شملت المطالب السياسية استقلال القضاء وحرية الإعلام والعدالة الاجتماعية
شملت المطالب السياسية استقلال القضاء وحرية الإعلام والعدالة الاجتماعية

بحلول 20 فبراير 2021، تكون قد مضت عشر سنوات على هبّة "الربيع العربي" في المغرب، المعروفة باسم "انتفاضة 20 فبراير". وهي مناسبة للتساؤل عن أسباب عدم اكتمال الحلم والفشل في تحقيق الآمال بالديمقراطية والحرية الموعودة، التي أتت بها الانتفاضة في غمرة الثورات الشعبية التي شهدتها المنطقة العربية.

معلوم أن فتيل الاحتجاجات الشعبية العربية انطلق من تونس، يذكيه غضب ساطع ضد البطالة والتهميش والفساد والاستبداد. لقد "أرادت" الشعوب الحياة والحرية، لكن هل استجاب لها القدر لما "أرادت"، كما أنبأنا الشاعر التونسي العظيم أبو القاسم الشابي؟ 

ما تبين هو أن الصورة كانت مضللة حين نظر إليها الجميع، وكأن الشعوب العربية تحرّرت من عقدة الخوف، وأنها بالتكاثف الجماهيري والقبضات المرفوعة والهتافات الثورية، قادرة على التغيير لتحقيق الديمقراطية وإصلاح النظام السياسي.

لكن النتائج أتت متفاوتة، بل إن بعضها صبغ بفوضى وعنف، تلاه قمع شديد أسفر عن نزاعات دامية في بعض البلدان. هكذا تشظى الحلم ليسود الشعور بالإحباط، ويتحول "الربيع العربي" إلى خريف بائس، وسراب.

لم يدم الترقب طويلا في المغرب، عندما تمت الدعوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للالتحاق بركب "ثورات الربيع العربي"، وبعد أقل من أسبوع من الثورة المصرية، وأكثر من شهر على انتصار الثورة التونسية، في 20 فبراير 2011 انتفضت أبرز المدن المغربية.

وعلى مدى أشهر اقتربت من العام توالت الاحتجاجات المنظمة مستقطبة فئات مختلفة من المجتمع بكل الجهات، حررت الفضاء العام ورفعت مطالب جذرية بالتغيير.

 

صعود وتراجع 


تحت شعار "ديمقراطية الدولة والمجتمع" جاءت الدعوة للنزول إلى الشارع من لدن شبان أغلبهم غير منتمين سياسيا، لكن ميولات بعضهم قريبة من التيارات اليسارية والحركات الإسلامية. 

وشملت المطالب السياسية للحركة الفصل بين الثروة والسلطة، واستقلال القضاء وحرية الإعلام والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة واحترام حقوق الإنسان، وإقامة ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم. كما غلبت السمة المدنية والسلمية على الاحتجاج، إذ لم تحدث أعمال تخريب للممتلكات العامة. كان المشاركون بالآلاف ومن مشارب فكرية وسياسية وإيديولوجية متعددة، إسلاميون وعلمانيون وحقوقيون ومستقلون، انخرطوا في تنسيقيات للحركة بمدن وجهات البلاد، وتوحدوا تحت لافتات محاربة الاستبداد والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وسرعان ما التف حول الحركة أعضاء من أحزاب اليسار، فاليسار مبدئيا هو أب الحركة الحقوقية في المغرب، والمطالب التي رفعتها الحركة هي مطالب اليسار التاريخية. فحصل تشكيل مجلس وطني لدعم ومساندة "حركة 20 فبراير"، ضم شخصيات يسارية وحقوقية معروفة، ثم فتحت مقرات حزب اليسار الاشتراكي الموحد، والمركزية العمالية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أمام التنسيقيات المحلية للحركة. كان واضحا الجهد الاستقطابي صوب شباب الانتفاضة.

لكن بعد قرار انسحاب التنظيم الإسلامي المعارض "جماعة العدل والإحسان" (غير المرخص لها)، تراجع عدد المشاركين في المظاهرات وضعفت الحركة، وإن لم يخفت وهجها السياسي، وقوة مطالبها المتصلة بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وتصور الناس أن الحكومة تستجيب للشباب وتخطط لإشراكهم في حوارات تخص الأوضاع. لكن الاستخبارات لم تتوان في تسخير متعاونين من النشطاء لاختراق الحركة. لتكون النتيجة هي انسحاب نسبة كبيرة من شباب الحركة بعد وعود النظام بالإصلاح، وتوجس كثيرون من حصول انزلاقات دامية مماثلة لما حصل في سوريا واليمن وليبيا. وانخرط عدد آخر في الأحزاب القائمة، مثل "اليسار الاشتراكي الموحد"، وانتسبت ثلة إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه مستشار الملك. وتم إسكات باحثين عن حلول فردية بتوظيفهم وحل مشاكلهم المادية. ووجد آخرون أنفسهم متابعين أمام المحاكم. في حين اختار ملاحقون من الأجهزة الأمنية اللجوء إلى فرنسا وبلجيكا واسبانيا والولايات المتحدة الأميركية. بعد فترة اعتقل أحد وجوه الحركة ممن سلطت عليهم أضواء الإعلام (أسامة الخليفي) بتهم المثلية والعربدة. في حين أن الإسلامي المنشق عن "العدل والإحسان"، سعيد بن جبلي، من رموز "20 فبراير"، هاجر إلى أميركا، وأصيب لاحقا بمرض نفسي، جعله يخرج على الناس عبر اليوتيوب مدعيا النبوة.

 

معتقلون وأحكام قاسية


في البداية حصل ما يشبه الارتباك لدى أجهزة الدولة، يتفشى ذلك في التسامح الذي أبدته مع احتلال الفضاء العام والجهر بشعارات ومطالب لم تجرؤ عليها المعارضة، ومنها توجيه مطلب "ارحل" لعدد من الشخصيات في النظام والمعروفة بتحكمها في دواليب السياسة والاقتصاد. بعد حوالي أسبوعين سيجيئ خطاب الملك في 9 مارس، ويحظى بتفاعل واسع، على أساس أنه استجابة حكيمة لمطالب الشباب.

لكن المسيرات الاحتجاجية لم تتوقف، وتصاعدت وتيرة الاعتداء على حرية التظاهر السلمي لحركة 20 فبراير، كما حصل في مدن الدار البيضاء ووزان وطنجة وتطوان والرباط ومكناس والجديدة وأسفي والحسيمة. ما أدى إلى احتدام الوضع واعتقال المتظاهرين وتقديمهم إلى القضاء والحكم عليهم بأحكام وصفت بـ"الانتقامية والمبالغ فيها". وندد الائتلاف المغربي لمنظمات حقوق الإنسان بالأحكام الصادرة، وقالت "هيومن رايتس ووتش" بأنها أحكام "لم تكن عادلة". وارتفع عدد معتقلي الحركة، أكثر من 2000 ناشط - حسب منظمات حقوقية - ليطلق سراح أغلبهم ويحتفظ بالعشرات لمحاكمتهم بتهم التظاهر غير المرخص، أو الاعتداء على موظف عمومي، أو الاتجار في المخدرات. واتضح أن الهدف هو الإجهاز التام على "حركة 20 فبراير".


الموت حرقا ودهسا


لن ننسى شهداء "حركة 20 فبراير". ففي مدينة "سوق السبت أولاد النمة" (وسط البلاد)، أقدمت الشابة فدوى العروي على إحراق نفسها أمام مقر السلطة احتجاجا على إقصائها من لوائح الحصول على سكن لائق. وكان سبب الإقصاء كونها أم عازبة لا أب لطفلها الصغير. وسمتها الصحافة "شهيدة الحق في السكن".

وفي بني بوعياش (شمال المغرب) خلال "مسيرات 20 فبراير"، قتل الشاب كمال الحساني، الناشط في الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين، وتوفي الشاب محمد بودروة بعد تدخل أمني لتفريق اعتصام كان يقوده في جمعية للمعطلين بمدينة آسفي (غرب المغرب). وفارق الحياة أيضا الشاب كمال العماري بعد تدخل أمني استهدف مسيرة لـ"حركة 20 فبراير" في مدينة آسفي (جنوب الرباط)، والشاب كريم الشايب في نفس الظروف خلال مشاركته في مسيرة للحركة بمدينة صفرو (وسط البلاد).

وكان الشبان عماد القاضي وجواد بنقدور وجمال السالمي وسمير البوعزاوي ونبيل جعفر، ماتوا حرقا يوم 20 فبراير 2011 داخل وكالة بنكية بمدينة الحسيمة (شمال البلاد). كما صرحت عائلاتهم، إلا أن السلطات اتهمت الضحايا بمحاولة نهب الوكالة، ورفضت إطلاع الرأي العام على تسجيلات الكاميرات لكشف الحقيقة. ليضاف ضحايا "حركة 20 فبراير" إلى ملفات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في سنوات الرصاص، في مشهد مدان عنوانه: "غياب الحقيقة والإفلات من العقاب".

 

بين الدستور الممنوح والعرفي


كان للإصلاحات التي جاء بها خطاب الملك محمد السادس بعد أسبوعين من 20 فبراير، أثر في تنفيس الضغط. وهمّتْ الإصلاحات إعلان دستور جديد وإجراء انتخابات جديدة. ورغم مؤاخذات "حركة 20 فبراير" والمعارضة الراديكالية على المشروع الدستوري الممنوح، ودعوتها لمقاطعة التصويت عليه، فقد اكتشف أن الأمر لم يكن سوى مناورة سياسية، فالدستور الجديد رغم ما يؤاخذ عليه، يبقى متقدما على نصوص مماثلة في المنطقة. لكن معارضيه سيفاجؤون بأنه لا يطبق، وأن تفعيله وإجراءاته أكثر من بطيئة، ويتطلب تنزيله أكثر من عشرين قانونا تنتظر التشريع، ما ترك المجال للنظام بالاستمرار في نهج ما سمي بـ"الدستور العرفي" الذي يعني الحكم المطلق. حسب المعارض البارز المحامي عبد الرحمان بنعمرو.

ربح دستور 2011 الاستفتاء، وفاز حزب العدالة والتنمية الإسلامي بالانتخابات، ليشكل الحكومة لأول مرة في تاريخ المغرب، وسمحت الانتخابات الموالية في 2016 للإسلاميين بولاية ثانية على رأس الحكومة. إذ هم من جنوا ظلما ثمار "الربيع المغربي".

 
في سنة 2016 ستتجدد الانتفاضات في شمال المغرب بمدينة الحسيمة، بعد مقتل الشاب محسن فكري، الذي قضى في مشهد مأساوي سجلته كاميرات الهواتف، في حاوية أزبال رمت فيها القوات الأمنية أسماكه التي كان يبيعها ليعيل أسرته. ليندلع إثرها "حراك الريف"، وهو الحراك الذي حوصرت فيه المنطقة عسكريا، واستمر حوالي ستة أشهر من الاحتجاجات السلمية ذات المطالب الاجتماعية البحتة، لكن السلطات قررت إنهاءه قمعيا باعتقال قادة الحراك والحكم عليهم بأحكام قاسية بلغت عشرون سنة.

لم يتوقف احتجاج الشارع المغربي، واستمر رصيف مبنى البرلمان منصة يومية للتظاهر، تؤمها أعداد من المحتجين من مختلف أنحاء البلاد، من بينهم قدماء الجنود المحاربين في الصحراء، الذين اعتصموا أشهرا حول محيط البرلمان احتجاجا على معاشاتهم الضئيلة التي لا تكفي لسد الرمق.

وعرفت أيضا مقرات المحافظات والسلطة احتجاجات ضد غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، وضد ناهبي المال العام، وضد استمرار الاعتقال السياسي والإفلات من العقاب. وانضمت أعداد كبيرة لحملات المقاطعة الاقتصادية، مثل حملة المقاطعة التي طالت شركة الماء المعدني "سيدي علي"، وشركة "دانون سنترال" للحليب ومشتقاته، وشركة المحروقات "أفريقيا غاز".

بعدما ظن البعض أن حركة "20 فبراير" انتهت، انطلقت الاحتجاجات الشعبية في مناطق نائية ظلت لعقود تعاني من الإقصاء والتهميش، مثل مدينتي جرادة و ورزازات، فلجأت الدولة إلى القمع والعقاب والاعتقال والمحاكمات الصورية وإصدار الأحكام القاسية في حق النشطاء، ضمن رسائل واضحة ومشفرة للردع والترهيب.

أمام هذا المشهد المحتقن، اعترف الملك، بمناسبة الذكرى العشرين لجلوسه على العرش (30 يوليوز 2019) بفشل النموذج التنموي الذي نهجته البلاد منذ الاستقلال، مشيرا إلى أنه لا يواكب "الحاجيات المتزايدة لفئة من المواطنين". ونصب لجنة لإعداد تصور نموذج تنموي جديد. وقد عطلت الجائحة إعلان النموذج المنتظر. لكن آلية القمع لم تتوقف ولم تهدأ، بمتابعة عدد من المدونين والصحفيين المستقلين والمعروفين بانتقاداتهم للنظام، (توفيق بوعشرين وحميد المهداوي وعمر الراضي وسليمان الريسوني)، وزاد عنف السلطة بعد إعلان حالة الطوارئ الصحية في مستهل مارس 2020، ولم تتردد السلطات مؤخرا، في سجن أكاديمي بتهم غير مقنعة (الدكتور المعطي منجب)..

 

حركة لن تموت!


خارج التنظيمات والأحزاب التقليدية، التي وصفها المعتقل ناصر الزفزافي قائد حراك الريف بـ"الدكاكين السياسية" وينعتها المواطنون بـ"الانتهازية وبكونها فاقدة للصلة مع الواقع"، أصبح الشارع يمتلك قدرات ذاتية عبر وسائط الاتصال الرقمي، تعكس مستوى الوعي السياسي لدى المواطنين، وتساهم في الإعلام الشعبي، وتمكن من التعبئة الجماهيرية للتعبير عن عدم الرضا المتزايد ضد السياسات العامة. وصارت مطالب "حركة 20 فبراير" مرجعية للحركات الاحتجاجية العديدة التي نشأت في السنوات الأخيرة بنفس الشعارات والأهداف.

 بعد عقد من الأعوام، لا تبدو "الحركة" اليوم مثل حدث تاريخي عابر وبعيد، مرَّ وانطفأ. فالأسباب التي انبثقت من صلبها الحركة لا زالت شاخصة من غير جواب، خصوصا مع فقدان الأحزاب السياسية لمصداقيتها وضعف خطابها. ما يؤشر الآن إلى تفاقم الاحتقان الاجتماعي، وما يحيل إلى عودة سنوات الرصاص في عهد الراحل الحسن الثاني، بل يشي باحتمالات مقاطعة واسعة للانتخابات المقبلة، بعدم المشاركة في الانتخابات المقررة هذه السنة، إن لم يتم تأجيلها كما يروج.

وحسب الشاعر المغربي أحمد بنميمون تطل الحركة مثل "نار تحت الجلد". فليست فاجعة طنجة قبل أسبوع، التي أزهقت فيها أرواح أكثر من 28 عاملة غرقا في قبو معمل غير قانوني للمنسوجات، وقبلها في 2017، سقوط أكثر من 15 امرأة وإصابة عدد آخر منهن، أثناء تدافعهن من أجل كيس دقيق في منطقة سيدي بوعلام بنواحي مدينة الصويرة (جنوب المغرب). في نشاط إحساني لتنظيم دعوي إسلامي، وغيرها من الفواجع التي تكاد تكون دورية، إلا دليلا على أن واقع القهر والفساد وغياب تطبيق القانون يستهدف أرواح الضعفاء المقهورين من الفئات الشعبية، وبأن ما خرج من أجله شباب "20 فبراير"، لم يكن مجرد صدى لما جرى في بلدان "الربيع العربي".

في هذا الصدد تقول سناء. م. من نشطاء "20 فبراير" إن "حركة 20 فبراير" لم تكن أبدا مجرد سحابة صيف، وبأن الأمل راسخ في استعادة الحركة لزخمها الشعبي ولتوهجها المنير، خصوصا مع السخط الشعبي العارم لسياسة النظام التي يتولى تصريفها اليوم الإسلاميون".

وتضيف سناء: "إن من يبحثون عن نموذج تنموي بديل عليهم الرجوع إلى بيانات "حركة 20 فبراير"، فالحل هو الديمقراطية، ولا شيء غير الديمقراطية".

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!