السجن هو مصير الكثير من المثقفين المعارضين
السجن هو مصير الكثير من المثقفين المعارضين

يقول هربرت ماركيوز في كتابه (نحو ثورة جديدة): "موتُ المثقَّفِ يكمن في تخلّيه عن وظيفتهِ المتمثلة في تحرير الوعي مِن الأوهام، ورفض الأوضاع السائدة.. إن مهمّة المثقف هي صون الحقيقة من الضَّياع، المثقف هو مَن يرفض التسويةَ مع الفئات المسيطرة."
وهو يتحدّث عن دور المثقف، لم يخطر ببال المفكر الألماني ماركيوز، أن تكون محنة المثقف في بلداننا التي باتت توصَف بالدولةِ الفاشلة أو الهشّة أن تكون تلك الفئات المسيطرة هي قوى ما قبل الدولة، وبنفس الوقت تفرض سيطرتها على الكيان السياسي الذي نعيش فيه! ومن هنا لم تعد محنة المثقف في مواجهة الحكومات الدكتاتورية فحسب، وإنما تكون المحنة أكثر تعقيداً عندما تعيش في واقع اللادولة. 


في الأنظمة الدكتاتورية عقوبة المثقّف الناقد والمتمرّد واضحة وصريحة، فهي تتنوع بين القتل بتهمة التآمر على الدولة، أو يُغيَّب في السجون، أو يختار المنفى وطناً. أما في الحكومات التي تأخذ شرعيتها من قوى اللادولة، ولا سيّما عندما يكون لتلك القوى حيازة الشرعيّة السياسية عن طريق الانتخابات، وتملك في الوقت ذاته سلاحاً خارج نطاق الدولة! يكون الانتقاد أو الموقف الصريح من هذه الازدواجية هو مواجهة مصير مجهول.  
في الديمقراطيات الهشّة، التي تتحكم بها قوى اللادولة، يكون المثقف إزاء محنة أكثر تعقيداً من محنة المثقف مع الحكومات الدكتاتورية، إذ في الدكتاتورية يكون الموقف محصوراً بين ثلاث خيارات: الهروب، أو الانعزال، أو التبعية للسلطة. أما في الديمقراطيات الهشّة فالمحنة تكون مركّبة وأكثر تعقيداً، المحنة الأولى تكون أمام تحدّي الثبات على المبادئ والأفكار التي يطرحها أو يدعو إليها، وبين الانفتاح الذي يشهده المجال العام للمشاركة في السلطة، وهنا نكون أمام عقدة أخرى، فالأحزاب والقوى السياسية المتنفذة لا تؤمن بمبدأ الكفاءة والخبرة، وإنما معيارها الأول والأخير هو السَّمع والطاعة لِمن تَمنُّ عليه بمنصبٍ سياسي، إذ الحصول على المنصب لا يتمّ إلّا من بوّابة القبول والرّضا الحزبي والقبول بمبدأ الشراكة بنهب المال العام. 


أمّا المحنة الأخرى، في الديمقراطيات الهشّة، فهي ضعف الدولة وعجزها في أن تكون المؤسسة المتعالية عن التناقضات والانقسامات المجتمعية والقوّة القادرة على احتكار العنف المنظَّم، وتتحوّل بدلاً من ذلك إلى مؤسسة تتقاسمها قوى لا تؤمن بالدولةِ أصلاً، وتعمل وفق منطق جماعات ما قبل الدولة. وهذه الجماعات تملك السلاح الذي يعلو على سلاح الدولة. ولذلك تجد هامشاً من الحريّةِ متوفراً نوعاً ما، لكن يمكن أن يكون ثمن الكلمة والموقف هو هدر دم المثقف، فلا سلطةَ تحميه من بطش الجماعات المسلّحة التي تعتبر كلمته وموقفه أكثر فتكاً وضرراً في رمزياتها السياسية والدينية.
في البلدان التي تسيطر فيها قوى اللادولة على النظام السياسي ممكن أن تشخص ازدواجية المثقف بصورة أكثر وضوحاً من البلدان التي تحكمها حكومات دكتاتورية، ففي الحالة الأولى تجده ينتقد الفوضى ويتباكى على انعدام الدَّولة، لكن في المجالس الخاصّة فقط. وعندما ينتفض الجمهور ضد قوى اللادولة وفسادها وهيمنتها على مؤسسات الدولة يتّخذ جانب الحياد أو الصَّمت، أو في أفضل الأحوال يكون ناقداً بأسلوب مخملي لِلحكومات، ولكنّه لا يجاهر بنقدِ قوى اللادولة، لكنّه يمكن أن يكون ناقداً لاذعاً لأيّ تصرّف عَفَويّ من قبل الجمهور! 
محنةُ المثقفِ الملتزم مع واقع اللادولة، تجعله يخوض معركتَين: الأولى أمام عجز الدولة وغيابها عن المجال العام؛ والثانية في مواجهة قوى ظلامية متطرّفة، لا تتهاون مع من يعمل على تعريتها أمام جمهورها، ويكشف زيف ادعاءاتها وتستّرها خلف شعارات ورمزيات تستغفل الشَّعب.  


أغلب مثقفينا الآن ليسوا أيديولوجيين، وقد تكون هذه إيجابية، لكنّها سلبيّة لأنَّ الكثير من دعاة الثقافة باتوا غير ملتزمين مبدئياً، ولا نعرف لهم أي التزام مبدئي، وتحوَّلوا إلى (مثقف سائل) يتحوَّل موقفَه حسب متطلبات العرض والطلب، سواء أكان من قبل السلطة أو قوى اللادولة. ومن ثمَّ بات المثقف غير الملتزم بقضايا الجمهور ولا بمبادئ النخبوية، يجد في التقرّب من السّلطةِ فرصةً لتعزيز مكانته الاجتماعية أو موارده الماليّة، فالمعرفة بالنهاية قد يكون هدفها السلطة والحضور، كما يعتقد بذلك ميشيل فوكو. ولا يهمّ كيف يكون الطريق للوصول إلى حاشية السلطة، إذا ممكن أن تتحالف مع القوى التقليدية والأوليغارشيّات السياسية في سبيل المنصب. 
كتب أحد المثقفين العراقيين مقالاً بعنوان: "المثقف وعالَم اللامصلحة النَّقي" وختمه بالتساؤل الآتي: " كيف يمكن للمثقف الذي يتورّط بالموقف السياسي أن يبقى الضميرُ عنده متقدّماً؟" لكن هذا المثقف نفسه عندما حصل على منصب حكومي، تحوَّل إلى مدّاح لرئيس حكومته، لأنه تكرَّم عليه بمنحه المنصب، ولم يلتفت إلى تاريخه وعنوانه في عالَم الثقافة الذي يؤهله إلى أن يكون في هذا المنصب استحقاقاً وليست تكريماً. وهذا المثقف نفسه يقف اليوم يبرر عجز وضعف الحكومة إمام خروقات قوى اللادولة. 


قد نتهم بالقسوةِ أو جلد الذات، عندما ننقد التحوَّل في مواقفِ المثقف، ونجده ينتقل مِن موقف إلى آخر نقيض لما يدعوا إليه، كما يحدث في بلداننا، ويكون كلّ هدفة الدخول في منظومة السلطة والتحوّل من ضمن حاشيتها، ليس لمشروع ثقافي أو سياسي، وإنّما لإرضاء الغرور الذاتي، أو أنه يجب أن تكون له حصة من مغانم السلطة تحت تبرير معيار الكفاءة. ورغم ذلك لا يريد أن ننتقده لأنه يبقى مثقفاً حتى وإن تحوّل إلى ذيل ومدّاح لمن هم في السلطة. سواء أكان النظامُ دكتاتورياً، أو نظاماً سياسياً عنوانه "ديمقراطية" وواقعه بعيد تماماً عن الديمقراطية؛ بل هو واجهة لمافيات سياسية تهيمن عليه قوى اللادولة.
قد يمكن للبعض أن يتلمّس الأعذار للمثقف الذي يتماهى مع هذَين النموذجَين في الحكم، لكن لا يمكن تبرير تحوّل "المثقف" إلى رقم إضافي في منظومة الخداع والنفاق السياسي، فتلك خطيئة لا يمكن للتاريخ أن يغفرها لأنَّ الجماهير تبقى لوحدها تواجه الخديعة والتضليل من قبل السياسيين وحفنة من المثقفين.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!