Lebanese activists lift placards bearing the portrait of slain prominent activist and intellectual Lokman Slim and the Arabic…
اغتيال لقمان سليم أثارة موجة غضب تجاه حزب الله.

يريد "حزب الله" أن يطبّق اللبنانيون، في تعاملهم معه، كلّ المبادئ المثالية، وفي مقدمها عدم جواز توجيه أيّ اتهام إليه، في أي جريمة يُشتبه بأنّه وراءها، كاغتيال المفكر السياسي لقمان سليم، من دون توفير الأدلة الثبوتية.

إنّ هذا المطلب، من حيث المبدأ، صحيح، فتوجيه الاتهامات، من دون توافر الأدلة، خطأ، ولذلك فهذا موضوع، بما أنّه يحتاج إلى قدرات احترافية، وإلى أجهزة مختصة، وإلى مراجع مسؤولة، يُعهَد به إلى القضاء المختص.

ولكنّ إلزام المواطنين بالمبادئ السامية، يحتاج إلى تكامل، بمعنى أنّه لا يمكن فرض قاعدة محدّدة عليهم، فيما يتم استهدافهم بخرق كل القواعد الأخرى. بكلام آخر، إنّ "حزب الله"، حتى يكون طلبه هذا مشروعاً، يجب أن يكون وجوده كما أداؤه، ملتزماً بالقواعد السامية.

ومن القواعد التي يخرقها "حزب الله"، على سبيل المثال لا الحصر، في تعامله مع اللبنانيين أنّه يُهدّد من يشاء، ساعة يشاء، وكيفما يشاء، من دون أن يلتفت إلى أيّ رادع أخلاقي أو قانوني أو مبدئي. ومن البديهي أن تنصب على من يستسهل تهديد الناس الاتهامات، عندما يتم اغتيال هؤلاء.

وفي مطلق الأحوال، فإنّ المبادئ السامية التي تُعنى بحقوق الإنسان، لا يمكن اجتزاؤها، فهي وُجدت لتطبّق في الدول الطبيعية، حيث هناك دولة يحكمها دستور، وتحتكر السلاح، وتوفّر الاستقلالية لقضائها والحيادية لأجهزتها الأمنية.

ولأنّ "حزب الله" يتحمّل مسؤولية إخراج لبنان من قائمة الدول التي تتمتّع بهذه المواصفات الطبيعية، فإنّ ادّعاءه المظلومية، كلّما وجه إليه المواطنون اتهامات اغتيال من كان قد سبق له أن هدّدهم، يُثير السخرية هنا والسخط هناك.

إنّ على "حزب الله" حتى تستقيم مطالبته اللبنانيين بالالتزام بمبدأ اقتران الاتهام بالدليل، وقبل أن يُكثر من إلقاء دروسه في العلم الجنائي، أن يتخلّى ليس عن الترهيب الذي يمارسه بكل الوسائل المتاحة له، فحسب بل أن يتخلّى، أيضاً، بإعلان صريح، عن مبدأ اللجوء إلى العنف، المعنوي والمادي، تحقيقاً لأهدافه، ويسارع إلى تسليم أعضاء أجهزته الأمنية غير الشرعية الذين اتهمهم أو حكم عليهم القضاء، بدءاً بأكثرهم شهرة سليم عيّاش.

إنّ معارضي "حزب الله" أمام سطوته على الدولة وسلطاتها ومؤسساتها، على اختلافها، لا يملكون، في هذه المواجهة غير المتكافئة، إلّا ألسنتهم، علّهم يوفّقون، بمشاركة بعض وسائل الإعلام، إلى إقامة توازن معنوي، من شأنه أن يضع بعض العوائق، أمام تفلّت آلة القتل التي يعتقدون أنّ هذا الحزب، صاحب الأسبقيات، يتحكّم بها.

سقوط القضاء الدولي

في العام 2005، ظنّ اللبنانيون أنّ البديل عن القضاء المحلي هو القضاء الدولي، ولهذا كان أبرز الشعارات التي حملتها التظاهرة المليونية في الرابع عشر من مارس 2005، المطالبة بالعدالة الدولية.

وحالياً، بعد 16 سنة على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، و6 أشهر على انفجار مرفأ بيروت، وأسبوع على اغتيال لقمان سليم، إنّ العدالة الدولية نفسها لم تعد تشكّل ملاذاً لحماية من يُخشى أن يتعرّض لهم "حزب الله".

ومن يدقّق في ردات الفعل يُدرك أنّ هذا الخيار سقط من قائمة المطالب، وبات من يرفضون، أساساً، هذا الخيار أكثر قوة في رفضهم له، لأنّ الانطباع الشعبي الغالب في لبنان، بالاستناد إلى مجريات ملف اغتيال الحريري، يجنح نحو اعتبار أنّ النتائج المرجوّة من القضاء الدولي لا تستحق كلفته.

القلّة التي لا تزال تؤمن بخيار القضاء الدولي، تعتبر أنّ الانطباع العام في لبنان لا يتطابق مع الحقيقة، ذلك أنّ "المحكمة الخاصة بلبنان"، بغض النظر عن حجم النتائج التي كان يؤمل أن تنتهي إليها، قدّمت للبنانيين والعالم ما لم يكن يُمكن للقضاء المحلي أن يفعله، فهي، بما تملكه من صلاحية تجاه الأفراد حصراً، وفي ظل حرمانها من أي صلاحية تجاه التنظيمات والدول، نجحت، من خلال تجريم سليم عيّاش، في توجيه الأنظار إلى أدوات القتل التي يعتمدها "حزب الله" ويتبادل، من خلالها، الخدمات مع نظام بشّار الأسد.

وفي اعتقاد هؤلاء إنّ "المحكمة الخاصة بلبنان" وضعت، بقرار دولي، أوّل أسبقية رسمية، في سجل "حزب الله" الإجرامي، الأمر الذي يُعطي توجيه الاتهامات الشعبية لـ"حزب الله" عن اغتيالات له مصلحة فيها وقدرة عليها، قوة دفع تحتاج إليها.

ولكن، على الرغم من كل ذلك، فإنّ اللجوء إلى القضاء الدولي لم يكن يهدف إلى تدوين حقيقة رسمية بل إلى توقيف القتلة، من جهة وتوقيف الاغتيالات، من جهة أخرى.

وهذا ما لم يتحقق أبداً، لا بل بدا أنّ الجهة التي أدينت بجريمة بحجم اغتيال الحريري، بدل أن تضعف قويت، وبدل أن يحجّمها القضاء الدولي حجّمته، وبدل أن ينتفض عليها الضحايا، أحكمت الإمساك بهم.

وبناء عليه، إنّ "حزب الله" الذي يستقوي على الجميع في لبنان، خارج إطار المبادئ، لا يملك مشروعية مطالبة الآخرين، بخدمته، من خلال إلزامهم بالتقيّد بعدم رفع آخر ما تبقى لهم في مواجهته: أصواتهم!

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.