إيران- كورونا
التفاؤل الإيراني بنهاية ولاية ترامب لم يكن في محله

يتفق الوزير لويد أوستن، مع وجهة النظر السائدة في منطقة الشرق الأوسط والخليج، بالنظر إلى مصير "الاتفاق النووي" بين إيران والمجتمع الدولي، بوصفه مفتاحاً للحرب والسلام في الإقليم برمته، والقضية التي سيتوقف على حلها، "حلحلة" الكثير من أزماته المعقدة والممتدة، ذلك أن إيران نجحت خلال العقدين الأخيرين في أن تصبح "لاعباً" يمتد تأثيره ونفوذه، من اليمن إلى لبنان، مروراً بسوريا والعراق والخليج.
لكن مصير هذا الاتفاق يبدو حتى اللحظة، مجهولاً تماماً، في ظل اتساع فجوة المواقف بين كل من طهران وواشنطن، فكلا الفريقين ما زال "يتمترس" خلف قائمة من "الشروط المسبقة"، ولا يبدو من دون أن تحقق الديبلوماسية معجزتها من جديد، أن أي منهما، بصدد الهبوط عن قمة الشجرة التي صعد إليها خلال الأسابيع الثلاثة التي أعقبت تسلم إدارة بايدن مقاليد البيت الأبيض.


كان الاعتقاد السائد حتى الأمس القريب، أن إيران هي "الرابح الأكبر" بخروج دونالد ترامب من البيت الأبيض، فتحت قيادته تعرضت الجمهورية الإسلامية لأقصى العقوبات، غير المسبوقة في التاريخ...وأسهمت التأكيدات المتكررة التي صدرت عن بايدن وفريقه بالعودة إلى الاتفاق النووي، في رفع منسوب التفاؤل وإشاعة مناخات من الأمل بقرب عودة الاستقرار لهذا الإقليم المضطرب.
لكن تطورات الأسابيع الأخيرة، أظهرت، أن موجة التفاؤل بفتح صفحة جديدة بين طهران وواشنطن، كانت سابقة لأوانها، وتنطوي على قدر من المبالغة، فيما "ساعة الرمل" تكاد تفرغ آخر حباتها، مع اقتراب موعد انتهاء "صلاحية" البرتوكول الإضافي المبرم بين إيران ووكالة الطاقة النووية (21 فبراير)، والانتخابات الرئاسية الإيرانية (18 يونيو)، تقرع الأبواب وتُدخل أجنحة النظام وتياراته، في "بازار سياسي ساخن" يصعب معه، التفكير بعقل بارد، واتخاذ القرارات الأكثر واقعية.

"فائض القوة" الإيرانية


كانت الذكرى الثانية والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، مناسبة للمرشد الأعلى، لتسييج مواقف فريق الرئاسة والخارجية بحزمة من "الخطوط الحمراء"، قبل التوجه لأية مفاوضات أو وساطات متعلقة ببرنامج طهران النووي: (1) رفع كافة العقوبات مسبقاً، وقبل عودة إيران لالتزاماتها بموجب الاتفاق... (2) فسحة من الوقت لاختبار رفع العقوبات، عملياً وليس لفظياً فحسب... (3) إيران وحدها لها الحق في وضع الشروط، وليس الولايات المتحدة التي غادرته بقرار أحادي الجانب.
لكن الفترة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق (8 مايو 2018) وتسلم إدارة بايدن الحكم (20 يناير 2021)، ستشهد تطورات متسارعة في وتائر العمل بالبرنامج النووي، وصولاً لإنتاج اليورانيوم، حتى أن الوزير أنطوني بلينكن، قدّر أن المسافة التي تفصل طهران عن "القنبلة" باتت تعد بالأسابيع، وليس بالأشهر، وهو تقدير على ما فيه من "مبالغة" برأي خبراء ودوائر استخبارية أخرى، إلا أنه يعكس مستوى القلق من الشوط المحرز على طريق "عسكرة" البرنامج النووي الإيراني، الأمر الذي دفع كثيرين على المراهنة بأن عودة واشنطن للاتفاق النووي، لن تكون فورية وشاملة وغير مشروطة.


وزاد الطين بِلّةً، أن التصريحات التي تصدر تباعا عن مختلف المستويات القيادية في إيران، تعكس شعوراً بـ"الانتصار" و"التفوق"، فقادة طهران ينسبون الفضل في إسقاط إدارة ترامب إلى أنفسهم وبلادهم وحلفائها، الذين "صمدوا" في وجه "غطرسة الشيطان الأكبر"...ولديهم رهان على أن إدارة بايدن ستكون حتى إشعار آخر، غارقة بملفات الداخل الأمريكي الضاغطة، ولديها من التحديات على المسرح الدولي، ما يكفي للحد من قدرتها على إلحاق المزيد من الأذى بإيران...فضلاً بالطبع عن إحساس عميق آخر بــ"فائض القوة"، مصدره ثقتهم بأن واشنطن ليست بوارد حرب أو عمل عسكري واسع ضد إيران، وأن إسرائيل لن تستطيع وحدها، ومن دعم أمريكي، القيام بمغامرة واسعة ضد مواقعهم النووية، وأن حلفاء واشنطن في المنطقة، قلقون من أولويات الإدارة الجديدة وتحريكها لملفات الديمقراطية وحقوق الانسان، وهم فشلوا في الأصل، في حسم حروبهم مع حلفاء إيران في اليمن وسوريا والعراق، وصولاً إلى لبنان.
في تفسيرهم لميل طهران إلى تصعيد شروطها وإملاءاتها للعودة إلى الاتفاق النووي، انقسم المراقبون في المنطقة بين فريقين: الأول، رأى فيه تكتيكاً تفاوضياً لتحسين شروط "الصفقة" المحتملة مع الولايات المتحدة والغرب...والثاني: نظر إليها بوصفها دلالة على "وجهة استراتيجية جديدة" في السياسة الإيرانية، تستهدف هذه المرة، الوصول إلى "القنبلة" بوصفها "بوليصة تأمين" للنظام، سيما بعد "التجربة المرة" التي خاضها مع إدارة ترامب، والتي تميزت بالخنق الاقتصادي والتلويح المستمر بخيار القوة العسكرية.


والحقيقة أن ثمة شعرة دقيقة بين "القراءتين"، فإيران المنهكة اقتصادياً، لا ترغب أبداً في استمرار سياسات الخنق الاقتصادي التي شلت اقتصادها وعمقت ضائقتها الاجتماعية والسياسية، والمؤكد أنها تسعى في تفادي سيناريو المواجهة العسكرية الشاملة مع الولايات المتحدة، أو حتى مع إسرائيل، بدلالة التزامها "ضبط النفس"، برغم مئات الضربات الجوية والصاروخية الإسرائيلية لأهدافٍ تتبع لها في سوريا والعراق.
لكن سوء التقدير والحساب، لطالما دفع أطرافاً متنازعة إلى الانزلاق لخيارات غير مرغوبة، وقد يحدث أمرٌ كهذا من جديد، ومن قبل إيران هذه المرة...فما لا تدركه القيادة الإيرانية، أن إدارة بايدن لن تدشن عهدها بإظهار "الضعف" و"العجز" في التعامل مع الملف النووي الإيراني، برغم تصريحاتها المتكررة بتغليب "الديبلوماسية" على ما عداها من أدوات في سياساتها الخارجية...ثم، أن الولايات المتحدة، لن تخوض معركتها ضد طهران وحيدة هذه المرة، فمواقف الإدارة الجديدة، تلقى قبولاً وتناغماً من قبل شركائها الأوروبيين، وتحديداً بريطانيا وفرنسا، فيما تقف روسيا عاجزةً عن إقناع القيادة الإيرانية بالهبوط عن قمة الشجرة، بالرغم من تحذيراتها المتكررة، بأن ما تفعله طهران، لن يخدم عودة الولايات المتحدة للاتفاق النووي.


عامل الزمن، لا يعمل لصالح استنقاذ الاتفاق النووي، فاستمرار إيران في تطوير أنشطة برنامجها النووي، وبما يفتح الباب رحباً أمام فرص "عسكرته"، بعيداً عن عيون المراقبين بعد انتهاء العمل بالبروتوكول الإضافي، سيثير قدراً كبيراً من الشكوك حول نيّات طهران وخططها، وسيؤلب عليها المجتمع الدولي وليس الولايات المتحدة وحدها، وهذا ما تدركه إيران التي سعت لبعث رسائل الطمأنينة للعالم بالقول إن عدم تجديدها للبرتوكول، لا يعني "طرد" خبراء وكالة الطاقة ومراقبيها بالضرورة.
إن سؤال المليون دولار، الذي يدور تحت هذه الظلال الكثيفة من الاتهامات المتبادلة، والشروط المتقابلة، إنما يتعلق بوجهة إيران الاستراتيجية المقبلة، وما إذا كانت تخلت عن "فتوى خامنئي" بتحريم امتلاك "القنبلة" واستخدامها، وهل ما زالت هذه الفتوى قائمة، أم أن دروس حقبة ترامب، قد جعلت تلك الفتوى متقادمة، وربما يضيف البعض سؤالاً آخراً: هل كانت الفتوى "جديّةً" في الأصل، لكي يجري التراجع عنها، بفعل ما يقال إنها ظروف مستجدة؟
وفي ظني، أن الإجابة على هذا السؤال، ستكون متعذرة قبل الصيف القادم، فكثير مما يصدر عن طهران من مواقف وسياسات في هذه المرحلة، إنما يرتبط أشد الارتباط، بالاستحقاق الانتخابي المنتظر بعد أربعة أشهر، ورغبة التيار المحافظ والثوري (وربما المرشد)، في عرقلة جهود فريق روحاني – ظريف، وعدم تمكينه من تحقيق أي منجز كبير، يمكن أن يكون له تأثير على اتجاهات تصويت الناخب الإيراني، إذ تكاد تُجمع التقارير والمعلومات، بأن ثمة رغبة حقيقة لدى هذا التيار، وبضوء أخضر من "الولي الفقيه"، بإخراج الإصلاحيين من السلطة التنفيذية، بعد أن أمكن لهما بسط سيطرتهما على السلطتين التشريعية والقضائية.
وثمة ما يشير إلى رغبة إيرانية في تأجيل "الحسم" بأي من هذه الملفات إلى ما بعد الانتخابات، على أن تستمر طهران في ممارسة كافة أنواع الضغط والابتزاز "النووين" لواشنطن وحلفائها، ولكن من دون أن تقطع "شعرة معاوية" معها، ومن دون أن تتوقف عن إرسال رسائل الطمأنينة وإن بحدها الأدنى.
تقابل الرغبة الإيرانية، رغبة أمريكية، في "تخفيف" العقوبات، ومن مدخل إنساني، لتشجيع طهران على البقاء على سكة الاتفاق وإن بالحد الأدنى من الالتزام، على أمل أن تنجلي غبار المعركة الرئاسية في طهران، فتتعرف واشنطن على مواطئ أقدامها في الرمال الإيرانية المتحركة، وتعرف مع من ستتفاوض، وعلى ماذا ستتفاوض، وأي طريق ستسلكه المفاوضات: العودة للاتفاق ذاته، العودة إليه موسعاً ومشدداً، تحويله إلى منصة لاتفاقات لاحقة، تشمل دور إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي، إلى غير ما هناك من خيارات واحتمالات.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!