حزمة عقوبات إقتصادية يعدها الاتحاد الأوروبي ضد أفراد مرتبطين بالكرملين
حزمة عقوبات إقتصادية يعدها الاتحاد الأوروبي ضد أفراد مرتبطين بالكرملين

يستعد الكرملين لخوض مواجهة جيوسياسية مع جواره الأوروبي يمكن وصفها بمواجهة الجوار، التي تخل بنظر موسكو بمبدأ حسن الجوار، والانتقال إلى مرحلة  وصفها الكرملين أثناء توضيحه لما جاء على لسان وزير خارجيته سيرغي لافروف وأسيء تفسيرها حسب قوله إننا (أي روسيا) "نستعد للاستقلال إذا ساد الجنون".

والجنون هنا ما يتوقعه الكرملين من سياسة أوروبية جماعية تجاه بلاده مدعومة من إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بدأت ملامحها تظهر من خلال حزمة عقوبات إقتصادية قاسية وفعّالة يعدها الاتحاد الأوروبي ضد أفراد وكيانات تدور في فلك الكرملين ولها صلات مالية مباشرة بالرئيس الروسي فلادمير بوتين.

ففي هذا السياق نقلت وكالة رويترز يوم الخميس الفائت عن دبلوماسيين أوروبيين أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ستقوم بفرض حظر السفر وتجميد أصول لرجال أعمال وشخصيات سياسية وأمنية نافذة حليفة الرئيس بوتين في 22 الشهر الجاري، وأكد منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أن العمل السري بشأن صياغة العقوبات على روسيا مستمر.  

بالنسبة للروس، أولى علامات مرحلة الجنون بدأت في زيارة بوريل إلى موسكو منذ أكثر من أسبوع وتسببت في إثارة حفيظة المسؤولين الروس الذين اعتبروا تصريحاته ولقاءاته مع النشطاء حقوقيين ومدنيين ومجاهرته بأن الاتحاد الأوروبي سيستمر في دعم مشاريع المجتمع المدني في روسيا، أشبه بإعلان صريح وواضح بأن الاتحاد الأوروبي سيستمر في التدخل في شوؤن روسيا الداخلية ودعم القوى المعارضة.  

احتدام الجدل حول الالتزام بحسن الجوار بين الروس والاتحاد الأوروبي دفع الوزير  لافروف إلى التلويح بأن بلاده تتجه نحو الانفصال أو الابتعاد عن الاتحاد الأوروبي وأضاف  "لا نريد أن نكون معزولين عن العالم، لكن يجب أن نكون مستعدين". وما حديثه عن ضرورة الاستعداد لهذه المرحلة إلا لإدراكه بأن هكذا إجراءات سوف تتسبب بمصاعب إقتصادية لروسيا في مجالات كبيرة وحساسة.

مما لا شك فيه أن موسكو تدفع إلى احتواء أزمتها مع جوارها الأوروبي بالرغم من كلام لافروف عن الاتحاد بأنه أصبح شريكا غير موثوق، هذا التصعيد في المواقف يرتبط مباشرة بانزعاج موسكو وقلقها من قرار العودة الأميركية إلى الساحة الدولية من البوابة الأوروبية، حيث ملامح التصعيد واضحة في فناء روسيا الأوروبي، ولا يستبعد أن تقوم واشنطن في ظل إدارة بايدن بتعزيز نفوذها العسكري في أوكرانيا وجورجيا وإعادة تموضع لقواتها أو قواعدها المنتشرة في القارة العجوز تحت ذريعة تعزيز قدرات الناتو الدفاعية بهدف فرض توزان عسكري بين موسكو ودول الناتو للتخفيف من قلقهم  بسبب التفوق العسكري الروسي ومدى خطورته على الأمن والاستقرار الأوروبيين.

حالة عدم الاطمئنان الروسي من السياسات الغربية الجديدة مرتبطة بكون الرئيس الأميركي الجديد لا يرغب بصداقتها والواضح أنه سيختار الدبلوماسية الخشنة في تعامله معها، لذلك حدد ثوابت إدارته في التعامل مع موسكو، فهذه المواجهة ستفتح الطريق أمام بلاده لزعامة العالم الغربي والتي تتطلب طي صفحة الخلافات ما بين الناتو والولايات المتحدة، ومتابعة سلوك روسيا التخريبي، ووضع حد لما يسميه بايدن عدوانية الرئيس الروسي وفتح ملفه الحافل بقضايا حقوق الإنسان وفي معاداة القيم الليبرالية الغربية الديمقراطية.

من الواضح أن العلاقات الأوروبية الروسية بعد وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض ستسلك طريقا وعرا بسبب سياسة الإدارة الديمقراطية في واشنطن التي ستقف بوجه طموحات روسيا في محاولة ربط اقتصادها بالأوروبيين ودفعها إلى البحث عن شركاء آخرين لا يمتلكون بنية تحتية بديلة للروس، كما ستقضي على الآمال الروسية في عودة الإستثمارات الأوروبية إليها، فالإدارة الأميركية المتماسكة والصلبة في القرارات المتعلقة بمصالح الأمن القومي الأميركي ستشكل ضغط على موسكو نتيجة تصادم مصالهما، وهذا ما يدركه الروس بشكل عام، حيث يرى الكرملين أن هذه الإدارة الديمقراطية أكثر ميلا للتحدي كونها أكثر جاهزية في السياسات الخارجية والأمنية من سابقتها، وبالنسبة له هذه الإدارة  ليست صديقة لروسيا بأي شكل من الأشكال، وجو بايدن شخص غير آمن.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.