الجانبان الإيراني والأميركي يخوضان جولة تطبيع المفاوضات النووية بينهما
الجانبان الإيراني والأميركي يخوضان جولة تطبيع المفاوضات النووية بينهما

يخوض الجانبان الإيراني والأميركي جولة تطبيع المفاوضات النووية بينهما قبل الوصول إلى طاولة المفاوضات الأساسية التي سيضعان عليها ملفاتهما وشروطهما، وفي المسار الفاصل ما بين التطبيع التفاوضي والتفاوض الأساسي تشهد العلاقة بينهما مرحلة شد وجذب ويتخللها تمرير رسائل تهدئة وأخرى خشنة، لكنها في النهاية جزءا من أدوات التفاوض التي إما بدأت عن طريق وسطاء أو أن هناك جهة ثالثة تقوم بتدوير الزوايا بينهما.

منذ توليها السلطة مررت الإدارة الأميركية الجديدة عدة إشارات إيجابية لطهران، بدأت من تعيين صديقها روب مالي مسؤولا عن ملف إيران في البيت الأبيض وصولا إلى تعيين الإيرانية الأميركية المثيرة للجدل آرين طباطبائي مستشارة للشؤون الإيرانية في وزارة الخارجية، وما بينهما تصريحات مسؤولين كبار من الإدارة تناولت موضوع الحوار مع طهران ولكن بلغة غامضة تحمل عدة أوجه للتفسير تشابه إلى حد بعيد الأسلوب الفارسي الإيراني الباطني في الكلام غير الواضح.

وفي هذا السياق كانت التغريدة التي نشرت على حساب وزارة الخارجية الأميركية يوم الإثنين الماضي أبرز إشارة أميركية رسمية عن استعداد واشنطن لفتح المجال الدبلوماسي مع طهران، حيث اختارت الخارجية أن تنقل ما قاله الرئيس جو بايدن عن السياسة الخارجية الأميركية باللغة الفارسية واستخدمت خط "نستعليق" الفارسي القديم في الكتابة، والتي جاء فيها "أميركا تعود... الدبلوماسية تعود إلى مركز سياستنا الخارجية"، والملفت أن خلفية التغريدة كانت صورة بايدن، كما أن كلمة دبلوماسية كتبت لوحدها باللون الأصفر العريض، والجدير ذكره والذي يبعث الاستغراب أن التغريدة نشرت بعد ساعات من قصف مطار أربيل الدولي بصواريخ كاتيوشا حيث توجد قاعدة عسكرية أميركية.

في مسار التطبيع العلني الذي تتزايد مؤشراته في الآونة الأخيرة من قبل إدارة بايدن، إعلان مسؤول أميركي بأن واشنطن أبلغت بعثة إيران في الأمم المتحدة بأنها ستخفف قيود السفر على الدبلوماسيين الإيرانيين، الخطوة الأممية الأميركية لم تتوقف عند هذا الحد، ففي اليوم نفسه أعلنت واشنطن أنها وافقت على دعوة وجهها إليها الاتحاد الأوروبي للمشاركة في محادثات تحضرها إيران لبحث سبل إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس إن "الولايات المتحدة تقبل دعوة من الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي لحضور اجتماع لمجموعة 5 + 1 (الولايات المتحدة وألمانيا والصين وفرنسا وبريطانيا وروسيا) وإيران للبحث في الطريقة المثلى للمضي قدما بشأن برنامج إيران النووي".

في المقابل لم تزل طهران المحاصرة تتريث، ولم ترد بشكل واضح على ما يمكن وصفه بالخطوات الإيجابية الأميركية، حيث تعامل وزير خارجيتها جواد ظريف بحذر شديد وغرد قائلا إن "بلاده مستعدة للتراجع عن كافة الخطوات السابقة، إذا ما تم رفع العقوبات الأميركية التي فرضها الرئيس السابق دونالد ترامب". فبالنسبة لطهران العقدة تكمن في العقوبات الأميركية التي تقيد عمل كافة الدول الراغبة في التعامل مع إيران اقتصاديا، كما أن جميع الخطوات الأميركية وحتى التعيينات المثيرة للجدل ليس لها أي مردود إيجابي على طهران إذا ما قامت واشنطن بتخفيف الضغوط الاقتصادية عليها.

طهران التي تتهم المجتمع الدولي وخصوصا الأوروبيين بأنهم تخلوا عنها وتخلوا عن التزاماتهم التي وقعوا عليها في الاتفاق دون أن يعلنوا انسحابهم منه، تضعهم في الخانة الأميركية، حيث تشدد طهران على ضرورة عودة واشنطن إلى التزاماتها التي وقعت عليها سنة 2015 كشرط مسبق قبل الذهاب إلى المفاوضات.

في المفاوضات السابقة استخدمت طهران أسلوبها الغامض، استدرجت واشنطن إلى ملعبها التفاوضي، أخذت أكثر مما أعطت، استثمرت حاجة باراك أوباما إلى تحقيق إنجاز تاريخي، تمكنت من عزل أطراف دولية وإقليمية عن المفاوضات، ولكنها الآن تواجه ارتيابا أوروبيا من أي خطة تفرد أميركي، وإضافة إلى ارتباك أميركي داخلي وخارجي غير قادر على إعطائها ما تريد في الشكل الذي تريد والوقت الذي تريد. وهذا ما يحول دعوات التطبيع التفاوضية إلى ثقل دبلوماسي عليها كأنه كلام حق يراد به باطل.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.