النساء يواجهن تحديات العمل من المنزل
النساء يواجهن تحديات العمل من المنزل

لم تعد حياة البشرية كالسابق مذ انقلبت قبل سنوات مع انتشار النمط الجديد الذي فرضته الشبكة العنكبوتية والتطور المتسارع لأدوات التكنولوجيا الحديثة، أو بما بات يعرف بالعالم أون لاين.
انتشار جائحة كورونا العام الفائت، لم يفرض هذا النمط  كأسلوبية طارئة على العالم، إنما كرس حضوره كحقيقة لامفر منها، وبدا أن كل جهود السنوات الفائتة كانت مقدمة مهدت لغزوه والحاجة إليه كآلية حياتية، وإن كانت مُيّسِرة، إلا أنها حملت معها تحدياتها الجديدة على كافة المستويات. 


تحديات طالت الجميع دولاً وأفراد من حيث الجاهزية التقنية والمادية والمعرفية لاستقبال مثل هذا التحول، وإن تمكنت بعض الدول المتقدمة وشعوبها من مواجهتها بسهولة نسبية، لاشك أن الارتباك أصاب النسبة الأكبر من شعوب العالم غير المستعدة كلياً أو المتمكنة، وفي مقدمها النساء، والنساء العاملات بشكل خاص.
إذ وجدت المرأة العاملة نفسها فجأة حبيسة جدران المنزل لوقت طويل، تواجه مهام تخفيف العبء النفسي والتعليمي عن أطفالها، ومهام المنزل المضاعفة التي فرضتها الجائحة من تعقيم وتنظيف وحرص مستمر، إضافة إلى مهام عملها التي انتقلت من المكتب إلى المنزل.
وهي مهام ليست بجديدة، سبق للمرأة أن قامت بتنظيمها بدقة بما يتلاءم مع أوقات عملها خارج المنزل، لكن الحالة المستجدة غيرت جداول وقواعد كل ماسبق، وبات مطلوب منها أن تنظم وقت العمل أون لاين بصعوبة شديدة مع وجود الأطفال وضجيجهم حولها، واضطرارها في كثير من الأوقات إلى إرضاع صغيرها أو تغيير حفاضة، أو متابعة مهام إعداد الطعام أو الغسيل والتنظيف، في الوقت الذي تضع فيه سماعات أذنيها وتجهد للتركيز على العمل الوظيفي الذي تضطلع به.


شاشات الأجهزة المحمولة، نقلت في الأشهر الفائتة، وجوهاً لنساء مرهقات رغم أنهن يجلسن في المنزل، أنستهن أعباء الجائحة حرصهن السابق على زينتهن ومظهرن الأنيق، وجربت بعضهن إخفاء وجوههن بالاعتذار عن فتح الشاشة تحت ذريعة ضعف الأنترنيت، أو خشية رؤية فوضى المكان في الخلفية التي امتزجت فيها تفاصيل العمل مع تفاصيل المنزل.
حيث بدا معظم الرجال الذين ظهروا أون لاين بحالة استرخاء نسبي، وكأنهم يتحدثون من مكاتبهم الحقيقية، بعد أن خصصوا لأنفسهم غرفة خاصة للعمل والتفاعل الافتراضي، فيما لم تحظ معظم النساء بهذا الامتياز، وظهرت بعضهن يتحدثن من إحدى زوايا المطبخ أو الحمام، أو من داخل خزانة، أو من أي ركن صغير يحمي خصوصية عملهن قدر الامكان.


في واحدة من الاجتماعات الخاصة التي شاركت فيها أون لاين قبل فترة قريبة، وفيما المتحدثة رئيسة الاجتماع تشرح بعض الأمور، سُمع صوت طفل إحدى المشاركات يبكي ويحطم بعض الأشياء، وهو ما أحرج والدته المشاركة التي  أغلقت المايكروفون واعتذرت كتابياً من الجميع. 
لدعمها، سارعت رئيسة الجلسة بإيقاف الاجتماع لخمسة دقائق استراحة ريثما تتمكن الأم المرتبكة من العودة، وشرحت في تعاطف نسوي واضح أن منظمتها باتت تتفهم جيداً وضع النساء أون لاين المستجد، ولايتضايقون من تشويش مفاجىء للأطفال، مع تقديرها الكامل لدور الأمهات وجهدن بالاضطلاع بمهمتي العمل والأمومة بوقت واحد. 


لاشك أن هذه السيدة المتفهمة لامست التحديات الجديدة للعمل عن بعد، وبخاصة أحمال النساء المضاعفة، وربما كانت واحدة من هؤلاء النساء اللواتي  يواجهن ظروفا مشابهة، وهو مايدعو إلى حث الجهود لإعادة وضع قواعد ومفاهيم جديدة تخص عمل المرأة من المنزل.
رغم أن الكثير من النساء العاملات، وبعد عام وقليل من انتشار الجائحة، اعتبرن تجربة العمل من داخل المنزل بكونها تجربة مغايرة، ساهمت نسبياً في تخفيف لهاثهن خلف المواصلات والاقتصاد في الوقت ونفقات الثياب، كما أشادت معظمهن بتمكنهن وتطوير مهاراتهن التقنية والمعرفية المتعلقة بالعمل عن بعد أون لاين.
إلا أن معظمهن أجمعن أن الأعباء المضافة لم يجدن تسهيلات لها من شركاؤهن في المنزل، وأنهن ينتظرن بفارغ الصبر عودة الحياة إلى طبيعتها، والعودة إلى العمل في المكتب، ورؤية الشوارع، وزملاء العمل، حيث يشكل هذا الخروج من المنزل إلى العمل، الفسحة المؤقتة الوحيدة المتاحة للتنفس.
    

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.