بشار الأسد- سوريا
"بعد كل ذلك، تبدو معارضة نظام الأسد مجرد خلاف عائلي، لا أكثر"

قُطبا المعارضة السورية الرئيسيان، هيئة التنسيق الوطنية والائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة، وبالرُغم من قطعية معارضتهما المُطلقة لنظام الحُكم في البلاد، إلا أنهما لم يتأتيا على أي ذكر لحزب البعث في وثيقتيهما التأسيسيتين. فالوثائق التأسيسية للتنظيمين، مثل باقي أدبيات وخطاب وطرائق تفكيرهما اللاحقة، تخلو من كل نقدٍ معرفي وانشغال فكري واتهام سياسي لهذا الحزب، الذي يحكم سوريا منذ أكثر من نصف قرن، وطبعاً دون أي توعد بإجراءات قانونية وسياسية ورمزية يمكن اتخاذها مستقبلاً بحقه. 

خلو وثائق ورؤية وخطاب تنظيمي المعارضة السورية الرئيسيين من أي مضامين مناهضة لحزب البعث القومي المتطرف الحاكم، يشكل نزعة سياسية جوهرية وكثيفة الحضور في ديناميكيات تفكير وعمل المعارضة السورية بعمومها، سواء الراهنة منها، مثل التنظيمين سالفي الذكر، أو الأحزاب والقوى الأكثر تقليدية، من أحزاب وتنظيمات وحتى شخصيات سياسية.

شكلت البنود الخمسة التي تضمنتها "وثيقة الهوية السورية" التي أصدرها "المجلس الإسلامي السوري" أدق تعبير عن ذلك. فالمجلس الذي يدعي تمثيله لأكثر رؤى الإسلامي المجتمعي المديني، "الإسلام الشامي"، ورغم معارضته الجذرية للنظام الحاكم، إلا أن بنود وثيقته تلك، كانت مطابقة تامة لأفكار ورؤية حزب البعث. 

تنزاح هذه القوى والشخصيات للقول إن السلطة والقوة الرئيسية للنظام السياسي الحاكم في سوريا كامنة في ثنائية عائلة الأسد والأجهزة الأمنية، وأن حزب البعث العربي الاشتراكي، وإن كان حزباً حاكماً بشكل رسمي، إلا أنه مجرد تنظيم شكلي، لا يملك أي صلاحيات أو سلطة فعلية، خلا كونه واجهة خطابية للنواة الصلبة الحاكمة للبلاد. 

من حيث الشكل، تبدو تلك الرؤية سديدة، لكنها تجهد لإخفاء الكثير من المشتركات التي تجمع هذه التنظيمات بأفكار ونزعات البعث، الإيديولوجية والرؤيوية منها بالذات، وتغفل النظر عن عدد من التفاصيل الحيوية في بنية النظام الحاكم ووشائجه الحميمة مع حزب البعث. تلك العلاقة البنيوية التي لا تعد قوى المعارضة السورية بتأسيس ما قد ينافيها ويناقضها في سوريا المستقبل، سياسياً وإيديولوجياً، على الأقل.

فحزب البعث مثلاً، وإن كان تنظيماً هامشياً، إلا أن مضامين نزعاته الأسطورية، حول الأمة المتسيّدة والرسالة الخالدة والإيمان بالحركات الانقلابية ومناهضة قيم المساواة الإنسانية والحريات السياسية، إنما يؤمن الفضاء العام الملائم لهكذا نوعية من السلطة الشمولية.

فالأسدية ما كان لها أن تكون بكل هذه القدرة على الشمولية والقمع العام والهيمنة المطلقة، لولا عقود طويلة من الخطابية والتربية البعثية، التي فرضها واجتاح بها عن طريق تنظيمات حزب البعث وأفكاره كل أوجه الحياة، المدارس والمؤسسات والجيش والإعلام في سوريا، طوال نصف قرن كامل، بشكل صارت فيه البلاد رحماً موضوعياً لجنين اسمه الشمولية الأسدية. 

تشترك الكثير من قوى المعارضة السورية البعث في نزعاته الإيديولوجية تلك، في أساطيره حول الأمة والعقائد المطلقة والروح الانقلابية العسكرية، حول خرافات الأخوة والعائلة السحيقة والأمجاد الغابرة. قوى المعارضة التي تأنس بذلك، لا تعتد بالمضامين الفلسفية والسياسية المناهضة لذلك، بالذات فيما خص قيم الحداثة الإنسانية، من مؤسساتية الحُكم وتعاقدية دستورية، وأرثها المناطق التي حكمتها خلال السنوات العشرة الأخيرة أكبر دليل على ذلك. 

إلى جانب ذلك، فإن هذا الفضاء البعثي كان قد تكون على لحظة تأسيسية، هي الانقلاب البعثي الشهير عام 1963، والذي على أثره اندلعت الصراعات الداخلية التي أغرقت البلاد دماً، على شكل حروب أهلية مقنعة، فاعلوها عسكر وطوائف ومناطقيات وطبقات اجتماعية ومصالح اقتصادية متضاربة.

تلك الحروب التي أفرزت إحداها الأخرى، حتى وصلنا إلى الحرب الأهلية السورية المعلنة طوال العقد الأخير، والتي ما كان لها أن تحدث، لولا الخطاب الإيديولوجي والنزعة الفوقية التي لحزب مثل حزب البعث. حيث أن كل التجارب العالمية التي حضرت وحكمت فيها أحزاب وقوى سياسية مثل البعث، إنما ولّدت نفس المناخات والشروط والأحداث التي مثل الحروب الأهلية السورية تلك. 

تُطابق التنظيمات الأساسية لقوى المعارضة السورية نظام حُكم البعث نزعاته تلك. فالسنوات العشرة الأخيرة أثبتت بأن الخطابية الفوقية حول الديمقراطية والدولة المدنية والحريات العامة، التي نادت بها تلك القوى، إنما كانت مجرد ألبسة براقة لما قد يُمارس من أفعال في ظلالها، حروب أهلية وولاءات لأنظمة إقليمية وطائفية متطرفة وقومية مقنعة، متخمة بالعُنف ومحق المخالفين. فتلك الديناميكية البعثية، التي تلهث دوماً لخلق توافق ما بين خطاب سياسي هوائي بأفعال مناقضة لها تماماً، هي منطق فعل سياسي، أكثر مما تكون نموذجاً وحيداً واستثنائياً خاصاً بالبعث وتجربته. 

 مع هذين الأمرين، فإن حزب البعث لم يكن تنظيماً هامشياً ودون فاعلية. فالبعث كان أداة النظام لاحتواء الملايين السوريين. هؤلاء الذين كانوا يعتبرون البعث وتنظيماته أداتهم وأجهزتهم للوصول إلى السلطة والثراء والمتن العام، وبطريقة ما صاروا يربطون مصائرهم وأشكال حياتهم بتنظيمات حزب البعث وبقائه، حزب البعث الذي صار يؤمن لهم تفوقاً ومكانة متمايزة عن باقي السوريين، وتالياً فإنهم يملكون ولاء وطاعة لهذا الحزب، ويؤمنون للسلطة الحاكمة هيمنة على المجتمع السوري.

هذه الطبقة الواسعة، المؤلفة من ملايين السوريين البعثيين، التي تعرف قوى المعارضة السورية جيداً بأنها تنتمي بأغلبيتها إلى طائفة دينية سورية بعينها، هُم "العرب السُنة السوريون"، لا تريد قوى المعارضة أن تخسر علاقتها السرية معهم. بمعنى ما، فإن المعارضة السورية تعتبر هؤلاء الملايين من البعثيين احتياطاً طائفياً مؤمناً لها، سيغيرون ولاءهم في أي لحظة ضعف حقيقية للنظام الأسدي، وتالياً يُستحسن عدم تخويفها وإبعادها. لذا فإنها تعتبر البعثيين السوريين جزء من فضائها وقاعدتها الشعبية.  

فوق كل ذلك، فأن المعارضة السورية، وتحت ظلال منطقها المتهافت ذلك، أنما تتجنب تجريم حزب البعث، وبالذات تجريم ما يقوم عليه هذا الحزب من عنصرية قومية وعنف إيديولوجي وقراءة فاشية للتاريخ والحاضر والمستقبل. تلك المضامين التي تُرجمت كممارسات إجرامية بحق ملايين السوريين، بالذات من الأكراد والسريان والتركمان على الخصوص، ومدت يد العون لأكثر الأنظمة العنصرية فاشية، التي طابقت البعث فظاعاته النظرية والفعلية تلك. لا تقول قوى المعارضة السورية شيئاً عن ذلك، حتى لا يلاحظ أحدٌ ما تفعله هي من سلوكيات مطابقة للعنصرية البعثية.  

في المداولات المطولة، التي جمعت الأحزاب السياسية الكردية السورية بقوى المعارضة السورية، وخلا بعض القبول ببعض الحقوق الكردية "الثقافية" على مضض، ونتيجة أوقات الضعف التي كانت ولا تزال تعيشها قوى المعارضة السورية راهناً، إلا أن شكل تلك المداولات كان بوجهها الأعم تشبه ما خاضه أكراد وسريان وتركمان سوريا لعقود من جدالات مع حزب البعث.      

بعد كل ذلك، تبدو معارضة نظام الأسد مجرد خلاف عائلي، لا أكثر.         

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!