كان أداء ترامب مزيجا من السياسة الجادة المبنية على الرؤية المحافظة المتشائمة في واقعيتها
كان أداء ترامب مزيجا من السياسة الجادة المبنية على الرؤية المحافظة المتشائمة في واقعيتها

ربما أن معيار الانفصام الثقافي الذي تشهده الولايات المتحدة، وعدواه تنتشر كالجائحة في أرجاء العالم، هو الموقف من شخص دونالد ترامب.

ثمة من يعتبر أن الرجل هو في الأصل ظاهرة انتهازية، وأن نجاحه في التسلق إلى موقع الرئاسة كان لتضافر عوامل عرضية، ولا سيما منها الوهن وسوء التقدير في الحملة الانتخابية المنافسة، وأن أداءه كرئيس كان كارثيا، وأنه ضاعف بالتالي من مصائب الولايات المتحدة في الداخل وفرط بموقعها وسمعتها وهيبتها ومصالحها في الخارج، وأن التخلص منه، رغم تعنته وصولا إلى المسعى الانقلابي للبقاء في السلطة، هو الدليل على نضوج النظام السياسي الأعرق في العالم.

في المقابل، فإنه ثمة من يعتبر أن ترامب، وإن شابت أسلوبه الشوائب، جاء بمثابة التحدي الموضوعي الصارم لمنظومة سياسية نخبوية أخضعت الولايات المتحدة لعولمة تتعارض مع صالح مواطنيها، وأن خطواته التصحيحية كادت أن تحقق الموعود رغم إلحاح الأعداء والخصوم على محاولات الإفشال، سوى أن الجائحة عرقلتها، قبل أن تعمد النخبة المتضررة إلى الاستفادة من الارتباك لإعادة الإمساك بالحكم.

العرضي هو بالتالي منع الرئيس من عهدة ثانية استحقها، غير أن الفطن لا يلدغ من جحر مرتين، والعودة إلى ما جرى اعتراضه من مسار تصحيح متحققة لا محالة، وأول الغيث الانتخابات النصفية بعد أقل من عامين.

ليت الخلاف السياسي في الولايات المتحدة يتوقف عند الحد المذكور أعلاه. بل هذه وتلك هما الصيغتان المهذبتان له. أما أخواتهما الوقحة، فتنغمس بمؤامرات الأيادي الخفية وعبادة الشيطان وشرب الدماء والاعتداء على الأطفال، ولا حاجة للخوض فيها.

ما شهدته الولايات المتحدة في الأعوام الخمسة الماضية، أي في رئاسة دونالد ترامب والسنة الانتخابية التي سبقتها، هو زلزال صدع قشور الاستقرار وأعاد إطلاق العنان لحروب الثقافة، والتي لجمها الخوف المشترك من الإرهاب إلى حين، وكشف افتقاد الخطاب السياسي في البلاد القدرة على مواجهة الشعبوية التعبوية وما يصاحبها من بذاءة لفظية، كادت أن تكون العلامة الفارقة لهذا الرئيس، وبما تضاعفه من جذب ودفع في الاستقطاب.

في مواضيع الشرق الأوسط، كما في غيرها، كان أداء ترامب مزيجا من السياسة الجادة المبنية على الرؤية المحافظة المتشائمة في واقعيتها والتي سعى العديد من الجمهوريين إلى إقناعه بها، ومن الاعتبارات الآنية الدائرة حول تحقيق الرجل لمصلحته الذاتية، سواء المباشرة بالشكل المبهم، أو غير المباشرة للأصدقاء والشركاء بشكل أكثر جسارة، مع الاحتفاظ بإمكانية توظيف الفعل خطابيا وتعبويا.

يختلف ترامب عن غيره من الرؤساء وسائر السياسيين هنا بالكم وحسب، حيث أن كل فعل سياسي ينضوي على مصلحة ذاتية لمن يقدم عليه. ومن وجهة نظر المتلقي، فإنه لا عزاء مثلا، بأن تكون "هفوات" باراك أوباما قد جاءت عن "عمق تفكير" و"حسن نية"، مع العلم بأن أصول السلوك السياسي لباراك أوباما، رغم طلاقته الخطابية، لا تبتعد عن تلك التي انتهجها ترامب ضمنا، ابتداءا من الغرور الرافض للإنصات لآراء الخبراء، مرورا بالإصرار على قناعات شعاراتية وإن تعارضت مع الوقائع، وصولا إلى شخصنة العلاقات الخارجية. بل أن حساب الضرر، والألغام، التي خلفها دونالد ترامب، لا يكون إلا بالبناء على تلك التي تركها الرئيس السابق له.

ولكن، دون الحاجة إلى مراجعة تاريخية عميقة لنقد شامل لسياسة الولايات المتحدة، يمكن الانتباه إلى ثلاثة ملفات كان لترامب دور في تأزيمها بعد انتهاء ولايته.
 
الملف الأول هو الملف الإيراني. لا شك أن باراك أوباما كان قد خاض هذا الملف انطلاقا من قناعات مسبقة، تعتبر أن استعداء إيران خطأ لا بد من تصحيحه. بل إن أوباما أقحم نفسه، وهو الحائز على جائزة نوبل للسلام، بحاجة التوصل إلى اتفاق بأي ثمن، وبالاعتماد على حسن النوايا التي قد ينشئها هذا الاتفاق لدى الجانب الإيراني.

الحصيلة كانت اتفاقا هزيلا يتوافق مع المطالب الإيرانية، ولكنه لا يلزم إيران إلا بالقليل. ما كان على طهران إلا التقيد بنص الاتفاق، وهكذا فعلت، ليكون الإنجاز لها، فيما يستطيع أوباما أن يتفاخر وحسب بأنه حصل على اتفاق، وإن كان المضمون متعارض مع مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها.

وعمدت إدارة ترامب بالتالي إلى الخروج من هذا الاتفاق، وهو للتأكيد، من وجهة نظر أميركية، اتفاق بين إدارة أوباما والجمهورية الإسلامية، وليس اتفاقية صادقت عليها السلطة التشريعية في الولايات المتحدة لتصبح قانونا ملزما، ولا يبدل ذلك أن تكون إدارة أوباما قد ناورت لربط الاتفاق بقرار لمجلس الأمن الدولي.

أن تعمد إدارة ترامب إلى فرض عقوبات قصوى على إيران، هو حق سيادي للولايات المتحدة له ما يفسره ويبرره من وجهة نظر تحقيق المصلحة الوطنية والاستقرار العالمي.
 
والخطأ الذي ارتكبته إدارة ترامب هنا، بل الذي ارتكبه ترامب شخصيا هو توظيفه هذا الانسحاب ضمن معركته الجانبية الخرافية مع الحلفاء الأوروبيين، في استعدائه الصبياني لهم، واتهامهم بأنهم يستغلون الولايات المتحدة,

فبدلا من السعي الجدي لاستمالتهم إلى منطق تصحيح الاتفاق، جعلت منهم مواقف ترامب العدوانية طرفا واحدا مع إيران (والصين وروسيا) إزاء الخطوات الأحادية للولايات المتحدة.

وبدلا من أن تجتهد إدارة ترامب بالتواصل مع الديمقراطيين في الداخل الأميركي للتأسيس لقناعة وطنية مشتركة حول الحاجة إلى تصحيح المسار التفاوضي مع إيران، أمعن ترامب، بما ينسجم مع شغفه بالطعن والاتهام والسباب، بقذف أوباما وكافة الديمقراطيين باتهامات الخيانة والتواطؤ، بما أضاع الفرصة أو كاد أن يضيعها لمتابعة نهج التصحيح بعد انتهاء عهده.

بل الرجل، بعد أن قوض طاقمه في نهاية رئاسته ليقتصر على الأتباع الخاضعين، حاول أن يضع العراقيل أمام الإدارة الجديدة، في تعيينات مربكة وقرارات إشكالية.
 
لا تبدو توجهات إدارة بايدن إزاء إيران محسومة بالشكل الكامل. الشخصيات المولجة بالملف قد توحي بأنه ثمة عودة إلى موقف أوباما، غير أن المواقف الصادرة عن فريق العمل وعن الرئيس بايدن نفسه تفيد بأن المقاربة لن تكون مطابقة لتفريط أوباما وقد تتمكن من الاستفادة من بعض منحى إدارة ترامب، رغما عن ترامب.

وكما في الملف الإيراني، كذلك في الملف الفلسطيني الإسرائيلي. الحاجة إلى تحريك هذا الملف كانت قائمة، ولا سيما بعد سوء إدارته من جانب باراك أوباما وطاقمه. غير أن خطوات التحريك، وإن كانت منطقية من وجهة نظر أميركية، بما فيها مساءلة المسلمات والتسليم بالوقائع، جاءت تطبيقيا مفعمة بأخلاقيات ترامب، الطاعنة بالفلسطينيين والمهينة لهم والساعية علنا إلى إقصائهم، والمتصرفة بحقوقهم وكأنها منة ارتأى صاحب العز والجاه، سلطان البحر وخاقان البر دونالد ترامب دام ظله الوفير، منحها للإسرائيليين بدلا منهم.

ثمة فارق بين الإقرار بالحق السيادي لإسرائيل بأن تختار عاصمتها على أراض لا خلاف بشأن سلطتها عليها، أي أورشليم (القدس الغربية)، وبين تقديم "القدس الموحدة"، بما فيها القدس (الشرقية) الفلسطينية المحتلة، لإسرائيل كـ "عاصمة أبدية" بقرار عقدة عظمة صادر من واشنطن.

وثمة فارق بين أن تدعو القوة العظمى إلى الواقعية في التعاطي مع حال الأراضي المحتلة، والتي قامت عليها المستوطنات الإسرائيلية منذ أجيال، فتعمل على إيجاد صيغة عملية للتعايش والتكامل، وبين أن يتقدم فريق من الأهوائيين بمهزلة الجسور والأنفاق والأحياء المقطعة الأوصال تحت مسمى "الدولة الفلسطينية"، وأن يصاحب هذا الطرح الفظ بمسعى علني لطمس مقومات القضية الفلسطينية، وبهبة فورية لإسرائيل بأن تضم ما شاءت من الأراضي المحتلة.

من الإسرائيليين من يجد في خطوات ترامب هذه فعل صداقة. بل هي شناعات تضر في نهاية المطاف بإسرائيل بقدر ما تضر بالفلسطينيين.

قد يدرك الفلسطينيون يوما مقدار الاحتواء والتلطيف لهذا التهور من جانب إدارة ترامب في الخطوة التطبيعية التي أقدمت عليها الإمارات.

إسرائيل واقع على المحيط العربي أن يرتقي إلى القبول به، وإن ثابر العقائديون على محاولة التعامي عن حقيقته. وفلسطين، المجتمع بالتأكيد وربما الدولة العتيدة المستقلة إن لم تكن الصيغة المستقبلية جامعة في إطار اتحاد مع إسرائيل، واقع لا ينفيه جهل دونالد ترامب أو وقاحته أو غروره. فريق بايدن يبدو مؤهلا للتعاطي مع الوقائع، قليلها البناء وكثيرها التخريبي، من مخلفات الإدارة السابقة.

لا تتوقف ملفات ترامب الملغومة في الشرق الأوسط على هذين الملفين الرئيسيين، بل تشمل كذلك العراق وسوريا واليمن ولبنان ومصر وليبيا والسودان والمنطقة المغاربية. على أنها كذلك تطال جانبا آخر على قدر خطير من الأهمية في الولايات المتحدة نفسها.

جاليات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة، قبل ترامب، كانت للتو على قدر من الاستقطاب. أعداد المسيحيين في الشرق الأوسط كانت تشهد الانحدار، وهجرتهم إلى الغرب فاقت في نسبتها هجرة المسلمين وغيرهم. المسؤوليات في هذا الشأن عديدة وعلى اختلاف وفق البلدان، على أن القاسم الجامع بين معظمها هو استسهال التضييق على المسيحيين ضمن نظم سياسية وفكرية لم تنتقل إلى منطق المواطنة، بل اختارت أن ترى فيهم ما يبرر إقصاءهم، دينيا أو قوميا، وما يهيئ للانتقاص منهم إنسانيا واقتصاديا.

من لا يدرك مقدار الاضطهاد والتهميش والذي يعاني منه المصريون الأقباط، إما أن يكون جاهلا للحقائق أو متجاهلا لها. من لا يرى كيف جرت تصفية المجتمع المسيحي في العراق، ليمسي شذرات مما كان عليه، وليستمر في معاناة تقليصه إلى اليوم، يبقى بعيدا عن الإنصاف.

من لا يعتبر من توظيف نظام دمشق لخوف المسيحيين لردعهم عن الاصطفاف الوطني، ولدحرجة هذا الاصطفاف إلى الفشل، يتجاهل شقا هاما من المأساة السورية. ومن لا يرى فيما يجري في لبنان، الدولة الوحيدة في المنطقة والتي للوجود المسيحي فيها طابع سيادي، في إخضاع الراغبين بالسلطة منهم لعقد ذمة مع وكلاء ولاية الفقيه، يتجاهل الجانب الأخطر مما تتعرض له الحالة المسيحية في مشرقها الأول.

ولكن، إلى أمس قريب، كانت جاليات المنطقة في الولايات المتحدة تسير باتجاه التأسيس لما منعتها منه ظروف المنطقة البائسة: هويات ذاتية سيدة عزيزة، متباينة حينا متداخلة أحيانا، عربية قبطية مسلمة أشورية لبنانية شيعية فلسطينية يمنية عراقية مارونية درزية وغيرها، وهوية ثقافية جامعة تحاكي بعض أوجه ما كان يتمناه المنفتحون فيها، شرق أوسطية، عربية، ناطقة بالعربية، ضمن هوية وطنية أميركية مطمئنة.

ليس أن حروب الثقافة في الولايات المتحدة قد عفت عن هذه الجاليات. ولكن أصداء هذه الحروب كانت بعيدة نوعا ما. الواقع تبدل مع دونالد ترامب.

هل أن الملامح "الشرق أوسطية" لهذا الرجل البريء من الحداثة بمعانيها القيمية والحقوقية والساعي صراحة إلى التشبه بطغاة المنطقة والعالم قد استهوت البعض إلى حد الإغواء، أم هل أن سبابه وشتائمه قد روت غليل البعض؟ بل قد يقول البعض إنه قد رأى فيه فعلا النصير والموالي، وإنه دون غيره قد وقف دفاعا عن المسيحيين في المنطقة. رغم أنه لم يفعل.

النتيجة هي أن وجوهاً عديدة حاولت زعم تأييد، بعضه متحقق وبعضه مبالغ فيه، الرجل في صفوف جاليات شرق أوسطية، في بعض الأحيان تحت يافطات دينية، علنية أو مقنّعة. والحصيلة هي حالة تصدع لهذه الجاليات هنا، واتجاه إلى استيراد فئويات هنالك ومضاعفتها، ومن ثم إعادة تصديرها، بدلاً من أن تكون الولايات المتحدة الحاضنة للتجاوز الناضج للفئويات، كما كان التوقع.
 
إدارة بايدن سوف تعمد حكما إلى معالجة الملفين الإيراني والفلسطيني الإسرائيلي. أما ملف التصدع في جاليات الشرق الأوسط هنا، فليس من اختصاصها. الحاجة ماسة إلى مراجعة ذاتية وإلى عودة إلى تواصل قد تضرر، الشرق الأوسط بحاجة إلى العقلانية والحوار. على ما يبدو، كذلك حال جالياته هنا.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!