People wear face masks to protect against the spread of the coronavirus in front of a banner showing Saudi King Salman, right,…
People wear face masks to protect against the spread of the coronavirus in front of a banner showing Saudi King Salman, right, and his Crown Prince Mohammed bin Salman, outside a mall in Jiddah, Saudi Arabia, Friday, Feb. 5, 2021. In Saudi Arabia,…

تمضي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، في توضيح معالم رؤيتها للعلاقة الأميركية – السعودية. فمع كل موقف وتصريح يصدر عن أركان هذه الإدارة، ترتسم ملامح هذه العلاقة، وتتضح محدداتها، وتتبلور "المعادلات" الناظمة لها، وأهمها اثنتان:

الأولى تنهض على فكرة الجمع بين "مصالح" واشنطن و"قيمها".
والثانية تتعلق بكيفية إدارة هذه العلاقة، بأقل قدر من "التفاعل" مع الرجل الأقوى في النظام السعودي، ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان.

لم تترك إدارة بايدن مجالاً للشك، في أن لها من المصالح الكبرى في السعودية، ما يملي عليها الحفاظ على هذه العلاقة، وتمتينها. فالدولة الأغنى في المنطقة، والمُورّدِ الأول للنفط في العالم، صاحبة الدور القيادي في الخليج والعالمين العربي والإسلامي، لا يمكن تركها وإدارة الظهر لها... الفراغ الأميركي في السعودية، والخليج استتباعاً، ستملأه بالضرورة، قوى دولية منافسة لواشنطن، ولاسيما الدولتان اللتان تتصدران قائمة "مهددات الأمن القومي الأميركي" في العالم: روسيا والصين... هذا ليس خياراً. لم يكن كذلك بالنسبة للإدارات الأميركية المتعاقبة من ديمقراطية وجمهورية، ولن يكون خياراً لهذه الإدارة والإدارات المقبلة، أقله طالما ظلّ النفط، سلعة استراتيجية، وطالما ظلت المملكة تتمتع بدورٍ قيادي في سوق الطاقة العالمي.

لكن هذه الإدارة التي حازت على ثقة ثمانين مليون أميركي، بشعارات تنتمي في معظمها لـ"منظومة القيم الأميركية"، من ديمقراطية وحقوق إنسان وسيادة القانون، لن يكون بمقدورها أن تضرب عرض الحائط بكل ما "بَشّرت" به، وهي تنسج خيوط علاقاتها الدولية مع حلفاء "إشكاليين" في منطقة الشرق الأوسط، لم يُعرَف عنهم يوماً، احترامهم لهذه القيم أو حتى اعترافهم بها.

وثمة سبب آخر، يجعل التخلي عن هذه المنظومة القيمية، أمراً مكلفاً لواشنطن وسياستها الخارجية، فهي إن أرادت تفعيل "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية"، كإحدى أدوات "قوتها الناعمة" في المواجهة الأكبر مع أعدائها: الصين وروسيا، لا يمكنها غض الطرف عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان من قبل حلفائها، ومن دون أن تقامر بفقدان مصداقيتها.
لذلك كله، لم تترك هذه الإدارة مجالاً للشك في استمساكها بالمعايير القيمية والحقوقية، وهي تصوغ علاقاتها مع المملكة، فلا يكاد يصدر تصريح واحد من واشنطن حول السعودية، إلا ويبدأ أو يُختتم، بإبراز هذا "المكون" في العلاقة بين البلدين، وتلكم معضلة بحد ذاتها. فلا السعودية قادرة على مجاراة واشنطن في دعواتها ومطالباتها، ولا الأخيرة، بوارد التسليم للرياض، بأن تفعل ما تشاء في الداخل والخارج.

عقدة ولي العهد

ويزداد مشهد العلاقة الأميركية – السعودية تعقيداً، بالنظر للدور المركزي الحاسم، الذي يلعبه رجل النظام القوي، الأمير الشاب محمد بن سلمان. فخطوط القوة والسلطة والثروة، تجمعت بين يديه كما لم يحصل لأي ملك أو ولي عهد في تاريخ المملكة الحديث، وأي محاولة للقفز من فوقه، تبدو ضرباً من العبث، وتجعل من صاحبها كمن يدفن رأسه في الرمال.

والأهم من كل هذا وذاك، أن الرجل ارتبطت باسمه شخصياً، ما تعدّه واشنطن، أبشع وأخطر انتهاكات الداخل ومغامرات الخارج... باسمه شخصياً، ترتبط حملات الاعتقال لمعارضين ورجال أعمال ورجال دين وأمراء (بعضم من أقرب الأصدقاء لواشنطن)... باسمه شخصياً، ارتبطت الحملة على ناشطي وناشطات حقوق الإنسان والمدافعين عن حقوق النساء وحرياتهن... باسمه شخصياً، ارتبطت الجريمة الأبشع ضد كاتب في صحيفة أميركية ومقيم على الأرض الأميركية: جمال خاشقجي... وباسمه شخصياً، ترتبط بعض قضايا الفساد من العيار الثقيل: يخوت وقصور ولوحات فنية، بمئات ملايين الدولارات.

أما في الخارج، فباسم ولي العهد، ارتبطت الحرب على اليمن، والتي تسببت بأكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث، ما زالت فصولها مستمرة حتى يومنا هذا، مع كل ما رافقها من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية... وباسمه شخصياً، ارتبط الحصار الذي ضُرب على قطر، وما رافقه من معلومات، تحدثت عن خيارات كان من بينها تدبير انقلاب وشن اجتياح للإمارة الصغيرة.

كل هذا وغيره، بات معروفاً للإدارة الجديدة، التي وعدت بـ"الكشف عن المستور"، وتحديداً ما اتصل بجريمة اغتيال خاشقجي، حيث ستكون العاصمة الأميركية والعالم، على موعد قريب مع الكشف عن تقارير استخبارية أميركية، أخفتها إدارة ترامب، تتصل بمسؤولية ولي العهد عن مقتل الكاتب في الواشنطن بوست، والتي تقول "التسريبات" بشأنها، بأنها تراوح ما بين مسؤولية "متوسطة" و"عالية".

إزاء وضع كهذا، لن يكون كافياً، أن يقرر الرئيس بايدن، حصر اتصالاته السعودية بالملك شخصياً، وتخطي ولي العهد، الحاكم بأمره. صحيح أن قراراً كهذا، له ما يفسره من الناحية الشكلية و"البروتوكولية"، وربما يرفع الحرج عن بايدن شخصياً، لكن الصحيح كذلك، أن ما من مسألة يمكن حسمها، لا في ملف العلاقات الثنائية بين البلدين، ولا في غيره، من دون أن تحظى بقبول وإقرار من الأمير محمد بن سلمان. تلكم عقدة في ملف العلاقات الثنائية بين البلدين، بحاجة لـ"منشار" كبير لحلها، والمؤكد أنه لن يكون من النوع الذي استخدم لتقطيع جثمان الصحفي السعودي.

كيف ستتصرف واشنطن؟

من الواضح تماماً، أن إدارة جو بايدن، تفضل سيناريو انتقال العرش السعودي، إلى أمير آخر، غير ولي العهد، لكن المسافة بين التفضيلات والقدرة على تحقيقها، لا تبدو قصيرة، أو من النوع الذي يسهل اجتيازه. فالرجل بنى لنفسه، قاعدة سطوة ونفوذ، يصعب تفكيكها، وأظهر أنه قادر على تحطيم قلاع النظام القديم، بأقل قدر من المقاومة، فلا "المؤسسة الدينية المحافظة" أظهرت قدرة على المواجهة والصمود في وجه رياح التغيير التي عصفت بمكانتها، ولا "العائلة الملكية الممتدة" برهنت أنها قادرة على احتواء "الطوفان" الذي أطاح بكبارها، وتركهم خلف القضبان، ولا مجتمع رجال الأعمال، الطفيلي، الذي نما على جذع "الأعطيات" و"العطاءات" الحكومية، أظهر تماسكاً جدياً في مواجهة ما ينتظره، بل سرعان ما تكيف مع معطيات المرحلة الجديدة، بحثاُ عن فرصٍ جديدة.

في وضع كهذا، يبدو أن واشنطن، ستواصل الضغط على ولي العهد وعزله ما أمكن، بهدف "إحراجه على أمل إخراجه"، لكنها في الوقت نفسه، لن تقطع حبال التواصل معه، وإن على مستوى "دون رئاسي"، وستُفعّل في المقابل، صلاتها مع "المؤسسات" السعودية، من أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية ومالية، في محاولة منها لشق "طرقٍ التفافية" من حوله. فالمصالح التي يتعين الحفاظ عليها، تملي خياراً كهذا، لا بل أن واشنطن لم تتردد في تأكيد جاهزيتها، للحفاظ على أمن المملكة وسلامتها، في وجه أية تهديدات خارجية، معيدة إلى الأذهان ما سبق للرئيس باراك أوباما أن أبلغه لقادة دول الخليج الست (أو من ناب عنهم)، حين التقاهم في منتجع كامب ديفيد، في مختتم ولايته الثانية: واشنطن ملتزمة بحماية المملكة ودول الخليج من التهديد الخارجي، أم التهديدات الداخلية، فهي من مسؤولية قادة هذه الدول للتعامل معها، في إشارة مباشرة لملف الديمقراطية والحوكمة الرشيدة وحقوق الإنسان والحريات العامة.

وربما تكون واشنطن تسعى بلجوئها إلى "معادلة" كهذه لتنظيم علاقاتها مع السعودية، إلى تشجيع العائلة الملكية على التدخل، لتغيير سلسلة انتقال الحكم بين أفرادها، وثمة أصوات في واشنطن، بدأت تستذكر ولي العهد السابق، الأمير محمد بن نايف (قيد الاعتقال أو الإقامة الجبرية)، بوصفه الصديق الأفضل لواشنطن، والحائز على أرفع أوسمتها، عرفاناً بجميله في إنقاذ حياة أميركيين كثر، وتدعو لممارسة أقصى الضغوط للإفراج عنه، بل ومساعدته للعودة إلى قمة هرم السلطة والعائلة.

وستواصل إدارة بايدن سعيها الديبلوماسي بحثاً عن حلول لبعض الأزمات المشتعلة في المنطقة، من دون انتظار "الضوء الأخضر" السعودي، حتى وإن جاءت أحياناً بالضد من رغبة المملكة، أو وفقاً لحساباتها... في هذا السياق، يندرج بحث واشنطن عن حلٍ تفاوضي للقضية الأهم والأكثر تفجراً في الإقليم: برنامج إيران النووي، وما يحيط بها ويتفرع عنه من قضايا وتحديات... وفي السياق ذاته أيضاً، تأتي انتباهة واشنطن المبكرة، للأزمة اليمينة، وإصرارها على تسريع المسار الديبلوماسي، وتأكيداتها المتكررة بأن "لا حل عسكرياً" لهذه الأزمة، ومبادرتها إلى رفع جماعة أنصار الله الحوثية من لوائح الإرهاب، وتنشيط قنوات التواصل "غير المباشر" معها، كما كشف تيموثي ليندركينغ، في الوقت الذي كانت فيه الجماعة، تُصعّد من وتيرة هجماتها على المملكة، وتخوض أعنف المعارك، منذ اندلاع الحرب في اليمن وعليه، لبسط سيطرتها على محافظة مأرب الاستراتيجية.

خلاصة القول: أن العلاقة بين الرياض وواشنطن، في وضع صعب ومعقد للغاية، وربما لم تجد المملكة نفسها خلال السبعين عاماً الفائتة، في وضع "حرج" كالذي تمر به اليوم، لاسيما وأن علاقتها مع الدولة الأعظم في العالم، كانت على الدوام، شبكة أمانها، وأحد أهم عناصر قوتها واستقرارها، وأهم مداخل دورها الإقليمي والعالمي.

وستواجه واشنطن حرجاً أشد في علاقتها مع الرياض، عندما تحين لحظة انتقال السلطة في المملكة، في حال عجز الملك عن أداء مهام منصبة، إما بالوفاة أو لاشتداد وطأة المرض عليه، وهذا سيناريو لا يمكن استبعاده، وقد يحدث في أية لحظة، عندها ستكبر "عقدة ولي العهد" وتتضخم، وسيتعين على البلدين إما الاكتفاء بالحد الأدنى من هذه العلاقات و"التكيف" مع كل ما قد تشهده من صعود وهبوط، أو الالتقاء في "نقطة ما" بين مطالب واشنطن واستجابة الرياض، الأمر الذي يستوجب حكماً، تخلي الأولى عن مبادئ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، وجنوحها لطي صفحة الماضي، على قاعدة عفا الله عمّا سلف، وفتح صحفة جديدة، تحتمل تخفيف حدة انتهاكات الداخل ووقف مغامرات الخارج.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!