زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتشل ماكونيل يغادر مبنى الكونغرس بعد محاكمة ترامب الثانية
زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتشل ماكونيل يغادر مبنى الكونغرس بعد محاكمة ترامب الثانية

يواجه الحزب الجمهوري أزمة وجودية، وأزمة هوية في آن معا، بعد هزيمة الرئيس السابق، دونالد ترامب، في الانتخابات، ما دفعه لتحريض أنصاره على الاجتياح الدموي لمبنى الكابيتول واحتلاله، الأمر الذي أدى إلى إحالته إلى المحاكمة في مجلس الشيوخ. 
تبرئة ترامب لم تكن مفاجئة، لا لملايين الأميركيين الذين شاهدوا المحاكمة، ولا لفريق الادعاء الذي قدم أدلة قوية، كان يمكن أن تؤدي إلى تجريمه، لولا شعبيته العالية نسبيا في أوساط الناخبين الجمهوريين. 
الأمر المفاجئ، هو أن سبعة أعضاء جمهوريين من بين خمسين عضوا في مجلس الشيوخ انضموا إلى الديموقراطيين والمستقلين، وشكلوا أكثرية من سبعة وخمسين عضوا صوتوا لتجريمه. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة التي يصوت فيها سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ لتجريم رئيس ينتمي إلى حزبهم. ولكن بما أن تجريم الرئيس يقتضي موافقة ثلثي الأعضاء المئة، أي سبعة وستين عضوا، أفلت ترامب قانونيا من العقاب، وإن رأى العديد من المراقبين أن مجلس الشيوخ أدانه أخلاقيا، وخاصة بعد خطاب زعيم الأقلية الجمهورية في المجلس السناتور، ميتش ماكونيل، والذي وجه فيه نقدا لاذعا لترامب الذي "تخلى عن واجبه بشكل مخز للغاية"، مضيفا أنه " لا يوجد شك، أي شك، بأن الرئيس ‏ترامب، عمليا وأخلاقيا مسؤول عن استفزاز أحداث ذلك اليوم،" في إشارة إلى السادس من يناير. جمهوريون آخرون عبروا عن مواقف مماثلة تجاه ترامب.
وفور انتهاء المحاكمة بدأت المناوشات بين الجمهوريين في الكونغرس وخارجه، للسيطرة على الحزب بعد خسارة البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس، وذلك في الوقت الذي يعاني فيه الحزب نزيفا كبيرا تمثل في انسحاب عشرات الآلاف من الناخبين المسجلين كجمهوريين من الحزب احتجاجا على اجتياح الكابيتول. في ولاية كاليفورنيا أظهرت الإحصاءات أن أكثر من 33 ألف ناخب جمهوري انسحبوا من حزبهم في أعقاب الاجتياح. ووصل عدد المنسحبين من الحزب الجمهوري في ولاية بنسلفانيا إلى أكثر من 12 الفا، بينما انسحب أكثر من 10 آلاف ناخب في ولاية أريزونا. ووفقا لتحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز، زاد عدد المنسحبين من الحزب الجمهوري في 25 ولاية عن 140 ألف ناخب.
أن ينسحب بعض الناخبين من حزبهم في أعقاب أي انتخابات رئاسية، فهذا أمر متوقع، وعلى سبيل المثال انسحب حوالي ثمانين ألف ناخب ديموقراطي من حزبهم منذ الشهر الماضي. ولكن الانسحابات من الحزب الجمهوري هذه المرة، وصلت إلى نسب غير معهودة، وعكست عمق الخلافات والاستقطابات التي جلبها ترامب إلى الحزب، منذ وصوله إلى البيت الأبيض، والتي لا تزال تتفاقم حتى بعد هزيمته وإحالته إلى المحاكمة في مجلس الشيوخ مرتين خلال سنة. وهناك محاولات تقوم بها بعض الشخصيات الجمهورية السابقة لتشكيل حزب ثالث، وإن كانت مثل هذه المحاولات في السابق لتغيير ثنائية الحزبين في الولايات المتحدة قد باءت بالفشل. 
الأزمة الوجودية التي يواجهها الحزب الجمهوري يعبر عنها محللون وجمهوريون سابقون ومن بينهم المحلل المحافظ والجمهوري السابق، جورج ويل، الذي يقول إن الحزب الجمهوري سيضمحل إذا بقي تحت سيطرة ترامب وأنصاره أو ما يسميه "الجناح الأخرق". الاصطفافات داخل الحزب الجمهوري منذ خسارة البيت الأبيض ومجلسي الكونغرس، وفي اعقاب محاكمة وتبرئة ترامب، هي بين التيار الأبرز في الحزب، والذي يمثله ترامب وأنصاره في الكونغرس، وقاعدته المتحمسة له والتي تضم قوى متعصبة وعنصرية، وتميل إلى تصديق نظريات المؤامرة والتي تؤمن بتحقيق الانتصارات حتى ولو كانت بسبل غير ديموقراطية، كما انعكس ذلك في اجتياح الكابيتول. في المقابل هناك بقايا الحزب الجمهوري التقليدي والذي يضم أعضاء الكونغرس الذين أرادوا التخلص من ترامب من خلال محاكمته وتجريمه، تمهيدا لمنعه من ممارسة أي نشاط سياسي في المستقبل (لو تم تجريمه بالفعل)، وهذا التيار لا يزال يحظى بتأييد القوى التي تمول الحزب تقليديا، أي الشركات وأصحاب الدخل العالي، الذين تحملوا فظاظة ترامب ونرجسيته السافرة على مضض لأنه أقر سياسات ضرائبية خدمت مصالحهم، ولكنهم كانوا يأملون بأن يكون ترامب استثناء لن يبقى حاضرا على المسرح السياسي لوقت طويل. وكان من اللافت أن السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، وهو من أبرز المدافعين عن ترامب، انتقد خطاب زعيم الأقلية الجمهورية ماكونيل الذي حمّل ترامب مسؤولية اجتياح الكابيتول، وقال غراهام إن خطاب ماكونيل لا يمثل مشاعر الجمهوريين تجاه ترامب، وادعى أن ماكونيل وضع أعباء جديدة على أكتاف المرشحين الجمهوريين في الانتخابات المقبلة، لأن الديموقراطيين سيستخدمون انتقادات ماكونيل في دعاياتهم الانتخابية. أي حزب جمهوري سيخرج منتصرا في هذه المواجهة؟ هذا هو سؤال الهوية الذي لن يحسم في أي وقت قريب. 
أكثرية أعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين الذين برأوا ترامب، فعلوا ذلك لأنهم يخشون من ولاء الناخبين للرئيس السابق، ولقدرته على تعبئة القاعدة الحزبية في الولايات المختلفة لمعاقبة أي سناتور أو نائب يتجرأ على تحديه.  وهذا ما يعنيه الكثير من المراقبين الذين يقولون إن الحزب الجمهوري كان ولا يزال حزب دونالد ترامب، حتى وهو مقيم في منفاه المختار في منتجع مارا لاغو بولاية فلوريدا.
الجمهوريون الذين صوتوا لتجريم ترامب يجمعهم عامل واحد، وهو عدم خوفهم من عقاب الرئيس السابق ولأنهم محصنون ضد انتقامه المتوقع. بعضهم مثل سوزان كولينز وبيل كاسيدي وبين ساس انتخبوا في نوفمبر الماضي، وبالتالي أمامهم ست سنوات في المجلس توفر لهم المناعة الكافية، وبعضهم مثل بات تومي، وريتشارد بير سيتقاعدون بعد سنتين، والسناتور ميت رومني ستنتهي ولايته في 2024. وحدها السناتور ليزا ميركاوسكي ستواجه الناخبين بعد سنتين وهي، مثل السناتور رومني معروفة باستقلاليتها، وبانتقاداتها القديمة لترامب. وتعرّض بعض النواب الذين أحالوا ترامب للمحاكمة في مجلس الشيوخ، وأبرزهم ليز تشيني وبعض الشيوخ الذين صوتوا لتجريم ترامب مثل السناتور كاسيدي والسناتور ساس، الى تأنيب رسمي من المسؤولين الحزبيين في ولاياتهم، ما يعني أنهم قد يواجهون تحديات انتخابية، مثل تشجيع مرشح جمهوري آخر على تحديهم في الانتخابات الحزبية الأولية، أو حرمانهم من التبرعات المالية.
ويرى بعض المحللين، أن سيطرة ترامب على القاعدة الحزبية لن تبقى لوقت طويل، لأسباب عديدة من بينها عدم انضباطه وتقلبه المستمر ومزاجيته السلبية، إضافة إلى أنه يواجه مشاكل مالية من بينها تسديد قروض تزيد عن 340 مليون دولار للبنك الألماني في السنتين المقبلتين، في الوقت الذي انحسرت فيه أرباح شركات ترامب وفنادقه ومنتجعاته بنسب عالية. ولكن التحديات التي يمكن أن ترغم ترامب على تقليص دوره السياسي، هي التحديات القانونية، التي سيواجهها في ولاية جورجيا، حيث هناك تحقيق جنائي في سلوك ترامب وضغوطه على المسؤولين المحليين عن إدارة الانتخابات بهدف تعديل نتائجها لمصلحته في محاولة سافرة لتزوير الانتخابات، إضافة إلى تحقيقات في العاصمة واشنطن لمعرفة حقيقة دوره في اجتياح الكابيتول. هذا إضافة إلى تحقيقات متشعبة لمحققين في مدينة نيويورك حول ضرائب ترامب. وكان من اللافت أن السناتور ميتش ماكونيل أشار إلى أن ترامب لا يزال معرضا لملاحقة القضاء الأميركي كمواطن عادي لا يتمتع بأي حصانة قانونية، وأن المحاكم هي القنوات المناسبة لمحاسبته مؤكدا أن ترامب " لم يفلت من المحاسبة حتى الان".
 ما هو واضح في هذه المرحلة السياسية الجديدة، هو أن ترامب سيبقى في المستقبل المنظور قوة لا يستهان بها في الحزب الجمهوري، ولكنه سيواجه تحديات متزايدة من شخصيات جمهورية لا تخشى عقابه، وستسعى لتقويض نفوذه. وما يمكن قوله بثقة أيضا في هذا الوقت، هو أن المخاض والاستقطابات الحادة داخل الحزب الجمهوري لن تتوقف في أي وقت قريب.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.