Bookseller Dieter Dausien is seen in his bookshop, as the spread of the coronavirus disease (COVID-19) continues in Hanau,…
الكتاب الورقي لم يَحتل مكانه على الرف أمامي إلا بعد رحلة عناء

يبدأ الإنسان حياته وافرَ الهِمّة فيما هو بِصَدَدِه؛ من أعمال، أو هوايات، أو نماذج حياتية يُريد تجربتها، أو حتى أحلام يريد تمثّلها على مستوى ما من مستويات التمثّل/ التحقّق المشروط بظرفه الخاص.

يبدو المستقبل ـ خاصة في البدايات التي تستيقظ في مهاد الحلم قبل الواقع ـ وكأنه أفقٌ لانهائي، وكأنه أفق قابل للتمدّد بلا حدود، وكأن الإرادة الذاتية حينئذٍ قادرة بالمطلق، لا على مُلاءَمة الأقدارِ وتوظيفها في حدودها القصوى فحسب، وإنما أيضا، وبثِقةٍ شبه عمياء، على مُعَاندة الأقدار، حتى يصل غرور هذه الإرادة إلى توهّم إمكانية استبدال أقدار الذات بأقدار أخرى، تتصاعد وَتِيرةُ تحدّياتها من حدود الممكن لتدخل في نطاق المستحيل.

قبل خمسة وعشرين عاما، وعندما كنتُ لِلتّو قد أنهيتُ دراستي الجامعية في كلية اللغة العربية، تخيّلت أن الزمن (الذي كان فضاؤه يضيق عليّ من قبل فيما يتعلق بمسار الممكن/ المتاح القرائي)، قد اتسع فجأة، قد انفتحت حدوده المُؤطّرة، وأن لا شيء يحدّه بعد الآن. 

لم يكن الزمن في حدوده الفيزيائية/ ساعاته المحدودة هو ـ وحده ـ  المشكلة قبل التخرّج، بل كانت الإمكانيات المادية التي أستطيع بها توفير ما تشتهي النفس من المقروء/ الكتب هي زاوية التحدي الحادة. أما وقد تخرّجت، والوظائف كانت متاحة، فقد بدا أن المشكلة المادية قد حُلّت، وأني سأستطيع شراء ما أشتهي من كتب ودوريات كانت أسماؤها تتردّد في خافقي، ولن تَبقى إلا إشكالية الزمن المتاح، وقد بدا الزمن ـ آنذاك ـ رصيدا مفتوحا على المستقبل، وكأنه هناك مَن يهتف في رَوْعي: لا داعي للقلق على المستقبل لشاب لا يزال يضع خطواته الأولى الحائرة على عتبة الحياة.         

تصوّرت أن كل المعارف التي تروق لي، وكل الفنون التي طالما ظمئت لها نفسي؛ ستكون متاحة لي، وبلا عوائق أو حتى تحدّيات تستحق الاهتمام. قرأت قبل دخول الجامعة مئات الكتب، وكانت في أغلبيتها تراثية/ تاريخية/ أدبية، وقرأت إبان الدراسة الجامعية المئات أيضا، كل هذا وأنا مهموم بدراستي، ومحاصر بالإلزامي القسري منها، والضرورات المصاحبة لها من حضور وامتحانات.

وكانت الأغلبية الساحقة من تلك الكتب إعارات من المكتبات العامة ومن مكتبة الجامعة. فكيف سيكون الحال ـ هكذا تصوّرت آنذاك ! ـ وقد تحرّرت من أغلال الدراسة الإلزامية من جهة، وأصبح بإمكاني اقتناء ما أريد من كتب قد لا تكون متاحة من قبل، بل قد تكون هي "البعيد المأمول"/ "الممنوع المرغوب" على مدى سنوات؛ مما هو غير متاح أو غير مسموح به إلا وراء الحدود ؟! 

بمجرد توفّر المادة/ المال في يدي، انخرطت في مسار اقتناءٍ يرسم حدوده مستوى القدرة المادية، من غير أن تشترطه حُدودُ الزمن المتاح. بدأت السياحة في أروقة المكتبات التجارية في الداخل والخارج، تصاعدت وتيرة مطاردة معارض الكتب، انفتحت أبواب الفرح المُنْتشي بالغريب والنادر والمُحرّم/ الممنوع. وتكون النتيجة تراكما لأساطير الأولين والآخرين، تراكما محموما بما يشبه الجنون؛ لا يتحوّب من إثم الإسراف؛ إلا ريثما يعود حيّاً من جديد.  

كان من أوائل الكتب التي اقتنيتها بعد التخرج مباشرة، كتبَ المفكر المصري القدير/ حسن حنفي. لم تكن كتبه متاحة، لا في المكتبات العامة، ولا في مكتبة الجامعة، بل ولا في المكتبات التجارية في منطقتي المحافظة. ولهذا، وبمجرد تحقق قليل من الوفرة المادية النسبية التي تُحقّقها وظيفة متواضعة/ معيد في كلية، سارعت إلى اقتنائها من بعيد، وزادني شغفا بها أنها كانت ذات طابع موسوعي وشمولي، تبدأ من أغوار التراث ودهاليز الماضي، وصولا إلى المعاصرة في أحدث تجلياتها وتحدياتها المعرفية، التي كان حنفي ـ وبشيء غير قليل من الغرور ـ يزعم الهيمنة عليها، بل والقدرة على ممارسة الأسْتَذَة المتعالية، لا فيها؛ ـ فَهْمَاً وتَفْهِيماً ـ، بل عليها؛ ـ نقدا وتفنيدا ـ. 

بمجرد اقتنائي للمؤلفات الحنفية/ مؤلفات حسن حنفي، بدأت بقراءتها بالقلم والمسطرة؛ كما يُقال. ما يهمني هنا، أنني عندما قرأت كتابه (مقدمة في علم الاستغراب)، لفت انتباهي إلحاحُ فكرة "حصار الزمن" عليه، وهو يستعرض مشروعه الفكري؛ سواء ما انتهى منه، أو ما كان في طور الإنجاز؛ وفق خارطة بحثية واضحة المعالم. كنت أظنها فكرةً طارئةً في ذلك الكتاب لظرف خاصة به، أو بهذا الكتاب.

لكن، بعد قراءة بقية مؤلفاته، لاحظت أن هذه الفكرة ( حصار الزمن) تكاد تكون "وسواسا قهريا" يدفعه لبعض الاضطراب؛ مثلما يدفعه لمسابقة الزمن في تحقيق الممكن من الإنجاز المعرفي الذي يرى أنه مسؤول عنه بالأصالة؛ بوصفه مفكرا تقدّميا يضع نفسه في صيرورة تاريخية تتجاوز حدود الذات، بل وتتجاوز حدود الموضوعي الراهن، إلى حيث المستقبل الذي يجد حيويته ـ بقدر ما يجد مشروعيته ـ في التراث/ في التاريخ.

مسألة "حصار الزمن" التي استفزّني حنفي بإلحاحه المُتكرّر عليها (وقد صدر له لاحقا كتابٌ بهذا العنوان "حصار الزمن")، لم تكن مفهومة لشاب في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين. كنت أظن أن باستطاعة الإنسان أن يقرأ كل ما يُريد (طبعا، كل ما يُريد في حدود الانتقاء الخاص)، وليس من الصعب أن يكتب كل ما يريد أيضا. فرق بين "معرفة" أن الزمن محدود/ العمر محدود/ الطاقات البشرية محدودة، وبين "استيعاب" هذه الحقيقة وترسّخها في آماد التصورات التي يتفاعل فيها العقلي مع الوجداني في مسار الواقع. 

كان حنفي آنذاك (قبل خمسة وعشرين عاما) قد جاوز الستين (حنفي من مواليد 1935)، وكان قد أنجز الـ"كثيرَ"، ولكن ـ وفق مُخَطّطه المعرفي ـ كان قد بقي له الـ"الكثيرُ" أيضا. ومن حيث هو في أتون المعركة البحثية/ المعرفية، فقد كان يستطيع قياس الوقت والجهد المطلوبين لإنجاز ما تبقى من المشروع المرسوم؛ قياسا بالوقت والجهد المبذولين في إنجاز ما تحقق فعلا. وبالتجربة، كانت الحسرة تأكل المتبقي من آماله؛ لأنه يشعر بالزمن/ الوقت المتاح يُحاصِره بقسوةٍ آليّةٍ مُحَايدةٍ لا تعرف الرحمة، إذ ليس في استطاعته ـ مهما حاول ـ أن يزيد في الساعة دقيقة واحدة، فضلا عن أن يزيد في اليوم ساعة واحدة. وهو في كل ذلك، ومع تمدّد واتساع مشروعه المعرفي، كانت آفاق المعرفة تتسع باستمرار. فالجديد المعرفي ـ وفيه كثير من التحديات ـ لا يمكن تجاهله، وفي الوقت نفسه، ملاحقة الجديد واستدماجه في المشروع؛ يحتاج لزمن آخر/ لعمر آخر، والزمن/ العمر محدود؛ مهما طال. 

أيضا، اصطدمت بهذه الفكرة (حصار الزمن) مع المفكر المصري الراحل/ عبد الوهاب المسيري، فهو يُلحّ عليها في أكثر من مناسبة، وخاصة في كتابه ("رحلتي الفكرية"، في البذور والجذور والثمر،  سيرة غير ذاتية غير موضوعية)، إذ يشكو مرارا من حصار الزمن بشكل مباشر أو غير مباشر، على الرغم من كونه يؤكد أنه استطاع ترويض "الذئب الهيجلي"، الذي كان من الممكن أن يقف حجر عثرة في طريق تنفيذه لمشروعه المعرفي. ويقصد بـ"الذئب الهيجلي"/ النهم المعرفي/ القرائي الذي يحاول أن يحيط ـ موسوعيا ـ بشتى حقول المعرفة والآداب والفنون. 

المسيري، ومع أنه استطاع تحديد وتقنين مساره المعرفي، قراءة/ اطلاعا، وكتابة/ تأليفا، إلا أنه اضطرّ في النهاية، وداخل هذا المسار المُحدّد/ المُقنّن، إلى التحديد أكثر، وإلى تجاوز كثير من مواطن الإشكال، خاصة فيما يتعلق ويتعانق مع الإشكاليات التراثية ذات العلاقة الوثيقة بالإشكاليات المعاصرة التي تصدى لها المسيري، وكانت من مجالات اهتمامه. ومن هنا، يُلاحِظ أيُّ باحث/ قارئ قصورَ الرؤية المسيرية في تصوراتها عن التراث العربي/ الإسلامي، كما عن التاريخ العربي الإسلامي، بل لقد كان هذا التراث/ هذا التاريخ يبدو وكأنه غريب/ غائب أو مُغيّب في المقاربات التي تتماس معه في مجمل الإنتاج الضخم للمسيري ـ رحمه الله ـ.

لا ريب أن هذه الشكوى المعلنة من كون المعارف والكتب المُنتقاة/الجديرة بالقراءة، غير متناهية/ غير محدودة؛ فيما الدقائق والساعات والأيام/ حدود الزمن، محدودة، كانت شكوى مُعْتادة، حتى عند أسلافنا الذين لم يُعَاصروا هذا الانفتاح المعرفي (الطباعي فيما قبل عصر الإنترنت، والانفجار المعرفي في عصر الإنترنت). فقد كان الفيلسوف العربي الشهير/ ابن رشد يشكو عدم اتساع الأوقات، لمعظم ما يتوق إليه في مجال الاشتغال المعرفي. وكثيرا ما كان يُشير إلى مشاريعه المعرفية المستقبلية بقوله: إن حصل فراغ في الأوقات وأنسأ الله في الأجل. يقول هذا؛ مع أنه كان يقرأ ويؤلف على كل أحواله، وهو الذي نقل عنه بعض مؤرخي سيرته أنه لم يترك القراءة/ الاطلاع طوال حياته إلا يومين: يوم بِنَائه بأهله (ليلة زواجه)، وليلة احتضار أبيه. وكثيرا ما كان يشكو ـ بألم مُمِضّ ـ كيف أن مهمته القضائية الرسمية تنهش من أوقاته التي كان يتطلع لصرفها كاملة في المجال الذي يجد نفسه فيه: المجال المعرفي.

ما لم يُعَايشه حسن حنفي، ولا عبدالوهاب المسيري، فضلا عن ابن رشد، تمام المعايشة، من انفجار معرفي هائل، لا تتضخم فيه المنتجات القرائية ـ الجديرة بأن تحظى بالاطلاع والمُدَارَسة والاشتباك المعرفي ـ أضعافا مضاعفة في أقل من سنة فحسب، وإنما أيضا، تتضخم وتتعدّد وتتنوع وسائط المعرفية، فتصبح عشرات الألوف من الندوات والمحاضرات والدروس والبرامج الحوارية المتخصصة والأفلام الوثائقية متاحة بضغطة زر على جهاز الهاتف أو الحاسب. 

لو أنك انتقيت ـ بأعلى وأدق درجات الانتقاء والتحديد ـ؛ لخرجت من كل هذا بألوف المواد، من كتب ودوريات ومنشورات، ومواد مسجلة؛ مرئية ومسموعة، كلها تقع في صلب اهتماماتك؛ فكيف ـ والحال كذلك ـ تُدِيرُ معركتك مع الزمن؛ خاصة وأن هذه المنتجات المعرفية تتضخم مع كل يوم يمر عليك ؟ 

لديّ مكتبة تضم أكثر من 7000 كتاب ورقي، غير الدوريات والمذكرات المستخلصة؛ لم أكمل إلا قراءة النصف منها ـ أو أقلّ ـ بعد أكثر من ثلاثين سنة قراءة. ومؤخرا؛ في جِهَازَيْ كمبيوتر مَحْمولين حوالي 5000 كتاب إلكتروني مُنْتقاة، لم أكمل قراءة أكثر من 500 منها. وفي الوقت نفسه، الكتب والدوريات الرائعة الجديرة بالقراءة تصدر تباعا، ومهما حدّدت وقنّنت واختصرت وتشدّدت في الانتقاء؛ ستضيف أكثر من 100 كتاب في كل عام، فضلا عن كون آلاف المحاضرات والندوات والحوارات على موقع "اليوتيوب" تنتظر دورها في المشاهدة والسماع؛ فكيف أفعل في معركتي مع الزمن ؟

أعرف أن كثيرين سيقولون: لا حل إلا بمزيد من الانتقاء والفرز وترتيب سُلّم الأولويات. أعرف أن هذا هو الحل؛ هو الحل الوحيد الممكن، ولكنه الحل المؤلم غاية الألم، خاصة فيما يتعلق بالكتاب الورقي تحديدا. ولكن، لماذا الكتاب الورقي تحديدا ؟. 

الكتاب الورقي ليس كائنا عابرا يمرّ مرور الطيف في لحظة خاطفة حالمة، لم أحصل عليه بحركة إصبع في لحظة استرخاء أمام جهاز الكمبيوتر في غرفتي المكيّفة. الكتاب الورقي لم يَحتل مكانه على الرف أمامي إلا بعد رحلة عناء وشقاء في الغالب، بعد اقتطاع ثمنه من دخل محدود لا يفي إلا بالضروري، بعد اللقاء المسبوق برحلة الأشواق، بعد أن امتدت يدي إليه لتصافحه وكأنها تقول له في صمت المُتَرهّب: أحبّك؛ فتكون هذه الكلمة العاشقة الصامتة بمثابة "لحظةِ ميثاق غليظ"؛ أخذته بها إلى حَرَمِي المُقدّس الخاص. 

كيف أفعل، وأنا أراه أمامي في المكتبة يُطَالعني في كل وقت بنظرة عتاب صامت، وينتظر دَوْره في الاحتفاء به منذ سنوات، بعد أن كانت معاناتي وإياه في محطات السفر المتواصلة، في اليُسْر والعسر، أشبه بالعهد الضمني الوثيق بأن لا أخذله بإهمال ولا جفاء؛ مهما طال الأمد؛ ومهما اشتدّ زحام الكتب العاشقة المُوَلّهة المُخَتالة على امتداد بصري؟ كيف يمكن أن أقول له ـ بكل بساطة؛ كخيانة لا مُبَالية ـ: صحيح أني اصطفيتك من بين المئات، وأحيانا من بين الألوف، ولكن، اعذرني، لا وقت لديّ لك، لن يسمح لي الزمن مع بلقاء خاص، غيرُك أولى بي منك، لن تظفر من عَيْنيّ العاشقتين ولو بنظرة عابرة...إلخ، كيف أجرؤ على ممارسة كل هذه الفجاجة في الغدر بِمَن كان لي عِشْقا ذات يوم، بل بمن هو لا يزال عِشْقاً، ولكنّ قَهْر الزمن يُجْبرني على التضحية به؛ لأنجو بنفسي؛ وما هو بِنَاجٍ مَن يغدر بأوفى الأحباب!             
 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.