لقمان سليم تعرض للاغتيال.
لقمان سليم تعرض للاغتيال.

درس لقمان سليم، القتل كأداة تحكم وسيطرة مرة أخرى.

تُعتبر الرقابة عادة أنها تضييق عشوائي يطال حرية التعبير. وتشمل الكتب والصحف والنشرات الإخبارية والمسرحيات والأفلام من قبل الممسكين بالسلطة قبل السماح للجمهور بالاطلاع عليها. والرقابة قد تمارس من قبل نظام السياسي استبدادي، لكنها قد تمارس أيضا من مجموعة سياسية كحزب أو منظمة أو ما شابه.

أكثر من حظي بشرف الرقابة على مرّ العصور: الكتب، يعني الكلمة. ووصل الأمر بإحراق أصحابها. يلحّ السؤال هنا: ما معنى أن يقتل إنسان من أجل فكرة؟ أو ممارسة سياسية؟ أليست رقابة مدفوعة إلى حدّها الأقصى.

فإذا كان التعبير عن الرأي والموقف السياسي المختلف مما يستحق القتل، فما هو الرد؟ الخوف والرضوخ والسكوت لتأبيد المتسلطين والوضع السائد؟ أو اللجوء إلى العنف واستخدامه؟ 

أوقفت الأنظمة الديموقراطية المعاصرة، دورات العنف هذه عن طريق وضع دساتير وقوانين أدى احترامها إلى ممارسات ووسائل تعبير سلمية تحفظ الحق بحرية الرأي والعمل السياسي ما سمح بتداول السلطة سلمياً. فرضت القضاء وحده كقادر على إيقاف دورة العنف لوجود سلطة عليا تحرص على محاكمات علنية عادلة. 

لبنان عرف قضاء مهنياً ونزيهاً فعالاً ما قبل الحرب الأهلية. لكننا وصلنا مع الوقت، ومع تتالي الاحتلالات إلى ساحة للقتل يسيطر عليها وحوش يستبيحون دم المعارضين بدم بارد. ولم يتم حلّ لغز أي اغتيال أو مقاضاة أي مجرم.

انقلب لبنان من بلد عرف منذ نشأته، بحكم إرادة مؤسسيه وللإبقاء على خصوصياته وتنوع مكوناته السكانية، بتقديس الحريات وبممارسة ديموقراطية جعلت من بيروت منارة الشرق وملجأ كل من ذاق طعم الاضطهاد والقمع، إلى بقعة دم. 

ولبنان يخضع لعمليات القتل بهدف قمع الرأي السياسي منذ استقلاله. ومع اندلاع الحرب الأهلية، أصبح القتل أداة السيطرة المعتمدة. مسلسل اغتيالات، يستحق ادخاله في قائمة موسوعة غنس. تنوع شهداء الاغتيال ما بين مفكرين وصحفيين وقادة رأي وسياسيين ورجال دين وعسكريين وأمنيين وحتى ممن كانوا مقاومين لإسرائيل، ويمكن مراجعة حركة أمل والحركة الوطنية في ذلك. 

لائحة قتل لا تنتهي. بدأها النظام السوري منذ منتصف السبعينيات. وبفضلها أخرس المعارضين وفرض هيمنته. قام بذلك بمساعدة فئة من اللبنانيين تلعب دور حصان طروادة لمكاسب خاصة. تخلل الاحتلال السوري، فترة من الاحتلال الاسرائيلي، الذي استخدم كل أنواع العنف. لكن انتفضت مقاومة وطنية شاملة أخرجته من معظم الأراضي المحتلة عام 1987. 

حلّت محلّها مع الوقت مقاومة إسلامية، فجرت المارينز والسفارة الأميركية والفرنسيين واستخدمت خطف الرهائن الغربيين لتحقيق مكاسب لم تكن لها علاقة بلبنان. وقَبِل الغرب بشروطهم وخضع لهم وعقد مع مشغلينهم اتفاقات على حساب لبنان. فوضعت اليد على لبنان من قوى الأمر الواقع، أي الاحتلال السوري المتحالف مع مقاومة إسلامية لبنانية بالاسم، لكنها إيرانية بالفعل. استتب الوضع للنظام السوري بعد اغتيال الرئيس المنتخب رينيه معوّض. فتوقف مسلسل الاغتيالات حتى عام 2005.

بدأنا حينها مسلسلاً جديداً باغتيال الرئيس رفيق الحريري. وتلته كوكبة من المثقفين وقادة الرأي والسياسيين والعسكريين والأمنيين، على مراحل. في الاأثناء احتل حزب الله بيروت وقتل حوالي مئة من أبنائها ونزلت القمصان السود. مكّنهم القتل من الضغط لتعطيل الاستحقاقات الدستورية على أنواعها بفضل خضوع المعارضين وتعاونهم. وكل ذلك أوصل حزب الله إلى ما نراه من تحكم بلبنان وشعبه ومصيرهما.

القاسم المشترك بين هؤلاء الشهداء جميعهم وقوفهم حجر عثرة أمام المشروع، لعدم خضوعهم أو لمقاومتهم أو لجعلهم أمثولة للاتعاظ. 

قتْل صاحب الرأي الآخر هو رفض للحق بالاختلاف سواء السياسي أو الفكري أو العقائدي. والاغتيال يترجم عدم قبول اتجاه سياسي معين أو أفكار أو ممارسات معينة والاستعداد "لاجتثاثها من جذورها". يقوم بذلك عادة طرف ممسك بسلطة ما تبدو مهدَّدة، سواء أكانت تنفيذية أو معنوية، سياسية أو دينية، محلية أو إقليمية. وهذه هي الرقابة في حدّها الأقصى: القتل والاعدام.

اغتيال لقمان سليم، يبرهن أن هناك جهة تستعيد مسلسل القتل لاستسهالها له ولعدم ردعها. حتى المحكمة الدولية خضعت للضغوط السياسية وسايرتها، ومع أن حكمها حدّد الجهة المسؤوولة لكن بخفَر. مرجعية حزب الله، الذي أشارت إليه المحكمة، هي إيران بلسانهم. راجعوا نسبة الإعدامات من دون محاكمة في إيران: الأعلى في العالم. يستدرجون ويخطفون الضحية ويقتلونها.

ما الذي سيردعهم الآن بعد أن تحوّل لبنان إلى بلد سائب تحكمه الجريمة المنظمّة على أنواعها: قتل وتهريب مخدرات وسلاح وتبييض أموال وتجارة كافة الممنوعات. في ظل قضاء مشلول وأجهزة أمنية مخترقة؟

هناك من يقول لننتظر التحقيق أو أنها إسرائيل. طيب ما معنى إصدار لائحة إعدام جديدة الآن على غرار لائحة عملاء السفارة؟ ما معنى تهديد المذيعة ديما صادق بالقتل؟ ما معنى الشماتة والحقد والتشفي من القتيل؟ ما معنى اعتذار قارئ القرآن عن الإثم الذي ارتكبه بتلاوة القرآن على قبر سليم؟ هل سمعتم عن هرطقة من هذا النوع؟ هل يمكن لمؤمن ورع أن يعتذر عن تلاوة القرآن في أي مجلس كان؟ هل يقرض مرجع بيئة حزب الله الإمام عليّ، الذي قال لأتباعه "لا تكونوا شتامين سبّابين"، بذلك؟ إليس كل ذلك مؤشرات واضحة للجهة المحرضة والمستفيدة والمسؤولة معنوياً على الأقل من إعدام لقمان سليم؟

هل يمكن لعاقل أن يصدق ان أسرائيل لا تغتال إلا أعداء حزب الله؟ الملقب بالمقاومة؟ هل نسنتنج أن إسرائيل لم تجد أحداً من الحزب في الجنوب يستحق أن تقتله؟ أليست طائراتها المسيرة تمشط مناطقهم ليل نهار؟
أول ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر مقاومة، هو المقاومة المسلحة التي يغلب عليها منطق العنف. لكننا نحن الآن "المقاومة"، مقاومة آلة العنف ومنطق العنف نفسه والوقوف بوجه الرصاص الموجّه إلى الكلمة الحرة التي يحملها كل مدافع عن السيادة والاستقلال. وفي هذا نحتاج إلى استكمال دعم المنظومة الدولية التي برهنت في حضورها مأتم لقمان سليم عن رفضها لمقتله والنية في محاسبة القتلة هذه المرة. وأرجو أن تبرهن لنا أنها على مستوى وعودها وقيمها في ما يتعلق بحقوق الإنسان وقيم العدالة. 

في لبنان شعب مخطوف ومحتل بالواسطة، رافض لهذا الاحتلال، لكنه أعزل ويقتل يومياً في حياته ورزقه وأمنه ومستقبله أمام أعين العالم. في لبنان مواطنون بمئات الآلاف يرفضون الوضع الذي آل إليه بلدهم ويحتاجون بالضرورة إلى تكاتفهم جميعاً أولاً، ووضع مطلب بسيط واحد: إيران برا. وبهذا يحتاجون إلى دعم ورعاية مجموعة الدول العربية ومجموعة الدول الغربية، والحرص على عدم استخدامهم كورقة ضغط ولا كثمن تسوية.

أمامكم شعب تعرفون نماذج مواطنيه وقدراتهم ومؤهلاتهم في بلادكم نفسها. آن الأوان لأن تكفوا عن بيعنا والتخلي عنا من أجل تسويات سياسية ومصالح. تقولون لنا: برهنوا أنكم موجودون في بلد مخطوف ومحكوم من عصابة ونعجز عن اللجوء إلى المحكمة الجنائية لأن لبنان منع من التوقيع عليها، ولا الأمم المتحدة، إذا رضيت التدخل، لأنها تحتاج إلى طلب رسمي من الدولة!! الممنوعة من تأليف حكومة ترضون عنها؟ فأي منفذ أمام الشعب اللبناني؟

هذا ما دفع البطريرك، مشكوراً، إلى طرح الحياد ومن ثم فكرة المؤتمر مطالبا طرح قضية لبنان: "في مؤتمر دوليّ خاص برعاية الأمم المتّحدة".
لكننا نخاف هنا ايضاً أن يتم استخدام هذه الذريعة لوضعنا تحت وصاية إيران مجدداً، على غرار دوحة 2 أسوأ من سابقتها، إذا لم نذهب بمطالب واضحة ومحددة: نريد مساعدتنا لاستعادة نظامنا، بدعم "الدستور والطائف وتطبيق قرارات الشرعية الدولية: 1701 و1559 و1680". إي إصلاح للنظام مرفوض قبل استعادة لبنان واستقلاله الفعليين وخضوع الجميع لسلطة الدولة السيدة.

لقمان اغتيل لألف سبب وسبب. تراكمت "ذنوب لقمان" إلى أن وصلت إلى درجة اعتبرت مهددة. فبعد أن شاهدت آخر مقابلة له على العربية - الحدث، واطلعت على المعلومات الدقيقة والمتسلسلة والمنطقية التي أدلى بها في ما يتعلق بانفجار المرفأ في 4 آب، خمّنت أنها ذرة الرمل الإضافية التي أوقعت الكومة. 

فعندما يقدم لقمان سليم معلومات واضحة ويعيد سرد رواية متكاملة لتسلسل الأحداث في مقابلة موجزة. فهذا يعني أن لديه من الوثائق والمعلومات والأسماء تفوق كثيراً ما قدمه على الشاشة. فكان يجب التخلص من عقل فذ صار يشكل تهديداً فعلياً في إثبات هوية المتورطين بالانفجار الكارثي. 

هذا هو بيت القصيد من مسلسل الاغتيالات التي سبقت الانفجار وتلته. من سكاف وداغر وسكاف وابو رجيلي وبجاني وغيرهم. الغاية طمس كل ما يمكن أن يكشف من يقف خلف الجريمة. لذا من الضروري المطالبة بتحقيق دولي شفاف لكل ما يتعلق بملابسات هذا الانفجار. 

شبعنا قتلاً. لا تجعلوا منا  على ما قال بدوي الجبل:

نحن موتى وشرُّ ما ابتدع الطغْ    يانُ موتى على الدروب تسيرُ.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!