع 30 سنة من حياتنا بالتعامل مع أفكار مدمرة، سوف ندمرها اليوم وفورا، وسوف نقضي على التطرف".

قبل أكثر من 20 عاما كانت السعودية توجه لها أصابع الاتهام بأنها حاضنة للتطرف، وما زالت أحداث سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية، وضلوع سعوديين بها حاضرة في الأذهان، واليوم تطوي السعودية صفحة من تاريخ سماه ولي العهد "اختطاف الجماعات المتطرفة للإسلام".

نقطة البداية ومحاولة تأصيل فكرة التحولات في السعودية كانت في رؤية 2030، وعناوينها الأساسية؛ مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وحين طرحت التصورات، والمبادرات، والمشاريع، كثيرون اعتبروها قفزة في الهواء، لن تقوى السعودية على مقاربتها، وربما حين تسمع عن مشروع مثل مدينة نيوم، تتحدث الأرقام أن كلفتها تقارب 500 مليار دولار، قد ينظر له على أنه محض خيال لن يطبق.

نيوم مدينة صديقة للبيئة، خالية من السيارات، وانبعاثات الكربون، شواطئ مضيئة، و"ذا لاين" مدينة بخط مستقيم تزيد عن 170 كم، وقطارات فائقة السرعة، والأهم أنها خارج النظام القضائي السعودي، وقيل، ولا زال يُقال عنها الكثير الكثير.
 
هذه المدينة حين ترى الوجود ستهدد، وتنافس كل مدن البحر الأحمر، وكل المزارات السياحية، والتوجس من الاستيقاظ السعودي يرعب الكثير من دول الإقليم.

كان استقطاب نادي النصر السعودي للاعب الأكثر شهرة في التاريخ رونالدو بعقد خيالي يتجاوز 400 مليون يورو خلال موسمين رياضين محل تندر، والحديث الدائر اليوم أن نادي الهلال يفاوض ميسي لاستقطابه في صفقة مالية أعلى، وكل هذا لا يحدث بمعزل عن رؤية سعودية تريد أن تكون الوجهة الأولى التي تلفت الانتباه، وأنها تريد استخدام القوة الناعمة كالرياضة لغزو العالم، لتصبح أكثر حضورا على الخارطة العالمية، والكلام عن عرض لاستضافة مونديال كأس العالم عام 2030 بالتشارك مع مصر واليونان يصب في ذات الوجهة، والعنوان.

عند العودة إلى حديث ولي العهد السعودي لمجلة "أتلانتيك" تجد الكثير من الأفكار التي تمضي الآن حاضرة، فهو يشير إلى أن السعودية تغيرت عما كانت عليه قبل سبع سنوات، وان التطور الاجتماعي يسير بالاتجاه الصحيح، وأن بلاده من أسرع الدول نموا، وتملك أكبر 10 صناديق استثمارات في العالم، وأكثر من ذلك يقول بفصيح العبارة أن محمد بن عبد الوهاب ليس أكثر من داعية، وهو الذي كان لا يمس.

الخصوصية السعودية أكثر ما هو لافت في أحاديث محمد بن سلمان، فهو يرفض أن تكون التغييرات مفروضة، أو منسوخة، فالمملكة لا تريد أن تكون مثل دبي، أو أميركا، وإنما تسعى لتطوير نموذجها الخاص، ويسهب في الحديث عن فرادة المشاريع السعودية، فمدينة العلا موجودة فقط بالسعودية، ولا يوجد لها نموذج على الكوكب، ونفس الحال ذا لاين في نيوم، أو القدية المشروع الرياضي الترفيهي الأكبر في العالم.

تريد السعودية أن تستقطب 100 مليون سائح مع عام 2030، وتذلل كل العقبات أمام تدفق الناس إليها، فلا خطوط حمراء، ففي رأس السنة حشدت أهم نجوم الفن والغناء العرب في ليلة واحدة، وكل يوم مبادرة جديدة في مواسم الرياض، وحتى تزور السعودية يكفي أن تكون لديك تأشيرة للولايات المتحدة، أو "تشنجن" لتعبر بسلاسة ودون تعقيد.

المنتقدون يرون أن كل هذه التحولات الاقتصادية، والاجتماعية، والتخلي عن التشدد الديني لا يستند إلى دمقرطة البلاد، وولوجها إلى قيم تستند إلى ضمان الحقوق، والحريات، ولكن الحقيقة التي لا تغيب عن القيادة السعودية أن الغرب يقدم المصالح على المبادئ، ونهوض المملكة للمزاحمة، والمنافسة بتزامن من انكسارات ديموقراطية، ليس في العالم العربي وحده، وإنما الاهتزازات طالت أنظمة في الغرب طالما تغنت في معايير حقوق الإنسان، ولهذا فإن التحولات العالمية، ومنها الحرب في أوكرانيا، وتراجع العالم أحادي الأقطاب، وصعود الصين نموذجا لحالة جديدة، يمكن "المملكة السليمانية" إن جاز التعبير من المناورة، وبناء التحالفات لتكون لها موطأ قدم صلب على هذا الكوكب، وهي اللعبة التي بدأ يمسك مفاتيحها ولي العهد السعودي الطامح لإعادة إنتاج صورة جديدة لبلاده.