القصة، أي قصة، في الأردن تبدأ بدحرجة كرة ثلج صغيرة، لتتسارع في الدحرجة حدا يجعلها كبيرة ممتلئة بعوالق الطريق الكثيرة وسريعة إلى حد أن وقوفها النهائي سيكون ارتطاما بأول جدار صد، ارتطام لك أن تتخيل عواقبه وتراشق العوالق في كل اتجاه فيه.
آخر القصص في الأردن، أن شخصا يحمل صفة نائب، وهو من مخرجات "انتخابات موسم الكورونا العبثية" سيئة الذكر، ذهب إلى مصنع دوائي أردني ليقتحمه محميا، كما يتوهم بحصانته النيابية، ويبدأ فيه تحقيقا عن أحوال "العاملات" فيه، ثم يتهجم على مديره مطالبا بفتح ملفات المصنع، مطالبا بتعيين "قسري" لأبناء منطقته في وظائف إدارية وغير إدارية في ذات المنشأة الصناعية.
كرة الثلج هنا، هشة وصغيرة لا تتجاوز حجم وعي هذا النائب بدوره، والقصة كلها لا تزال بسيطة يمكن احتواؤها بإجراءات قانونية في مواجهة انتهاكات النائب للقانون ولوظيفته، حيث أن وظيفته "التشريعية والرقابية" حدودها مجلس النواب، ومجاله الحيوي أوسع بكثير في الدولة من "بلطجة الحارات" التي وضع نفسه في حدودها القبلية والعشائرية طلبا لبطولة "فارس القبيلة".
كرة الثلج بالغت في الدحرجة، حتى وصل الأمر بأن يقوم أحد الزملاء الكتاب المعروفين "عربيا" وهو الصديق (الدكتور الأكاديمي الكاتب والباحث وأستاذ العلوم السياسية) حسن البراري، بالكتابة دفاعا عن مشروع "فارس القبيلة" النائب المنتهك لصفته القانونية.
وكان الدفاع الأول إدراجا في وسائل التواصل الاجتماعي انتشر "في فضاء مضارب القبيلة والقبائل الحليفة" وفي إدراجه قام الصديق الدكتور أستاذ العلوم السياسية، والذي اتفقت معه لسنوات طويلة في طروحاته التنويرية "والتقاطاته الذكية حقا" حول مفاهيم الدولة والمواطنة المفقودة في الأردن، بإقصاء كل مفاهيم الدولة والمواطنة وقام بتغليب فكرة "فارس القبيلة" الذي صوره كضحية للأعداء الذين يتربصون للوطن "القبلي" حتى كدت أتخيل إعادة إنتاج دونكشوتية للحكاية الأردنية برمتها.
وقد وصف النائب بأنه "قابض على الوطن" ومرتبط فيه "بخيط عنكبوتي !!" وهو خيط "أشد غموضا من أن يفهمه من وجدوا بالواقعية السياسية أو البراغماتية ذريعة لتبرير العجز وعدم الفعل".
شعرت بالإساءة كثيرا وانا أقرأ مرافعة الدكتور البراري عن قريبه النائب (وهما من نفس القبيلة المحترمة)، وكان مما كتبتُ في وسائل التواصل الاجتماعي يومها:
(..الحمية القبلية والانكفاء داخل عباءة "العشيرة" يبدو أنها هي الأقوى في الأردن من أي انتماء فرعي آخر، وكلها في المحصلة انتماءات تقوض مفهوم الدولة في المحصلة "وهي ركام تحت أنقاض في الأردن". قد يكتب المرء ضد الدين ويواجه بجرأة التكفيريين والمجتمع المتدين كله. قد يكتب ضد الحكومة والملك ويواجه بشجاعة أجهزة الأمن والمخابرات. وقد يكتب ضد الله نفسه ولا يخاف من وكلائه المتوهمين والمسلحين بفتاوى الردة وهدر الدم. لكنه "في الأردن" مهما كان يتقن لغات أجنبية ويحمل شهادات عالية سينكفئ نحو عصابيته القبلية والعشائرية).
وحين كتبت ما كتبته فإني كنت أشعر بأسف شديد أن الدكتور الصديق الذي أحارب معه في ذات الخندق من أجل مفاهيم الدولة المؤسساتية والقانون والدستور كتب ما كتب.
وبعد ساعات من تصريحي الإلكتروني، يراسلني الصديق أنه مصدوم مما كتبت وأني تجنيت وهناك ما لا أعرفه عن الموضوع، وبرسائل صوتية منه فهمت أن هناك تبريرا مقنعا سيورده في مقال لاحق.
أخبرته أنى سأحذف المنشور من طرفي "وقد فعلت"، منتظرا مقاله وأني سأكتب مقالي في الحرة عن القصة كلها (وها أنذا أفعل).
القصة ببساطة ( وهي بساطة مكلفة جدا)، تتعلق بنائب لا يفهم معنى الدولة والمؤسسات ولا يدرك ضخامة حجم وظيفته التشريعية والرقابية، والتي تخوله أن يعمل ويسعى لتشريعات قانونية يمكن لها أن تدافع عن "المقهورين" لا من قبيلته وحسب، بل في كل الدولة التي يحمل صفة نائب في برلمانها.
طبعا، في عملية التشريع، الأمر ليس سهلا، أدرك ذلك، وأدرك أن القصة ستتضمن صراعَ مصالح، وهذا طبيعي، لكن كل تلك القوة "القبلية" الدافعة التي أيدت تصرف النائب كبلطجي، كان يمكن أن تشكل جماعة ضغط منهجية لو سعى النائب "افتراضا" للعمل على تشريعات تعالج الخلل الأشمل في الدولة الأردنية.
القصة لا تتعلق بعمال مصنع ولا بالمصنع نفسه، هناك ملف بطالة كامن وعلى وشك الانفجار، وملف رواتب متباينة بين "مرتفع جدا ومنخفض بقسوة" هو بحد ذاته صاعق تفجير نموذجي لملف البطالة الديناميتي في الأردن.
وأمام استحقاقات مزلزلة مثل هذه الملفات الخطيرة، فالأردن أحوج ما يكون للدولة، والحاجة أكبر لمؤسسات دستورية، مثل البرلمان بغرفتيه العليا والدنيا، والبدء فعليا ضمن منهجية وعي للدفع باتجاه اجتراح حلول جذرية على صيغة تشريعات تحمي حقوق الجميع بعيدا عن مهاترات وفذلكات صراع المصطلحات الفضفاضة مثل "النيوليبرالية" و"الرأسمال المتوحش" مع "الحرس القديم" و"البيروقراطية".
لكن القاموس الأردني ماكر ومضلل، فالأردنيون من شرق النهر هم "البيروقراط والحرس القديم"، لأنهم بحكم التقسيم التقليدي بعد أحداث أيلول السبعينية، كانوا أصحاب الحظوة في الوظائف الحكومية والجيش والأمن.
بينما الأردنيون من غرب النهر كانوا نواة تشكيل القطاع الخاص فصاروا مع الدحرجة الزمنية الطويلة يحملون صفة "نيوليبرال" و"رأسمال متوحش".
الورطة في مكر القاموس الاصطلاحي الأردني، تكمن في أثرياء الأردنيين من شرق النهر المنتمين للعشائر الكبيرة، فهؤلاء يصمت "نائب القبيلة" أو "كتابها" أمام تحصينهم القبلي، مع أنهم مثل غيرهم من رجال الأعمال في الأردن، أصحاب مصانع وشركات، تهتم بمعايير الكفاءة الإنتاجية والربح أكثر من معايير العمل الخيري، وأتفق مع شيء مما ذهب إليه الدكتور البراري بأن هناك "عنفا بنيويا" في صراعات القوى داخل الدولة الأردنية، لكن خلافنا حول أطراف الصراع وتحديد هوياتهم.
نعم، بلا شك هناك رأسمال متوحش جدا، هو بحد ذاته أحد مراكز القوى المتنفذة في الأردن، وهو رأسمال لا يمكن تأطيره ضمن هوية "إقليمية" واحدة في زمن مجالس الإدارة متعددة الجنسيات!
هناك رئيس وزراء أردني أسبق، ترأس مجلس إدارة بنك فيه رأسمال خليجي ويحمل هوية دولة خليجية، استقال قبل أسبوع فتولى نسيبه وهو ابن مدير مخابرات أردني أسبق إدارة البنك، وهو نفسه بصلة نسب مع رئيس وزراء أردني أسبق وابن عشيرة كبيرة في الشمال.
هل يمكن اتهام البنك وأصحابه بأنهم "نيوليبرال" مع أن تهمة "النيوليبرالية" بدأت تاريخيا في منتصف التسعينيات مع حكومة رئيس مجلس الإدارة المستقيل حديثا.
تجييش الإعلام في تلك الواقعة ليس صحيحا، كما يدعي المدافعون عن فارس القبيلة "المحصن نيابيا"، وقد وردني من مدافعين عن النائب "بمنطق القبيلة والعشيرة" أن ابنة صاحب المنشأة كانت تعمل في مكتب الملكة (وقد عملت فعلا لفترة وجيزة عام 2005 قبل أن تنضم لمجموعة عائلتها التجارية)، طبعا المقصود هنا فورا ومباشرة إحالة القصة إلى أن الملكة "ذات الأصول الفلسطينية" تتدخل بنفوذها ضد القبائل والعشائر الأردنية وأن العائلة "المدعومة افتراضا من الملكة" قد جيشت الإعلام الأردني لشيطنة النائب وقبيلته، وذكروا تحديدا قناة "رؤيا" المحترمة.
تواصلتُ مع القناة ومعد برنامجها الأشهر "نبض البلد" الزميل والصديق، شرف الدين أبورمان، وهو ابن قبيلة أردنية كبيرة أيضا، فأخبرني أنهم تواصلوا مع النائب لاستضافته، لكنه اعتذر بسبب حالة وفاة عائلية، ولم يتردد الزميل أبورمان بانتقاد سلوك النائب واعتباره انتهاكا للقانون وتهديدا للاستثمار بكل أنواعه.
كما واستأذن الصديق الوزير الأسبق وأستاذ القانون رئيس ديوان التشريع السابق، الدكتور نوفان العجارمة، وهو من أبناء قبيلة النائب "فارس القبيلة" بأن أذكر في مقالي هنا رأيه الصريح والناقد لتصرف النائب واعتباره انتهاكاً صارخاً للقانون من خلال حوار هاتفي بيني وبينه.
فقال لي أنه لا رقابة نيابة على القطاع الخاص إلا من خلال وزير العمل، وأنه كرجل قانون درس القانون 30 عاماً لن يقبل أن يعطي غطاءً شرعيا أو مباركة قانونية لأي تصرف خارج القانون والقنوات الدستورية، وأن هناك أدوات رقابة برلمانية للنائب المذكور يمارس فيها صلاحياته الرقابية والتشريعية.
على الهامش لكن أيضا على ضفاف السياق كله، في هاتف اعتيادي أسبوعي روتيني بيني وبين الصديق الكاتب "الأردني" في القدس العربي، سامح المحاريق، تحدثنا فيه عن "داحس المصنع وغبرائه"، تفرعت شجون الحديث إلى القبيلة والعشيرة والدولة والمواطنة، ليخبرني صديقي الأستاذ المحاريق عن نجله "عنان" الذي كان قبل عامين يختار فريق المنتخب الأردني دون سواه في الألعاب الإلكترونية من منطلق انحياز وطني للأردن.
وبعد عامين اختلط فيهما عنان مع أقرانه في المدرسة، اصطدم بواقع "الضفتين" و"المواطنة على درجات" فصارت لديه ردة فعل بصيغة خيبة أمل جعلته يتعلق حصرا بأدبيات اللجوء الفلسطيني وأناشيد الأعراس في مخيمات اللجوء الفلسطيني.
يخبرني سامح بوجع حقيقي، وهو ممن يقاتلون بصدق لترسيخ مفهوم المواطنة والدولة، بأنه يتخيل منذ اليوم صدمة ابنه عنان، المحب للطائرات، لو أراد ان يلتحق بسلاح الجو الأردني مثلا، وكيف سيواجه إخفاقات وخيبات أمل أمام رغبته "رغم أنه مواطن كامل الأهلية حسب الأوراق"، لأن حظ جده كان الولادة غرب النهر لا شرقه!!
في المحصلة، تلك هي حربنا، تلك هي اشتباكاتنا الحقيقية كمثقفين، حسب تعريف غرامشي، حرب من أجل وطن بصيغة دولة مؤسسات وقانون ودستور كل عناصره قائمة على الوعي، وليس وطنا ترابيا يقفز فيه مسوخ دونكشوتية فوق القانون بشعبوية فارغة لا معنى لها إلا الفراغ.

