Bookseller Dieter Dausien is seen in his bookshop, as the spread of the coronavirus disease (COVID-19) continues in Hanau,…
الكتاب الورقي لم يَحتل مكانه على الرف أمامي إلا بعد رحلة عناء

يبدأ الإنسان حياته وافرَ الهِمّة فيما هو بِصَدَدِه؛ من أعمال، أو هوايات، أو نماذج حياتية يُريد تجربتها، أو حتى أحلام يريد تمثّلها على مستوى ما من مستويات التمثّل/ التحقّق المشروط بظرفه الخاص.

يبدو المستقبل ـ خاصة في البدايات التي تستيقظ في مهاد الحلم قبل الواقع ـ وكأنه أفقٌ لانهائي، وكأنه أفق قابل للتمدّد بلا حدود، وكأن الإرادة الذاتية حينئذٍ قادرة بالمطلق، لا على مُلاءَمة الأقدارِ وتوظيفها في حدودها القصوى فحسب، وإنما أيضا، وبثِقةٍ شبه عمياء، على مُعَاندة الأقدار، حتى يصل غرور هذه الإرادة إلى توهّم إمكانية استبدال أقدار الذات بأقدار أخرى، تتصاعد وَتِيرةُ تحدّياتها من حدود الممكن لتدخل في نطاق المستحيل.

قبل خمسة وعشرين عاما، وعندما كنتُ لِلتّو قد أنهيتُ دراستي الجامعية في كلية اللغة العربية، تخيّلت أن الزمن (الذي كان فضاؤه يضيق عليّ من قبل فيما يتعلق بمسار الممكن/ المتاح القرائي)، قد اتسع فجأة، قد انفتحت حدوده المُؤطّرة، وأن لا شيء يحدّه بعد الآن. 

لم يكن الزمن في حدوده الفيزيائية/ ساعاته المحدودة هو ـ وحده ـ  المشكلة قبل التخرّج، بل كانت الإمكانيات المادية التي أستطيع بها توفير ما تشتهي النفس من المقروء/ الكتب هي زاوية التحدي الحادة. أما وقد تخرّجت، والوظائف كانت متاحة، فقد بدا أن المشكلة المادية قد حُلّت، وأني سأستطيع شراء ما أشتهي من كتب ودوريات كانت أسماؤها تتردّد في خافقي، ولن تَبقى إلا إشكالية الزمن المتاح، وقد بدا الزمن ـ آنذاك ـ رصيدا مفتوحا على المستقبل، وكأنه هناك مَن يهتف في رَوْعي: لا داعي للقلق على المستقبل لشاب لا يزال يضع خطواته الأولى الحائرة على عتبة الحياة.         

تصوّرت أن كل المعارف التي تروق لي، وكل الفنون التي طالما ظمئت لها نفسي؛ ستكون متاحة لي، وبلا عوائق أو حتى تحدّيات تستحق الاهتمام. قرأت قبل دخول الجامعة مئات الكتب، وكانت في أغلبيتها تراثية/ تاريخية/ أدبية، وقرأت إبان الدراسة الجامعية المئات أيضا، كل هذا وأنا مهموم بدراستي، ومحاصر بالإلزامي القسري منها، والضرورات المصاحبة لها من حضور وامتحانات.

وكانت الأغلبية الساحقة من تلك الكتب إعارات من المكتبات العامة ومن مكتبة الجامعة. فكيف سيكون الحال ـ هكذا تصوّرت آنذاك ! ـ وقد تحرّرت من أغلال الدراسة الإلزامية من جهة، وأصبح بإمكاني اقتناء ما أريد من كتب قد لا تكون متاحة من قبل، بل قد تكون هي "البعيد المأمول"/ "الممنوع المرغوب" على مدى سنوات؛ مما هو غير متاح أو غير مسموح به إلا وراء الحدود ؟! 

بمجرد توفّر المادة/ المال في يدي، انخرطت في مسار اقتناءٍ يرسم حدوده مستوى القدرة المادية، من غير أن تشترطه حُدودُ الزمن المتاح. بدأت السياحة في أروقة المكتبات التجارية في الداخل والخارج، تصاعدت وتيرة مطاردة معارض الكتب، انفتحت أبواب الفرح المُنْتشي بالغريب والنادر والمُحرّم/ الممنوع. وتكون النتيجة تراكما لأساطير الأولين والآخرين، تراكما محموما بما يشبه الجنون؛ لا يتحوّب من إثم الإسراف؛ إلا ريثما يعود حيّاً من جديد.  

كان من أوائل الكتب التي اقتنيتها بعد التخرج مباشرة، كتبَ المفكر المصري القدير/ حسن حنفي. لم تكن كتبه متاحة، لا في المكتبات العامة، ولا في مكتبة الجامعة، بل ولا في المكتبات التجارية في منطقتي المحافظة. ولهذا، وبمجرد تحقق قليل من الوفرة المادية النسبية التي تُحقّقها وظيفة متواضعة/ معيد في كلية، سارعت إلى اقتنائها من بعيد، وزادني شغفا بها أنها كانت ذات طابع موسوعي وشمولي، تبدأ من أغوار التراث ودهاليز الماضي، وصولا إلى المعاصرة في أحدث تجلياتها وتحدياتها المعرفية، التي كان حنفي ـ وبشيء غير قليل من الغرور ـ يزعم الهيمنة عليها، بل والقدرة على ممارسة الأسْتَذَة المتعالية، لا فيها؛ ـ فَهْمَاً وتَفْهِيماً ـ، بل عليها؛ ـ نقدا وتفنيدا ـ. 

بمجرد اقتنائي للمؤلفات الحنفية/ مؤلفات حسن حنفي، بدأت بقراءتها بالقلم والمسطرة؛ كما يُقال. ما يهمني هنا، أنني عندما قرأت كتابه (مقدمة في علم الاستغراب)، لفت انتباهي إلحاحُ فكرة "حصار الزمن" عليه، وهو يستعرض مشروعه الفكري؛ سواء ما انتهى منه، أو ما كان في طور الإنجاز؛ وفق خارطة بحثية واضحة المعالم. كنت أظنها فكرةً طارئةً في ذلك الكتاب لظرف خاصة به، أو بهذا الكتاب.

لكن، بعد قراءة بقية مؤلفاته، لاحظت أن هذه الفكرة ( حصار الزمن) تكاد تكون "وسواسا قهريا" يدفعه لبعض الاضطراب؛ مثلما يدفعه لمسابقة الزمن في تحقيق الممكن من الإنجاز المعرفي الذي يرى أنه مسؤول عنه بالأصالة؛ بوصفه مفكرا تقدّميا يضع نفسه في صيرورة تاريخية تتجاوز حدود الذات، بل وتتجاوز حدود الموضوعي الراهن، إلى حيث المستقبل الذي يجد حيويته ـ بقدر ما يجد مشروعيته ـ في التراث/ في التاريخ.

مسألة "حصار الزمن" التي استفزّني حنفي بإلحاحه المُتكرّر عليها (وقد صدر له لاحقا كتابٌ بهذا العنوان "حصار الزمن")، لم تكن مفهومة لشاب في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين. كنت أظن أن باستطاعة الإنسان أن يقرأ كل ما يُريد (طبعا، كل ما يُريد في حدود الانتقاء الخاص)، وليس من الصعب أن يكتب كل ما يريد أيضا. فرق بين "معرفة" أن الزمن محدود/ العمر محدود/ الطاقات البشرية محدودة، وبين "استيعاب" هذه الحقيقة وترسّخها في آماد التصورات التي يتفاعل فيها العقلي مع الوجداني في مسار الواقع. 

كان حنفي آنذاك (قبل خمسة وعشرين عاما) قد جاوز الستين (حنفي من مواليد 1935)، وكان قد أنجز الـ"كثيرَ"، ولكن ـ وفق مُخَطّطه المعرفي ـ كان قد بقي له الـ"الكثيرُ" أيضا. ومن حيث هو في أتون المعركة البحثية/ المعرفية، فقد كان يستطيع قياس الوقت والجهد المطلوبين لإنجاز ما تبقى من المشروع المرسوم؛ قياسا بالوقت والجهد المبذولين في إنجاز ما تحقق فعلا. وبالتجربة، كانت الحسرة تأكل المتبقي من آماله؛ لأنه يشعر بالزمن/ الوقت المتاح يُحاصِره بقسوةٍ آليّةٍ مُحَايدةٍ لا تعرف الرحمة، إذ ليس في استطاعته ـ مهما حاول ـ أن يزيد في الساعة دقيقة واحدة، فضلا عن أن يزيد في اليوم ساعة واحدة. وهو في كل ذلك، ومع تمدّد واتساع مشروعه المعرفي، كانت آفاق المعرفة تتسع باستمرار. فالجديد المعرفي ـ وفيه كثير من التحديات ـ لا يمكن تجاهله، وفي الوقت نفسه، ملاحقة الجديد واستدماجه في المشروع؛ يحتاج لزمن آخر/ لعمر آخر، والزمن/ العمر محدود؛ مهما طال. 

أيضا، اصطدمت بهذه الفكرة (حصار الزمن) مع المفكر المصري الراحل/ عبد الوهاب المسيري، فهو يُلحّ عليها في أكثر من مناسبة، وخاصة في كتابه ("رحلتي الفكرية"، في البذور والجذور والثمر،  سيرة غير ذاتية غير موضوعية)، إذ يشكو مرارا من حصار الزمن بشكل مباشر أو غير مباشر، على الرغم من كونه يؤكد أنه استطاع ترويض "الذئب الهيجلي"، الذي كان من الممكن أن يقف حجر عثرة في طريق تنفيذه لمشروعه المعرفي. ويقصد بـ"الذئب الهيجلي"/ النهم المعرفي/ القرائي الذي يحاول أن يحيط ـ موسوعيا ـ بشتى حقول المعرفة والآداب والفنون. 

المسيري، ومع أنه استطاع تحديد وتقنين مساره المعرفي، قراءة/ اطلاعا، وكتابة/ تأليفا، إلا أنه اضطرّ في النهاية، وداخل هذا المسار المُحدّد/ المُقنّن، إلى التحديد أكثر، وإلى تجاوز كثير من مواطن الإشكال، خاصة فيما يتعلق ويتعانق مع الإشكاليات التراثية ذات العلاقة الوثيقة بالإشكاليات المعاصرة التي تصدى لها المسيري، وكانت من مجالات اهتمامه. ومن هنا، يُلاحِظ أيُّ باحث/ قارئ قصورَ الرؤية المسيرية في تصوراتها عن التراث العربي/ الإسلامي، كما عن التاريخ العربي الإسلامي، بل لقد كان هذا التراث/ هذا التاريخ يبدو وكأنه غريب/ غائب أو مُغيّب في المقاربات التي تتماس معه في مجمل الإنتاج الضخم للمسيري ـ رحمه الله ـ.

لا ريب أن هذه الشكوى المعلنة من كون المعارف والكتب المُنتقاة/الجديرة بالقراءة، غير متناهية/ غير محدودة؛ فيما الدقائق والساعات والأيام/ حدود الزمن، محدودة، كانت شكوى مُعْتادة، حتى عند أسلافنا الذين لم يُعَاصروا هذا الانفتاح المعرفي (الطباعي فيما قبل عصر الإنترنت، والانفجار المعرفي في عصر الإنترنت). فقد كان الفيلسوف العربي الشهير/ ابن رشد يشكو عدم اتساع الأوقات، لمعظم ما يتوق إليه في مجال الاشتغال المعرفي. وكثيرا ما كان يُشير إلى مشاريعه المعرفية المستقبلية بقوله: إن حصل فراغ في الأوقات وأنسأ الله في الأجل. يقول هذا؛ مع أنه كان يقرأ ويؤلف على كل أحواله، وهو الذي نقل عنه بعض مؤرخي سيرته أنه لم يترك القراءة/ الاطلاع طوال حياته إلا يومين: يوم بِنَائه بأهله (ليلة زواجه)، وليلة احتضار أبيه. وكثيرا ما كان يشكو ـ بألم مُمِضّ ـ كيف أن مهمته القضائية الرسمية تنهش من أوقاته التي كان يتطلع لصرفها كاملة في المجال الذي يجد نفسه فيه: المجال المعرفي.

ما لم يُعَايشه حسن حنفي، ولا عبدالوهاب المسيري، فضلا عن ابن رشد، تمام المعايشة، من انفجار معرفي هائل، لا تتضخم فيه المنتجات القرائية ـ الجديرة بأن تحظى بالاطلاع والمُدَارَسة والاشتباك المعرفي ـ أضعافا مضاعفة في أقل من سنة فحسب، وإنما أيضا، تتضخم وتتعدّد وتتنوع وسائط المعرفية، فتصبح عشرات الألوف من الندوات والمحاضرات والدروس والبرامج الحوارية المتخصصة والأفلام الوثائقية متاحة بضغطة زر على جهاز الهاتف أو الحاسب. 

لو أنك انتقيت ـ بأعلى وأدق درجات الانتقاء والتحديد ـ؛ لخرجت من كل هذا بألوف المواد، من كتب ودوريات ومنشورات، ومواد مسجلة؛ مرئية ومسموعة، كلها تقع في صلب اهتماماتك؛ فكيف ـ والحال كذلك ـ تُدِيرُ معركتك مع الزمن؛ خاصة وأن هذه المنتجات المعرفية تتضخم مع كل يوم يمر عليك ؟ 

لديّ مكتبة تضم أكثر من 7000 كتاب ورقي، غير الدوريات والمذكرات المستخلصة؛ لم أكمل إلا قراءة النصف منها ـ أو أقلّ ـ بعد أكثر من ثلاثين سنة قراءة. ومؤخرا؛ في جِهَازَيْ كمبيوتر مَحْمولين حوالي 5000 كتاب إلكتروني مُنْتقاة، لم أكمل قراءة أكثر من 500 منها. وفي الوقت نفسه، الكتب والدوريات الرائعة الجديرة بالقراءة تصدر تباعا، ومهما حدّدت وقنّنت واختصرت وتشدّدت في الانتقاء؛ ستضيف أكثر من 100 كتاب في كل عام، فضلا عن كون آلاف المحاضرات والندوات والحوارات على موقع "اليوتيوب" تنتظر دورها في المشاهدة والسماع؛ فكيف أفعل في معركتي مع الزمن ؟

أعرف أن كثيرين سيقولون: لا حل إلا بمزيد من الانتقاء والفرز وترتيب سُلّم الأولويات. أعرف أن هذا هو الحل؛ هو الحل الوحيد الممكن، ولكنه الحل المؤلم غاية الألم، خاصة فيما يتعلق بالكتاب الورقي تحديدا. ولكن، لماذا الكتاب الورقي تحديدا ؟. 

الكتاب الورقي ليس كائنا عابرا يمرّ مرور الطيف في لحظة خاطفة حالمة، لم أحصل عليه بحركة إصبع في لحظة استرخاء أمام جهاز الكمبيوتر في غرفتي المكيّفة. الكتاب الورقي لم يَحتل مكانه على الرف أمامي إلا بعد رحلة عناء وشقاء في الغالب، بعد اقتطاع ثمنه من دخل محدود لا يفي إلا بالضروري، بعد اللقاء المسبوق برحلة الأشواق، بعد أن امتدت يدي إليه لتصافحه وكأنها تقول له في صمت المُتَرهّب: أحبّك؛ فتكون هذه الكلمة العاشقة الصامتة بمثابة "لحظةِ ميثاق غليظ"؛ أخذته بها إلى حَرَمِي المُقدّس الخاص. 

كيف أفعل، وأنا أراه أمامي في المكتبة يُطَالعني في كل وقت بنظرة عتاب صامت، وينتظر دَوْره في الاحتفاء به منذ سنوات، بعد أن كانت معاناتي وإياه في محطات السفر المتواصلة، في اليُسْر والعسر، أشبه بالعهد الضمني الوثيق بأن لا أخذله بإهمال ولا جفاء؛ مهما طال الأمد؛ ومهما اشتدّ زحام الكتب العاشقة المُوَلّهة المُخَتالة على امتداد بصري؟ كيف يمكن أن أقول له ـ بكل بساطة؛ كخيانة لا مُبَالية ـ: صحيح أني اصطفيتك من بين المئات، وأحيانا من بين الألوف، ولكن، اعذرني، لا وقت لديّ لك، لن يسمح لي الزمن مع بلقاء خاص، غيرُك أولى بي منك، لن تظفر من عَيْنيّ العاشقتين ولو بنظرة عابرة...إلخ، كيف أجرؤ على ممارسة كل هذه الفجاجة في الغدر بِمَن كان لي عِشْقا ذات يوم، بل بمن هو لا يزال عِشْقاً، ولكنّ قَهْر الزمن يُجْبرني على التضحية به؛ لأنجو بنفسي؛ وما هو بِنَاجٍ مَن يغدر بأوفى الأحباب!             
 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!