Lebanese Parliament Speaker Nabih Berri heads a legislative session, as Lebanon's parliament approved a law that paves the way…
البرلمان اللبناني تولى محاسبة القنوات التليفزيونية التي هاجمت حزب الله

 في بلد لا وظيفة فيه لرئيس الجمهورية سوى تعطيل أي محاولة لانعقاد الحوكمة، ولا وظيفة فيه لمجلس النواب سوى السهر على سمعة حزب الله، ولا حكومة فيه أصلاً بسبب الحزب والرئيس، تبادر لجنة الإعلام في البرلمان، والتي يرأسها نائب من حزب الله، إلى استدعاء ممثلي وسائل الإعلام لتهديدهم بسبب اتهامات طالت الحزب بالوقوف وراء جريمة اغتيال لقمان سليم! الجريمة نفسها لم تستدع خطوة موازية. لم يستدع مسؤول أمني للاستماع إليه حول تفاصيل الجريمة! وثمة إجماع على أن أحداً لن يكشف هوية الجناة، وأن الواقعة ستنضم إلى عشرات غيرها ممن حفظت في أدراج المحققين، ولم يتجرأ أحد على متابعتها. وما بقي من الجريمة هو أن وسائل إعلام اتهمت حزب الله بالوقوف خلفها!

ولبنان هذا يعيش في ظل عدد هائل من الفضائح المتناسلة التي أذهلت العالم بوضوحها وانكشافها، في وقت لم يرف جفن لهذه الطبقة السياسية الغارقة بالسوء وبالفساد والارتهان، وهي اليوم اذ تجاهر بحقيقة أنها مستتبعة لحزب السلطة ولا وظيفة تؤديها سوى صد الهجمات عنه، تعرف تماماً أن لا خيار أمامها للحفاظ على موقعها سوى بتولي هذه المهمة. أما الحزب، أي حزب الله، فهو بدوره يراكم طبقات إضافية من السوء عبر لجوئه إلى هؤلاء لدرء التهمة ولتكريس النفوذ.

لكن حزب الله نجح في أمر آخر أيضاً. نجح في توظيف خصومة في معركة صد الهجمات عنه. خصومة الذين يؤمنون له نصاباً سياسياً هو المنصة الرسمية التي تتولى امتصاص التهم والهجمات. المجلس الوطني للإعلام، وهي الهيئة التي هالتها هجمات وسائل الإعلام على الحزب في أعقاب مقتل لقمان سليم وتولت تقريع المحطة التلفزيونية التي ظهرت هذه الاتهامات على شاشتها، هو مجلس مشكل من قبل سلطة سياسية لخصوم الحزب في الحكومة والبرلمان حصة فيها. ولجنة الإعلام في البرلمان أيضاً، لكن لا أثر لهذا الوجود في أداء هاتين الهيئتين. 

ما قالته ممثلة تلفزيون الجديد السيدة كرمة خياط في أعقاب جلسة التقريع في مجلس النواب كاشف على هذا الصعيد. قالت إنها استدعيت هي وزملاؤها مرتين إلى هذه اللجنة، وفي الحالين كان سبب الاستدعاء هو حزب الله. وقالت أيضاً أنها في المرة الثالثة ستتواصل مباشرة مع الحزب ولا داعي للمرور عبر هذه اللجنة!

هذا الكلام لا ينطوي على إهانة للمجلس النيابي، انما خصوصاً على إهانة لخصوم حزب الله في هذا المجلس، ذاك أنهم هم من يتولى جعل المحاسبة سياقاً برلمانياً لا حزبياً. هم من تجري هذه الوقائع تحت أنظارهم من دون أن يحركوا ساكناً، وهم أنفسهم من يعود ويترشح إلى الانتخابات ويفوز بوصفه خصماً للحزب. وأي خصومة هذه، تلك التي تتولى مد الخصم بشرعيه المحاسبة في ظل كل هذه الفضائح التي تحاصره؟

سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع يؤمنون لحزب الله نصاباً سياسياً لسلطته في البرلمان وخارج البرلمان. ما جرى بموضوع لجنة الإعلام البرلمانية هو أحد هذه المحطات. علماً أن النصاب السياسي الذي نتحدث عنه تولى مهاماً أكثر قذارة، ليس آخرها تعطيل التحقيق في جريمة انفجار المرفأ، ومنع المباشرة بالتحقيق الجنائي للكشف عن فضيحة الإفلاس المالي في مصرف لبنان. وهنا ينعقد ثالوث الفساد على نحو محكم. الصمت هنا هو ثمن للصمت هناك. حزب الله يُمرر الفساد في مصرف لبنان في مقابل تمرير الحريري ونبيه بري، وطبعاً ميشال عون، له حقيقة إمساكه الفعلي بالسلطة الحقيقية. هذا هو لبنان، وهذه هي معادلة السلطة فيه. 

لكن لكي تكتمل المعادلة استوجب الأمر تعطيل دور وسائل الإعلام، أو ما تبقى فيها من قدرة على المقاومة. 

شهد الأسبوع المنصرم هجمة شرسة على الإعلام في لبنان. المهمة كانت الإتيان على آخر مواقع مقاومة السلطة، ذاك أن المقبل من الأيام سيشهد الفصول الأخيرة من الانهيار اللبناني، وهذا يتطلب صمتاً كاملاً عن المرتكب الذي صارت هويته مكشوفة ولا لبس فيها. فالسلطة سترفع الدعم عن السلع الغذائية، وهذا يعني أن الجوع قدر لا مفر منه. المطلوب اذاً هو صمت الجياع وقبولهم بالموت، وهذا الأخير لن يكون تشبيهاً أو استعارة لغوية، بل واقعاً بدأت فصوله تظهر. أما الطبقة السياسية، وعلى رأسها اليوم حزب الله وشركاؤه الحريريون والجنبلاطيون والجعجعيون، فلكل منهم ثمن سيتقاضونه طالما أنهم في مواقعهم في مجلس النواب وفي الحكومة. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.