Bookseller Dieter Dausien is seen in his bookshop, as the spread of the coronavirus disease (COVID-19) continues in Hanau,…
الكتاب الورقي لم يَحتل مكانه على الرف أمامي إلا بعد رحلة عناء

في العام 2007، تعرضت صناعة الترفيه الأميركية والوظائف المرتبطة بها إلى خسائر قدرت حينها بأكثر من 22 مليار دولار خلال فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز ثلاثة أشهر ونصف.

خسائر مهولة نتجت منطقياً بسبب توقف كتّاب السيناريو في هوليوود والساحل الشرقي عن الكتابة ودخولهم إضراباً مفتوحاً، أفضى لاحقا، وبعد مفاوضات عسيرة، إلى اتفاق اقتضى تعديل عقودهم وأجورهم المتعلقة بنسب حقوقهم المالية، نظير انتشار أعمالهم عبر الإنترنيت والأجهزة النقالة وأقراص الفيديو وغيرها.

يتم استحضار هذا الإضراب التاريخي والاستشهاد بجدواه حول تأثير غياب أو توقف "النص" ودوره كركيزة أولى رئيسة، في كل مرة يجتمع فيها بعض كتّاب السيناريو العرب للتباحث حول حقوقهم والمشاكل التي يواجهونها مع المنتجين، مع الفارق الشاسع بين شروط الإنتاج العربي والغربي، من حيث عدم تفعيل القوانين الناظمة للعمل الفكري في عدد من بلدان العالم العربي كما يجب.

يحضر كتّاب السيناريو هنا كأنموذج لا أكثر، إذ لا ترتبط جذور مثل هذه المشاكل حول خلاف هنا أو هناك، بل تتعلق في بعدها العميق بالنظرة العامة المستخفة لمجمل طبيعة العمل الفكري في العالم العربي، وتنسحب على جميع أصحاب القلم ممن يمتهنون العمل الكتابي بأشكاله كمصدر وحيد للعيش. 

إذ كثيرا ما واجه كتاب مكلَّفون في الإعلام الورقي من صحافيين ومحررين ومترجمين ونقاد أو غيرهم، مشاكل لاتحصى مع مالكي المؤسسات الإعلامية والصحفية أو الفكرية أو الفنية تتعلق بحقوقهم التي تضيع بمجملها أحياناً، أو يُقتص الجزء الأكبر منها بسبب غياب العقود القانونية الحقيقية الناظمة، أو تهرب الجهات الخاصة في معظم الأوقات من شرط التعاقد لأسباب ومخاوف ضريبية والإقرار بحقوق العمل الفكري.

ويلجأ أحيانا بعض أصحاب المؤسسات الخاصة، إلى استعمال اللغة التعاطفية وأسلوب "السخرة"، للطلب من أحدهم أو عدد من الكتاب المشاركة بالكتابة مجانا،ً بذريعة عدم توفر الموارد المالية أو الضائقة المالية التي تمر بها المؤسسة أو أية ذرائع أخرى، ليكتشف الكاتب لاحقا حجم الخديعة التي جعلت هذه المؤسسة تستمر لسنوات بجهوده وجهود زملائه الكتّاب.
وهو توجه ازداد في السنوات الأخيرة، مع  تحول النشر في معظمه إلى المواقع الإلكترونية، حيث باتت جهود الكتّاب وغيرهم تسرق بشكل علني ودون مواربة، عبر إعادة نشر بعض النصوص دون استئذان أو أجر أو أي اكتراث بمعنى الحقوق، وفي حال اعتراض الكاتب، تتم إجابته - إن تمت إجابته- بأن المؤسسة قدمت له خدمة جليلة ووسعت من شهرته، ومن هذه الإجابات التي تصب جميعها في باب استرخاص الجهد الفكري. 

يحدث أحيانا أن تمر بعض المؤسسات بأزمة طارئة وتعيش ضائقة حقيقية وصادقة، ويحدث أن يتعاطف أو يتضامن عدد من الكتّاب مع هذه الضائقة تبعا لعلاقاتهم مع أصحاب هذه المؤسسة، وإيماناُ منهم بعراقتها وأهمية دعمهم لها لأجل استمرار رسالة العمل الفكري، ويقدمون طواعية وبرضاً كامل منهم على الكتابة دون مقابل إلى حين تجاوز مؤسستهم الصديقة لضائقتها، فيما تكمن المفارقة في السياق، أن المشاكل المالية حصرا، لا تحدث في المؤسسات الحكومية، ولا تضيع الحقوق في سجلاتها الرسمية،

رغم أن العائد المادي الذي تقدمه المؤسسات الحكومية أقل بكثير جدا عن القطاع الخاص، إلا إنه يعتبر حقا طبيعيا لأية مشاركة وجهد كتابي يقدمه كاتب، حتى لو كان أجرا بخسا أو رمزيا.

ليس الأمر بجديد أو طارىء، حيث عومل على الدوام أصحاب المهن التي تتطلب جهدا بدنيا  على أنهم يشقون ويكدّون، وبتقدير مادي يساوي مقدار كل جهد جسدي مبذول أو يحدد بالاتفاق المتبادل بين الطرفين. فيما لايتم الاعتراف وتقدير قيمة العمل الفكري كما يجب أو اعتباره جهدا، وهو الأمر الذي دفع ببعض الكتاب إلى امتهان أي عمل آخر، أو الانخراط في أية وظيفة تدرّ عليهم دخلاً يكفي قوت يومهم، ويعوض شحّ المورد المالي الذي تجلبه الكتابة.

كثيرة هي الأمثلة عن المشاكل وهضم الحقوق التي يتعرض لها  أصحاب القلم في العالم العربي، وهو أمر من النادر أن يواجهه الكاتب العربي مع المؤسسات الغربية التي تقدر جهده الفكري وتدفع له مايوازيه في معظم الأوقات. كما إنها مؤسسات تتقيد بالتقاليد القانونية والمهنية وتشترط التعاقد مع أي كاتب مكلَّف مسبقاً وتوضح له حقوقه القانونية الكاملة دون لبس أو مواربة، ولا  تقدم مؤسسة أو موقع إلكتروني أو أكاديمية على نشر أي نصّ دون اتفاق مسبق مع صاحبه، أو تترجم لأحدهم دون موافقة واتفاق مماثل، أو تنشر صورة تعود ملكية حقوقها لفرد أو جهة ما.

من النادر أن يكون الكتّاب العرب من أصحاب الثروات، وعلى الدوام، ارتبطت مهنة الكتابة في العالم العربي بالصداع وضيق ذات اليد وسلسلة طويلة من المتاعب، وقد يكون استرخاص الكاتب وهضم حقوقه أهون المرارات، مقارنة بالمخاطر والهواجس التي تلاحق طبيعة عمله باستمرار، وتحضر في السياق طرفة متداولة من نوع الكوميديا السوداء تقول إن أحد السجناء طلب من إدارة السجن أن يحضروا له كتاباَ ما، فأجابته الإدارة بكل تهذيب ولطف إنَّ الكتاب غير متوفر، لكن مؤلف الكتاب موجود لديهم.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.