سيدة تمر أمام جدار رسمت عليه شعارات أحزاب مغربية خلال انتخابات 2016.
سيدة تمر أمام جدار رسمت عليه شعارات أحزاب مغربية خلال انتخابات 2016.

"نحن حزب حداثي من بين أهدافه الأساسية مواجهة الإسلاميين وخطابهم الرجعي الذي يهدد هوية المجتمع المغربي المتسامح بطبعه. لكن، في نفس الوقت.. نحن نعتقد أن الحريات الفردية هو ترف حقوقي لا يمكننا الحديث عنه اليوم. فأمامنا قضايا شائكة في التعليم والصحة وغيرها من القطاعات. كما يجب الحفاظ على هويتنا... واحترام مشاعر الآخرين".

تختلف التعبيرات والجمل. لكن، عموما، يبقى هذا هو عمق الخطاب الذي تقدمه اليوم معظم الأحزاب التي تصنف نفسها كيسارية أو ليبرالية في المغرب. 

الحديث هنا عن الخطاب الرسمي للأحزاب وليس عن بعض المواقف الفردية لهذا الفاعل السياسي أو ذاك، حيث خرجت بعض الأصوات السياسية النسائية والرجالية، لتدافع عن تصور واضح يدافع عن الحريات الفردية وقيم المساواة. لكنها، في معظمها، عبرت عن مواقف شخصية؛ بينما ظلت مواقف الأحزاب التي ينتمون لها تتسم بتحفظ أكبر اتجاه هذا النقاش المجتمعي. 

من المؤكد أن حزب العدالة والتنمية المغربي ينهل من الخطاب الإسلامي ويستغل الدين في السياسة. بل يخلط بين الاثنين. لكنه هنا، في النهاية، يبقى متناسقا مع نفسه ومع المشروع المجتمعي الذي يدافع عنه بوضوح منذ نشأته. 

الإشكال يتعلق أساسا بمواقف الأحزاب الأخرى، خصوصا تلك التي تصنف نفسها ضمن التيارات الحداثية  أو اليسارية أو الليبرالية. معظم هذه الأحزاب لم تستطع أن تواجه الخطاب الإسلامي بشكل فعلي وصريح، ولا امتلكت جرأة اتخاذ مواقف صريحة في المواضيع الخلافية التي تتعلق بالحريات الفردية وبالمساواة: الحريات الجنسية (المثلية والغيرية)، حرية المعتقد والإجهاض، المساواة في الإرث...

منذ بضعة أشهر، عاد النقاش مجددا في المغرب حول عدد من الفصول في القانون الجنائي، التي تحد من حريات الأفراد: العلاقات الجنسية خارج الزواج ممنوعة قانونية وقد تؤدي للسجن من شهر إلى سنة (هل دور الدولة أن تحرس أسرة النوم؟). عدم صيام رمضان قد يدخل الفرد للسجن (على أي أساس نجبر المواطنين على الإيمان و على الممارسة الدينية؟ ألا يفترض أن تنبع هذه الأخيرة من إيمان حقيقي وقناعة فردية؟). المثلية الجنسية قد تدخل الفرد للسجن (ما معنى أن يدخل السجنَ شخصٌ... بسبب ميول جنسي شخصي لا يتسبب عبره بأي أذى للغير؟). الإجهاض قد يدخل المرأة المعنية والطبيب للسجن (أليس للمرأة الحق في اتخاذ قرار الأمومة من عدمه في حالة الحمل غير المرغوب فيه، والذي تتحمل فيه المسؤولية بمفردها، بمعزل عن الرجل الذي كان شريكها في العلاقة الجنسية المؤدية للحمل؟). هذا النقاش يتطرق أيضا للمساواة في الإرث، على أساس المساواة في المواطنة بين النساء والرجال. 

بينما يوجد مجتمع مدني قوي وأصوات لباحثين وكتاب وإعلاميين ومواطنين يناقشون بجرأة وشجاعة مختلف مقتضيات القانون الجنائي ومدونة الأسرة، لإلغاء الفصول التي تحد من حريات الأفراد أو لك التي تكرس اللامساواة؛ لا يتجرأ الفاعلون السياسيون (اللهم بعض الاستثناءات النادرة التي تعبر عن موقف شخصي وليس حزبي) على اتخاذ مواقف صريحة في هذا الاتجاه؛ فيغرقون في لغة الخشب أو يستعملون نفس خطاب الإسلاميين حول "الهوية" و"مشاعر الآخرين". ففيم يتأسس إذن مشروعهم المجتمعي الذي يفترض أنه مناهض للإسلاميين؟

ببساطة، إنها شعبوية انتخابوية: 2021 هي سنة انتخابية، اللهم إذا قررت الحكومة تأجيل الانتخابات بسبب تداعيات كورونا! 

وبالتالي، فأغلبية الأحزاب تفضل دغدغة مشاعر الأغلبية لاستمالة أصوات الناخبين؛ لأنهم يعتبرون اتخاذ مواقف صريحة لصالح الحريات الفردية مطلبا نخبويا لا "يدر" الأصوات... لماذا نتخذ مواقف جريئة، إذا كانت هذه المواقف ستكلفنا أصواتا انتخابية محتملة؟.. لكن السؤال الحقيقي الذي لا يطرحه هؤلاء هو التالي: وأنتم تزاحمون حزب العدالة والتنمية في الدفاع عن مشروعه المجتمعي المحافظ، تذكروا أنكم تخلفون موعدكم مع التاريخ الذي سيذكر جبنكم وانتهازيتكم! 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.