مظاهرات سابقة في البحرين
مظاهرات سابقة في البحرين

في الأسبوع الماضي نشطت وسائل الإعلام التي تمولها قطر وكذلك تلك التابعة لإيران باللغة العربية، في الحديث عن الوضع السياسي في البحرين، وتحديدا ذكرى 14 فبراير وهو اليوم الذي اندلعت فيه الاحتجاجات في عام 2011، وهو اليوم أيضا الذي تم فيه التصويت بالأغلبية الساحقة على ميثاق العمل الوطني قبل ذلك بعشرة أعوام (2001) والذي نظم الحياة السياسية في البلاد بما في ذلك الدستور الجديد وتشكيل المجلس الوطني. 

خطاب التأزيم

وفي حين حظي الحدث الأول باهتمام وسائل الإعلام الموالية لقطر وإيران، تم تجاهل الحدث الثاني والذي غطته بكثافة وسائل الإعلام البحرينية. وهذا أمر مفهوم بطبيعة الحال. 
لكن لم يتحدث أحد عن حقيقة أن ما جرى في السنوات العشر الماضية، كان تجربة مريرة بكل المقاييس، عاشها البحرينيون بمختلف أطيافهم، وأسفرت وقتها عن تشوهات كبيرة في المجتمع وكذلك في الحياة السياسية، ولا أتصور أن أحدا يريد العودة إليها. وقد كان من المتوقع بعد كل ذلك أننا سنكون أمام خطاب سياسي مختلف من جانب جماعات "المعارضة"، يملك ما يكفي من النضج والحكمة والحرص على أمن واستقرار البلاد ومصالح العباد، يستفيد من الماضي ويستشرف المستقبل بصورة تجعله يوازن بين ما يطرحه وما يستجيب للواقع، لكن للأسف فإن ما صدر منها حتى الآن، هو اجترار لنفس الخطاب القديم الذي يتحدث بلغة التصعيد والمواجهة "حتى النصر" وما شابه ذلك. 

أما الخطاب الذي يمكن أن يعالج مشاكل الماضي وينطلق نحو المستقبل فهو ذاك الخطاب الذي يركز على توحيد البحرينيين ضمن أهداف مشتركة ترتقي بالجميع، بدلا من أن يراهن على صعود شريحة وهبوط شريحة أخرى. 
الخطاب الذي يرفض العنف ويحترم القوانين ويبتعد عن الروح الانتقامية وينبذ العمل وفق عقلية الربح والخسارة. وبالطبع الخطاب الذي يتخلى عن الشعارات والأهداف الطائفية التي كانت وما زالت عامل تخريب وتنفير وتفرقة بين البحرينيين. وأخيرا الخطاب الذي يسعى إلى اعتماد مبدأ الحوار والتفاوض والعمل مع الحكومة بدلا من العمل ضدها. للأسف لا نرى أي شيء من ذلك.

الاستعانة بإيران

كان ولا يزال من الأخطاء القاتلة لجماعات "المعارضة" البحرينية هو اللجوء لإيران أو السماح لها باستغلال الوضع السياسي، للظهور بمظهر الداعم للاحتجاجات. 
وعلاوة على أن في ذلك تأكيد لما تقوله الحكومة البحرينية من صلات لهؤلاء بطهران، فإن النظام الإيراني، لا يمكن أن يكون نموذجا يتطلع إليه البحرينيون بأي حال من الأحوال. وهو لم يثبت في أي يوم حرصه على مصلحة البحرين والبحرينيين، إن لم أقل إنه فعل العكس على الدوام.
الصلات والمشتركات العقائدية سوف تبقى، فذلك أمر قديم ومتجاوز للسياسة، وهي لم تبدأ مع هذا النظام ولن تنتهي بذهابه، لكن من اللافت أن ما يطالب به هؤلاء هو ما تحرمه الحكومة الإيرانية على شعبها.  
كذلك من الأخطاء الكبيرة اللجوء إلى وسائل الإعلام القطرية أو بعض الجهات العربية والغربية، التي لها مصلحة في زعزعة استقرار البحرين.

ففي الأشهر القليلة الماضية كانت هناك محاولات سياسية وإعلامية حثيثة، لكن فاشلة، شاركت فيها أكثر من جهة، لإقناع البحرينيين بالتمرد على قرار حكومتهم بإقامة علاقات مع إسرائيل، وتوريطهم من ثم في معارك دنكشوتية، يكونون فيها حطب نار لغيرهم، تدمر خلالها بلادهم ومجتمعهم.

وقد نشطت عدة حسابات على "تويتر" لمغردين عرب (بينهم فلسطينيون وقطريون ومصريون وبحرينيون معارضون) بهاشتاقات "بحرينيون ضد التطبيع" استهدفت تحريض المواطنين البحرينيين بشكل واضح على زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد. لم يكن هدف هؤلاء إثبات أن في البحرين من يعارضون التوجه الحكومي، وإنما استغلال ذلك لأغراض سياسية تهدف إلى تشجيع الاتجاهات الراديكالية وتكبير الرؤوس والزج بالشباب في أتون معارك فاشلة ولا تتعلق بالشأن البحريني نفسه.  

جبهة الممانعة

أكثر من ذلك سعت جهات إيرانية وغيرها إلى خلق حالة بحرينية شبيهة بتلك الموجودة في لبنان أو اليمن أو العراق عبر إدماج بعض المجموعات المتطرفة في البحرين في إطار ما تسميه "جبهة الممانعة والمقاومة" في المنطقة.
فقد ذكرت جريدة الأخبار اللبنانية القريبة من حزب الله (1 أكتوبر 2020) أن لقاءات جمعت في بيروت بين تنظيمات بحرينية معارضة مثل "ائتلاف 14 فبراير" و"جمعية الوفاق – المنحلة" مع قيادات في "حماس" و"الجهاد" و"الجبهة الشعبية" و"فتح" و"منظمة التحرير". ومن بين القيادات الفلسطينية التي حضرت هذه اللقاءات رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية، ونائبه صالح العاروري وأسامة حمدان، إضافة إلى الأمين العام لحركة الجهاد زياد نخالة.

وقد نقلت "الأخبار" عن "أبو زينب"، القيادي في "ائتلاف 14 فبراير" قوله إن "هذه اللقاءات ستكون بداية لمرحلة جديدة من التعاطي الجادّ مع الاندفاع الخليجي نحو الكيان الصهيوني.. والوقوف في صف واحد مع قوى المقاومة لمناهضة المشروع الأميركي والإسرائيلي في المنطقة". وأنه ستتم "مقاومة التطبيع بكلّ سبل المقاومة الممكنة والمتاحة".

بعبارة أخرى فإن الذين تناولوا الشأن البحريني في الأسبوع الماضي لم يكن هدفهم هو تقديم المساعدة للبحرين والبحرينيين، وإنما استغلال المناسبة لأغراض سياسية معروفة.
ويبقى أن الوضع في البحرين ليس مثاليا، فهناك العديد من الملفات التي يختلف أو يتفق الناس بشأنها، بما في ذلك سبل الإصلاح السياسي والاقتصادي، لكن وضع البحرين يظل أفضل بكثير من أوضاع عربية وإسلامية. والمطلوب هو الاستثمار فيه والبناء عليه وليس زعزعته. 
أما أولئك المحرضون والمتصيدون فهم لم يبنوا أوطانا ولم يصلحوا مجتمعات. هم دعاة للخراب والفوضى حيثما حلوا. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.