الملك عبد الله يستقبل نائب الرئيس الأميركي في عهد أوباما، جو بايدن
"لا يُستبعد أن يطير الملك قريبا إلى واشنطن ليكسر طوق الحصار والعُزلة الذي فرضه ترامب على القيادة الأردنية منذ عام 2018"

بعد أن وضع الرئيس الأميركي، جو بايدن، قدمه في البيت الأبيض بدأت العديد من العواصم العربية حالة من الاستنفار وكأن القادم لزعامة العالم سيُخضع المنطقة لاختبارات عسيرة، وربما لخص بايدن هذه التحركات والهواجس في خطابه "لقد عُدنا"، وبكلمات أخرى "لقد عادت أميركا" بعد أن انقلب الرئيس السابق ترامب على كثير من المبادئ والثوابت الأميركية.

كلما تغيرت الإدارة الأميركية عاش الزعماء العرب حالة قلق مما سيفعله الرئيس الجديد، ولهذا فإن سياق الاتصالات والاجتماعات العربية يسعى إلى بلورة تفاهمات توضع على طاولة البيت الأبيض.

سباق الزمن الذي تشهده عواصم عربية هل له ما يُبرره، وهل بايدن يضع على رأس أولوياته مشاغل العالم العربي واهتماماته؟

نائب رئيس معهد كارينغي للدراسات، مروان المعشر، يؤكد أن أولويات الإدارة الأميركية الجديدة ليست منطقة الشرق الأوسط، وإن كان هناك من شاغل فيها فالأمر محصور بالملف النووي الإيراني.

يذهب المعشر إلى القول "إن بايدن في قضية الصراع العربي الإسرائيلي يؤمن بحل الدولتين، ولكنه يحسم أن الإدارة الديمقراطية لن تستطيع إجبار اليمين الإسرائيلي على تغيير سياساته"، مُختصرا المشهد بالتأكيد على أن "حل الدولتين مات".

إذا كان هذا هو الحال، وأن أكثر ما يمكن أن يتحقق هو دعم لفظي من بايدن ووزير خارجيته، أنتوني بلينكن، لحل الدولتين، فما هو سر التدافع العربي نحو واشنطن؟

بلينكن، وزير الخارجية والدبلوماسي المُخضرم، كان صريحا في جلسة الاستماع له في مجلس الشيوخ لاعتماده وزيرا، حين أجاب السيناتور، تيد كروز، بأنه يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأن سفارة الولايات المتحدة الأميركية ستبقى في القدس، وكان أكثر صراحة حين أجاب السيناتور، ماركو روبيو، بأنه لا يعتبر إسرائيل دولة عنصرية.

عجبني تفسير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، سيد قاسم المصري، في مقالة له بجريدة "الشروق" لما يحدث، حين اعتبر أن السياسة "الترامبية" ألقت العرب بسلة المهملات، وأيدت المطامع الصهيونية وأكثرها غُلوا، والآن تعود أميركا لمواقفها التقليدية الأكثر إنصافا للشعب الفلسطيني.

إذاً العالم العربي يُحاول أن يلتقط أنفاسه من جديد بعد "صفعات" ترامب، وعلى الأقل خطاب بايدن يحد من وقاحة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتانياهو.

في خطوة استباقية عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعا طارئ بدعوة أردنية مصرية لدعم القضية الفلسطينية، ولم يُخفِ، أيمن الصفدي، وزير الخارجية الأردني، ضرورة إطلاق تحرك عربي لاستعادة القيادة في مُقاربة الأزمات الإقليمية التي يدفع العرب الثمن الأكبر لها، ودعا إلى إطلاق مفاوضات جادة وحقيقية للتوصل لحل الدولتين، مُطالبا بالاشتباك والانخراط الإيجابي مع الإدارة الأميركية الجديدة.

الدبلوماسية الأردنية، بالتوافق مع القاهرة، ترى أنها قادرة من جديد على قيادة المبادرات العربية في واشنطن بعد أن حظي العاهل الأردني الملك عبد الله بأول اتصال من الرئيس بايدن، ولا يُستبعد أن يطير الملك قريبا إلى واشنطن ليكسر طوق الحصار والعُزلة الذي فرضه ترامب على القيادة الأردنية منذ عام 2018.

كل الترتيبات توحي أن طبخة سياسية تنضجها عمّان والقاهرة، ولا يمكن النظر لاجتماع وزراء الخارجية العرب بمعزل عن قمة عمّان التي جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعاهل الأردني، وقبلها كان الملك عبد الله يُسافر على عجل إلى أبوظبي لعقد قمة إماراتية بحرينية أردنية، وبالتزامن معها كان الوزير الصفدي يحط في الرياض.

التفاهمات العربية لن تُحقق نجاحا ما لم تخضِع السلطة الفلسطينية بيتَها الداخلي للترتيب والتوافق، وزيارة مديري المخابرات المصرية والأردنية إلى رام الله ولقائهما بالرئيس الفلسطيني، محمود عباس، تهيئة مُلحة لمعرفة مآلات الوضع الفلسطيني الأكثر تضررا في عهد ترامب.

الرهان على إنجاز المُصالحة بين فتح وحماس على هامش اجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهرة سيُذلل الطريق ويُعبدها قُبيل انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، في شهر أيار القادم، وقُبيل الانتخابات الرئاسية التي تتبعها، في شهر يوليو، وإعادة بناء المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد ذلك.

تُجند عواصم عربية وإقليمية جهودها للضغط على طرفي الصراع، حماس وفتح للاتفاق ووقف حالة المُكاسرة، وتسربت معلومات لم تتأكد صحتها عن الطلب من فتح وحماس خوض الانتخابات القادمة بقائمة مشتركة لضمان التناغم السياسي، الذي يقطع الطريق على أي فيتو محتمل من المجتمع الدولي، ويُعيد إنتاج صورة السلطة بما فيها حماس عند الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي.

إذا توافقت الرؤى الإقليمية في الملف الفلسطيني، واقتنعت كل الأطراف بدءا من القاهرة وعمّان، مرورا بأنقرة وطهران، والدوحة والرياض وأبوظبي بأن الخيار الوحيد المُتاح أمام الفلسطينيين ليعودوا إلى الطاولة السياسية أن يتوحدوا، ويُعيدوا تأهيل أنفسهم ليكونا طرفا مقبولا فإن هناك كوة محتملة للأمل، والتقدم نحو إيجاد حلول ومقاربات جديدة.

انتهت اجتماعات الفصائل الفلسطينية بالقاهرة ببيان ختامي يُظهر اتفاقا وتضامنا على خطوات المستقبل، ولكن الشيطان يكمن في التفاصيل، وأول الاختبارات شكل انتخابات المجلس التشريعي القادمة، والأكثر دلالة على التفاهم من هو الرئيس الفلسطيني القادم؟

هل سيظل أبو مازن يُحكم قبضته على المشهد أم سيُزاحمه على القيادة "أبناء فتح" المنقسمة بين تيار يؤيد ترشيح السجين، مروان البرغوثي، وآخرين يطرحون اسم القيادي المفصول، محمد دحلان، الذي يتزعم ما يُسمى "تيار الإصلاح الديمقراطي"، والأهم من ستدعم حماس للرئاسة أم سيكون لها مرشحها؟

كثيرة هي الاتفاقيات التي رعتها المخابرات المصرية، منذ عام 2005 وحتى عام 2017، لإصلاح منظمة التحرير والأجهزة الأمنية، وضمان إجراءات الانتخابات، وأكثرها لم تصمد، ولم تتكلل بالنجاح.

قد يشيع حالة من التفاؤل أن الانتخابات الإسرائيلية الشهر القادم قد تُعجّل برحيل نتانياهو ليلتحق بترامب، وقد تكون البداية لملاحقته قضائيا وسجنه، فاليمين الإسرائيلي منقسم، وحزب "أمل جديد" الذي أسسه، جدعون ساعر، يسحب البساط من تحت أقدام نتانياهو، ويُقلل من فرصه بالقدرة على تشكيل حكومة جديدة، وإن كانت بعض المؤشرات تؤكد استمرار قوته وصلابته، والأهم صعوبة تشكيله لائتلاف يضم 61 مقعدا في الكنيست تمكنه من تمرير القانون الفرنسي الذي يمنحه الحصانة من المحاكمة ما دام في منصبه.

تصدُّع جبهة نتانياهو دفعته لمغازلة الناخبين العرب في إسرائيل، ولهذا تصفه، عايدة توما، عضو القائمة العربية المشتركة بأنه لص يُحاول تفكيك مجتمعنا، ويستهزئ، أحمد الطيبي، بالحب المُفاجئ لنتانياهو للعرب.

المشهد قيد التشكل في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يُعطي فرصة للإدارة الأميركية الجديدة لقراءة الصورة بتمهل، ويمنح العاهل الأردني القدرة على ترتيب الأوراق ليعود الوسيط الموثوق في البيت الأبيض الذي يُسمع رأيه قبل الجميع، ولهذا فإن السؤال متى ستحط طائرة الملك عبد الله في واشنطن، وهل سيكون قادرا على إحداث اختراق، وتوجيه بوصلة بايدن نحو اهتمام أكبر بالصراع العربي الإسرائيلي بعد أن قدم ترامب كل شيء على المذبح الإسرائيلي؟

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.