"نظير الرئيس بايدن هو الملك سلمان" هكذا لخصت المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض جنيفر ساكي هذا الأسبوع، كماً من التحولات التي تشهدها اليوم العلاقة السعودية-الأميركية منذ تولي الرئيس الأميركي جو بايدن سدة الرئاسة الشهر الفائت، مؤكدة أن اتصالاته ستكون مع خادم الحرمين الشريفين، أي نظيره وليس ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
التحول ولو أن فيه تفسير منطقي باتصال "النظير بالنظير"، إلا أن اعلانه وبهذا الشكل ومن البيت الأبيض يعكس نهجا أميركيا جديدا بانعطاف بايدن عن مرحلة دونالد ترامب، وإلغاء الامتيازات التي كان يحظى بها ولي العهد من الرئيس السابق وكبار المسؤولين الأميركيين بينهم جاريد كوشنر ومايك بومبيو.
تنحية رتبة الاتصال بولي العهد السعودي من الرئيس نفسه إلى وزير الدفاع لويد أستن "النظير"، الذي هاتفه مساء الخميس، تضيف إلى مستوى التباعد والتوتر بين الطرفين.
فأول قرارات بايدن كانت مراجعة صفقة الأسلحة للسعودية التي تصل النصف مليار دولار، والمجمدة اليوم. ثم جاء رفع الحوثيين عن لائحة الارهاب، والذي رغم أنه كان متوقعا بالنسبة للعلاقة الاستخباراتية الطويلة ضد القاعدة في اليمن بين واشنطن والمجموعة، إلا أنها ترسخ هذا التغير في النهج.
الهزة الأكبر للعلاقة قد تأتي الأسبوع المقبل مع استعداد إدارة بايدن لتعميم تقرير الاستخبارات الأميركية حول مقتل الكاتب جمال الخاشقجي، والذي على الأرجح سيشمل أسماء واتهامات ومعلومات اختار ترامب ابقاءها سرية.
محرك الاستراتيجية الأميركية حيال السعودية يقوده عاملان:
- الأول، تحول داخل الحزب الديمقراطي الأميركي وفي بعض دوائر الحزب الجمهوري وتزايد المعارضة للسعودية. هذا انعكس بقرار الكونغرس العام الفائت لوقف بيع الأسلحة المتعلقة باليمن وما عاد ونقضه ترامب. انما هناك أزمة رأي عام تواجهها الرياض داخل الولايات المتحدة بسبب حرب اليمن، رصيد حقوق الإنسان، وتحديدا الرابط الوثيق بين ترامب والمملكة. فالرئيس السابق هو اليوم الأقل شعبية بين كافة الرؤساء بحسب استطلاع الإيكونوميست، وحتى حلفاءه الأقرب مثل بنيامين نتانياهو اختاروا حفظ مسافة منه في الشهرين الأخيرين قبل التصويت. طبعا، السعودية ليست إسرائيل في الوسط الأميركي ولا تملك أدوات ضغط كالتي بنتها حكومات إسرائيلية متعاقبة منذ ستينات القرن الماضي، إنما هناك أيضا غياب سعودي ملحوظ في مخاطبة الرأي العام الأميركي.
الإفراج ولو بشروط عن الناشطة لجين الهذلول هو إدراك مستبق من الرياض لما يحدث أميركيا، إنما حتى ذلك لم يتم توظيفه إعلاميا. فالرأي العام الأميركي وصعود الشعبوية لدى اليمين والتقدمية لدى اليسار تحرك قرارات بايدن وليس العكس. وهو من قال وردد بأن "السياسة الداخلية هي السياسة الخارجية". ومن هنا تبرز حاجة السعودية للتواصل مع الداخل الأميركي ورأب الصدع الذي خلقته مرحلة ترامب ومقتل الخاشقجي والاعتقالات يومها.
- ثانيا، ترى إدارة بايدن فرصة لإنهاء حرب اليمن وإمكانية حصد تنازلات من اللاعبين الأبرز هناك إنما من خلال الضغط على الرياض أيضا. فالتسوية السياسية هناك أكد عليها وزراء بايدن للدفاع والخارجية، وكانت الدافع الأول لزيارة المبعوث تيم لينديركينغ للرياض. وفي حين تملك واشنطن أدوات للضغط على حلفائها في اليمن، فهي اليوم غير قادرة على وقف هجمة الحوثيين على مأرب وإيران غير جاهزة بعد لمنحها تنازلا هناك.
هذا المناخ المتبدل والمتوتر بين السعودية وأميركا سيكون على الأرجح مؤقتا بسبب المصالح المشتركة التي تجمع الطرفين. فالبيت الأبيض لا يمكنه تجاهل ولي العهد السعودي بعد أربع سنوات له من تثبيت موقعه في السلطة، ولا الرياض قادرة على تجاهل واشنطن كحليف دفاعي واستراتيجي لا يمكن استبداله بروسيا أو الصين. بايدن سيسعى لإعادة بعض التوازن للعلاقة وتوظيف الضغوط لنيل تنازلات في ملفات إقليمية تفيد أولا مصالح واشنطن، وثانيا تلبي التحولات الأميركية الداخلية.

