Tunisians wave their national flag as they gather on Habib Bourguiba Avenue in Tunis on January 14, 2018 to mark the seven year…
تونس الدولة العربية الوحيدة ضمن تصنيف الدول الديمقراطية وفق مؤشر الإيكونوميست

بعد أيام على دعوة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لإجراء إصلاحات سياسية، وضرورة تعديل حزمة تشريعات ناظمة للحياة السياسية، تداول نشطاء منصات التواصل الاجتماعي نتائج مؤشر الديمقراطية الذي أطلقته وحدة الاستخبارات الاقتصادية في مجموعة الإيكونوميست البريطانية، ويُصنف الأردن دولة مستبدة.

النتيجة قد تبدو صادمة للبعض، وقد تبدو منطقية وطبيعية لآخرين، ولكنها في كل الأحوال تؤشر إلى أن الواقع السياسي للأردن الذي يتباهى بأنه مختلف عن المحيط العربي ليس بخير.

كلما سُئلت عن تقييمي لواقع الأردن، أجيب بلا تردد أنها من دول الهامش الديمقراطي، وهي كما الكويت والمغرب ولبنان، تمتلك مساحات لتعترض وتقول رأيك دون أن تختفي، أو تجد نفسك خلف قضبان السجن، هذه الهوامش لحرية التعبير، أو الانتقاد لا تعني الانتقال لدولة ديمقراطية تنظيرا وممارسة. 

مؤشرات التقييم في العالم التي تتبناها مؤسسات دولية كثيرة كلها محط جدل ونقاش، وكلما صدر تقرير في العالم تعرض للطعن والتشكيك بمنهجيته ونتائجه، وسعت الدول التي تتذيل قائمة المؤشر سواء كان للديمقراطية أو للفساد، أو حتى لسيادة القانون إلى شيطنة مُعديه، واتهامهم بالتآمر والإساءة لسمعة بلادهم.

لا نسمع كثيرا نقدا منهجيا علميا، أو محاولات للاستماع من أجل تصويب الأوضاع، وقليلة الدول التي تحفل بالتغيير في ظل اتساع رقعة الدول المستبدة في العالم.

مؤشر الإيكونوميست يضع إسرائيل وتونس في قائمة الدول الديمقراطية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وما عداها يتدرج بين دول وصفها بـ "ديمقراطية معيبة" أو يمكن تسميتها ديمقراطية ناقصة، وثالثة دول ذات نظام مختلط تجمع سمات ديمقراطية واستبدادية، ورابعة وأخيرة أطلق عليها "مستبدة".

تتربع النرويج على قمة الدول الديمقراطية بعلامة كاملة، وتحتل الدرك الأسفل كوريا الشمالية، في حين تسبقها بدرجات قليلة سوريا، والأكيد كما الحال دائما فإن 6 دول عربية تحفظ مكانة لها كأسوأ نماذج لدول مستبدة.

التقرير يُشير بوضوح إلى أن الديمقراطية تتراجع في العالم، وفقط 22 دولة صُنفت كدول ديمقراطية بين 165 دولة.

إن كانت الديمقراطية تحتضر في العالم؛ فإن جائحة كورونا ساهمت وعجّلت في إطفاء جذوتها، وأطلقت هذه الجائحة رصاص كواتم الصوت على محاولات النهوض، واستخدمت كثير من دول العالم قوانين الدفاع، والتدابير الاستثنائية لضرب الحريات العامة والشخصية، وفي طليعتها الدول التي لا تحفل بسيادة القانون.

العالم العربي الذي صُنفت غالبية دوله بالمستبدة باستثناء تونس ديمقراطية، والمغرب ولبنان والجزائر وصفت بأنظمة هجينة، يعرف ويُدرك مواطنوه معاني الاستبداد والحكم الشمولي، فهم يتذيلون قائمة مؤشرات حرية التعبير والإعلام، والفساد والحكم الرشيد، وسيادة القانون. وعودة إلى أرشيف لجنة حماية الصحفيين، أو بيت الديمقراطية "فريدم هاوس"، أو الشفافية الدولية يكفي لمعرفة الحال البائس الذي تعيش به هذه الدول، والمعاناة التي يرزخ تحتها الناس.

قبل عقدين من الزمان، وفي بداية الألفية الثانية هبّت نسائم مُبكرة لـ "الربيع العربي" توجت بتجارب للإصلاح مع تسلُم الملك عبد الله الثاني للحكم في الأردن، وتبعتها المغرب في عهد الملك محمد السادس، وبدأت تباشيرها بالحكم الجديد في البحرين، ثم انتقلت العدوى لسوريا في عهد الرئيس بشار الأسد، وتزامن هذا مع حركة دولية، واهتمام الدول الثمانية الصناعية والتي عُرفت باسم "G8" في صنع بيئة مواتية لبناء الديمقراطية جرى التعبير عنها بتأسيس منتدى المستقبل الذي قدم مبادرات مشتركة بين حكومات الشرق الأوسط -باستثناء إسرائيل- والمجتمع المدني لترسيخ قدم للديمقراطية والحوكمة الرشيدة، ما لبثت أن انهارت وتراجعت، وتوقف الحديث عنها.

الحلم بـ "الربيع العربي" آنذاك كان الاسم الحركي لـ "الشرق الأوسط الكبير" الذي بدأ العمل من أجله بعد أحداث سبتمبر 2001، وأعلن عن ولادته رسميا عام 2004، ولكن مد الإصلاح والدمقرطة لم يُكتب له النجاح، ودُفن مشروع "الربيع العربي" دون مراسم للحداد.

رياح التغيير لم يطل انتظارها طويلا، فقد عادت مجددا في "الربيع العربي" عام 2010 لتُسقط احتجاجاتها وانتفاضاتها أنظمة عربية لم يكن من المحتمل رحيلها، وتزعزعت عروش كثيرة، واندلعت حروب أهلية ما تزال تُلقي بنتائجها الكارثية ودمارها على المنطقة حتى الآن. وموجة "الربيع العربي" التي تعالت، انحسرت مجددا وعاد خريف العرب ليُحكم كماشته، ويُبدد آمال الملايين.

تونس التي صُنفت دولة ديمقراطية كانت الثمرة الوحيدة لـ "الربيع العربي" على الرغم من مخاضها الصعب، ورغم الصراع المستمر بين أجنحة الحكم، والانتقادات الشعبية للسلطة التي تُتهم بتقاسم المنافع منذ عقد من الزمان، في حين أن غالبية الناس تتزايد معاناتها المعيشية كل يوم.

معادلة التماهي والاستجابة حتى وإن كان خداعا مع الضغوط الخارجية كانت سمة لافتة في الواقع العربي، وهذا لا يعني بالمطلق ولا يُغيب المواجع الداخلية، والغضب المستعر بين جدران الحدود، غير أن "الدولة العميقة" كانت دائما يدها الأقوى، وحافظت القبضة الأمنية على سيطرتها، وقدرتها على تطويق واجتثاث "جينات" الديمقراطية أولا بأول.

في سنوات حكم الرئيس الأميركي دونالد ترامب غابت الديمقراطية، وسادت الحراكات الشعبوية في العالم، وتمددت الحكومات المستبدة حتى خارج حدودها، وأصبحت شعارات الحرية نكراء لا بواكي لها.

يدق مؤشر الإيكونوميست للديمقراطية الجدران الموصودة مع تقلد الرئيس الأميركي جو بايدن لسلطاته، وترتجف أوصال سلطات أنظمة مستبدة في العالم وهو يُجاهر بعصا الديمقراطية وجزرتها، ويتمنى المسحوقون في أرجاء المعمورة أن يفيقوا وقد انزاح دُجى ليلهم الطويل.

ثلث دول العالم تعيش في أنظمة مستبدة، وتنتظر بفارغ الصبر أن تنتهي عذاباتها، وتستعيد كرامتها الإنسانية.

الشعوب العربية بعد تجاربها لا تُعلق آمالا على مُخلص سواء كان الرئيس بايدن أو غيره، ولكنها مثل الغريق يتعلق بقشة تُنقذه من ألمه وموته البطيء.
 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.