FILE - In this Thursday, Oct. 27, 2011 file photo, U.S. Vice President Joe Biden, right, offers his condolences to Prince…
بايدن تعهد باتخاذ نهج أشد صرامة من سلفه دونالد ترامب تجاه السعودية. أرشيف

"نظير الرئيس بايدن هو الملك سلمان" هكذا لخصت المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض جنيفر ساكي هذا الأسبوع، كماً من التحولات التي تشهدها اليوم العلاقة السعودية-الأميركية منذ تولي الرئيس الأميركي جو بايدن سدة الرئاسة الشهر الفائت، مؤكدة أن اتصالاته ستكون مع خادم الحرمين الشريفين، أي نظيره وليس ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. 

التحول ولو أن فيه تفسير منطقي باتصال "النظير بالنظير"، إلا أن اعلانه وبهذا الشكل ومن البيت الأبيض يعكس نهجا أميركيا جديدا بانعطاف بايدن عن مرحلة دونالد ترامب، وإلغاء الامتيازات التي كان يحظى بها ولي العهد من الرئيس السابق وكبار المسؤولين الأميركيين بينهم جاريد كوشنر ومايك بومبيو. 

تنحية رتبة الاتصال بولي العهد السعودي من الرئيس نفسه إلى وزير الدفاع لويد أستن "النظير"، الذي هاتفه مساء الخميس، تضيف إلى مستوى التباعد والتوتر بين الطرفين. 

فأول قرارات بايدن كانت مراجعة صفقة الأسلحة للسعودية التي تصل النصف مليار دولار، والمجمدة اليوم. ثم جاء رفع الحوثيين عن لائحة الارهاب، والذي رغم أنه كان متوقعا بالنسبة للعلاقة الاستخباراتية الطويلة ضد القاعدة في اليمن بين واشنطن والمجموعة، إلا أنها ترسخ هذا التغير في النهج.

الهزة الأكبر للعلاقة قد تأتي الأسبوع المقبل مع استعداد إدارة بايدن لتعميم تقرير الاستخبارات الأميركية حول مقتل الكاتب جمال الخاشقجي، والذي على الأرجح سيشمل أسماء واتهامات ومعلومات اختار ترامب ابقاءها سرية.

محرك الاستراتيجية الأميركية حيال السعودية يقوده عاملان:

- الأول، تحول داخل الحزب الديمقراطي الأميركي وفي بعض دوائر الحزب الجمهوري وتزايد المعارضة للسعودية. هذا انعكس بقرار الكونغرس العام الفائت لوقف بيع الأسلحة المتعلقة باليمن وما عاد ونقضه ترامب. انما هناك أزمة رأي عام تواجهها الرياض داخل الولايات المتحدة بسبب حرب اليمن، رصيد حقوق الإنسان، وتحديدا الرابط الوثيق بين ترامب والمملكة. فالرئيس السابق هو اليوم الأقل شعبية بين كافة الرؤساء بحسب استطلاع الإيكونوميست، وحتى حلفاءه الأقرب مثل بنيامين نتانياهو اختاروا حفظ مسافة منه في الشهرين الأخيرين قبل التصويت. طبعا، السعودية ليست إسرائيل في الوسط الأميركي ولا تملك أدوات ضغط كالتي بنتها حكومات إسرائيلية متعاقبة منذ ستينات القرن الماضي، إنما هناك أيضا غياب سعودي ملحوظ في مخاطبة الرأي العام الأميركي. 

الإفراج ولو بشروط عن الناشطة لجين الهذلول هو إدراك مستبق من الرياض لما يحدث أميركيا، إنما حتى ذلك لم يتم توظيفه إعلاميا. فالرأي العام الأميركي وصعود الشعبوية لدى اليمين والتقدمية لدى اليسار تحرك قرارات بايدن وليس العكس. وهو من قال وردد بأن "السياسة الداخلية هي السياسة الخارجية". ومن هنا تبرز حاجة السعودية للتواصل مع الداخل الأميركي ورأب الصدع الذي خلقته مرحلة ترامب ومقتل الخاشقجي والاعتقالات يومها.

- ثانيا، ترى إدارة بايدن فرصة لإنهاء حرب اليمن وإمكانية حصد تنازلات من اللاعبين الأبرز هناك إنما من خلال الضغط على الرياض أيضا. فالتسوية السياسية هناك أكد عليها وزراء بايدن للدفاع والخارجية، وكانت الدافع الأول لزيارة المبعوث تيم لينديركينغ للرياض. وفي حين تملك واشنطن أدوات للضغط على حلفائها في اليمن، فهي اليوم غير قادرة على وقف هجمة الحوثيين على مأرب وإيران غير جاهزة بعد لمنحها تنازلا هناك. 

هذا المناخ المتبدل والمتوتر بين السعودية وأميركا سيكون على الأرجح مؤقتا بسبب المصالح المشتركة التي تجمع الطرفين. فالبيت الأبيض لا يمكنه تجاهل ولي العهد السعودي بعد أربع سنوات له من تثبيت موقعه في السلطة، ولا الرياض قادرة على تجاهل واشنطن كحليف دفاعي واستراتيجي لا يمكن استبداله بروسيا أو الصين. بايدن سيسعى لإعادة بعض التوازن للعلاقة وتوظيف الضغوط لنيل تنازلات في ملفات إقليمية تفيد أولا مصالح واشنطن، وثانيا تلبي التحولات الأميركية الداخلية. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.