شجاعتكم ورفضكم للاحتلال وحده يحمينا
شجاعتكم ورفضكم للاحتلال وحده يحمينا

"الناس متساوون... لكن بعضهم أكثر تساويا من غيرهم"  - أورويل
"الناس شرفاء، لكننا أشرف من الناس" - حزب الله


الله يحميكي
انتبهي لحالك
غادري لبنان لفترة
لا تتنقلين ليلاً
اتركي منزلك لفترة
خذي سيارتك
لا تأخذي سيارتك

 

اعتدت على الدعاء لي بحمايتي وضرورة أخذ الحيطة والحذر. لكن مؤخراً أصبحت هذه التحذيرات كـ"المرحبا"، من أشخاص لم يتصلوا بي من قبل أو لا اعرفهم عن قرب. من مختلف الطوائف والأوساط، وعلى مختلف وسائط التواصل.

ما الذي يجري في لبنان؟ وكيف نقبل على أنفسنا أن نتحول مجدداً الى مجموعة "عشر عبيد زغار"، كل ينتظر متى سيطاله القاتل الطليق؟ 

من يغطي على قتلنا؟

سبق لفؤاد عجمي أن وصف عراق صدام بـ"جمهورية الخوف". وها نحن في جمهورية الخوف لصاحبها حزب الله، حزب المقاومة الذي حرّرنا "من الاحتلال الاسرائيلي"! وزرع فينا الخوف، فيعلّق في زوايا شوارع بيروت صورة قادته الثلاثة المغتالين، ويكتب أسفلها "دام رعبكم". المقاومون المؤمنون، يمجدون إرعاب الناس.

قُتِل لقمان سليم. قتلته إسرائيل لأنه عميلها! ما هذه الإسرائيل التي تغتال نخبة عملائها لأذية حزب الله!! لأن قتله سيوجه أصابع الاتهام اليه. اعتدنا أن يوجه، هذا الاخير، الاتهام إلى إسرائيل عند كل شاردة وواردة! إلا تفجير المرفأ، إسرائيل منه براء! مع أنه الحدث الذي سبب أكبر أذى لحزب الله. 

يعاتبنا السيد نصرالله: المتهم بريء حتى تثبت ادانته، فما بالكم تدينوننا؟ عند اغتيال الحريري لم توجه أصابع الاتهام إلى حزب الله "المقاومة" تنزيهاً له، بل الى الأجهزة الأمنية بالتعاون مع النظام السوري. لكن الحكمة فعلت ذلك. لذا التذاكي لن ينفع مجدداً هنا.

لقمان سليم خائن وعميل. عظيم، لنسأل أنفسنا بماذا كان لقمان يخدم إسرائيل؟ أية معلومات ستكون لديه ولا توفرها لها طائرات التجسس التي لا تترك سماءنا؟ بماذا يمكنه أن يتجسس على حزب الله وهو عدوّه العلني؟ هل يمكنه أن يعرف متى ستصل شحنات الأسلحة مثلاً أو أين ستخزن الصواريخ؟ من يخدم إسرائيل أكثر لقمان من خارج الحزب أو واحد من داخله؟ وكل من أدينوا علناً أو سراً تبين إنهم إما من داخل الحزب او من الحلفاء. وبعضهم حوكم وحُكم لرفع العتب وأطلق سراحه.

لم ينجح السيد نصرالله بإقناعنا أن إسرائيل تقتل عملائها. ولم يطلعنا على حادثة واحدة أو اسم. 

 

العمالة تهمة جاهزة لمن يقف في وجه هيمنة حزب الله

 

أخبرنا، نحن الذين نقرأ الكتب ونقتنيها، أن إسرائيل قتلت يهوداً من أجل مشروعها. بالطبع الحركة الصهيونية فعلت ذلك في العراق وغير العراق. وبتواطؤ من الأنظمة وعملائها في الداخل. وجميع الانظمة التوتاليتارية على غرار الاتحاد السوفياتي أو الصين تفعل ذلك، كما إيران التي قتلت وتقتل آلاف الشيعة والإيرانيين، منذ نجاح الثورة، وحتى الآن من أجل إنجاح مشروعها. وإذا اعتمدنا على ما نقرأ هناك علامات استفهام حول من اغتال مصطفى بدر الدين أو عماد مغنية وغيرهما. أما الإعدامات فبالآلاف وتستخدم رافعات البناء لتعليقهم لكثرة أعدادهم. حتى المعارضين السياسيين يستدرجون إلى العراق ويخطفون ويعدمون. أما الاغتيال للمعارضين في الخارج فلا تزال محاكمة أسد الأسدي في بلجيكا طازجة.

أيضا تخبرنا الكتب، كما جنوبيون، عمن اغتال حسين مروة وحسن حمدان وغيرهما من الشيعة..

لكن العمالة تهمة جاهزة لمن يقف في وجه هيمنة حزب الله ومن يرفض استخدام لبنان مطية ورهينة بقوة السلاح والترهيب لبيعه لإيران كي تتبجح بأنها تحتل لبنان والعواصم الثلاث الاخرى.

لكن كل هذا لن يخيفنا. ربما رهانكم إخافة البيئة الحاضنة وقمعها. ليس فقط إسكاتها، بل لدفعها لرفع تهمة العمالة عنها كي لا يفسر سكوتها رفضاً لممارسات "المقاومة". فتهرع لتشيطن الضحية بالمزايدة في كيل الشتائم والسباب وتوزيع الحقد والشماتة. ارتبك السيد نصرالله بعد تذكيره أن الإمام عليّ أسكت السبابين. فما فهمناه أمس "لا تسبوا ولكن لا تتوقفوا تماماً". على غرار "تعى ولا تجي". وحصر الشتائم بالفريق المشيطن.

أما ردود الفعل التي تعبر عن الحقد والشماتة باستشهاد لقمان وسليم ومن سبقه، فلقد أخبرنا السيد بنفسه أن هذا لا يصدر سوى عن ضعفاء ومحبطين، بينما هم أقوياء!!

وأضيف أنها تصدر عن الأشخاص المتعصبين الذين يعانون من غياب كلي أو جزئي للحس الأخلاقي المعتاد تحت تأثير القائد أو المعلم الذي يتبعه المتعصب بشكل أعمى. فموضوع عبادة المتعصب، أي قائده، يجتاح مساحة الضمير كلها ما يجعل الحماس والسلوك المتطرف هو الطاغي في كل مرة يطال فيها موضوع عبادتهم.

حرام، ماذا فعلتموه بالشيعة الذين كانوا أهل ثقافة وعلم ووطنية وانتماء ووفاء للبنان؟ لبنان الذي كان أول دولة اعترفت بهم كمواطنين في دولة ديموقراطية لهم نفس الحقوق كغيرهم بعد اضطهاد العثمانيين لهم. صاروا رهائن حزب يتبع لدولة حاقدة على العرب وعلى كل ما هو عربي.

دولة لا تسامح كون الإسلام، الذي تبنته كدين، عربي ونشأ في بيئة عربية. ويزعجها ان القرآن نزل باللغة العربية على نبيّ عربي. وكي تخفف من تناقضها الوجداني ambivalence لتبنيها دين وثقافة البيئة التي تكرهها وتنافسها، ولكي تخفي هذا "التماهي مع المعتدي"، قامت بتشويه الإسلام وتحويره، فطبقته على هواها بدمغة فارسية، وأدخلت عليه ولاية الفقيه. تبنت تشيعاَ بعيداً عن تشيّع علي، (وهذا نفصله في مناسبة أخرى)، وفرضته بالقوة على شعبها السني أيام الدولة الصفوية. تمايزاً عن تشيع العرب وعن منافستها العثمانية.

على كل لما استطاعت وضع يدها على لبنان بقدرة حزب الله وحده. ولما استطاع حزب الله التبجح بشرعيته دون وجود فئة قايضت مصلحتها بالسيادة. والآن عندما يقف البطريرك واللبنانيون عاجزين أمام المخاطر المهلكة التي تحيطنا من كل صوب، فيطالبون باللجوء الى الشرعية الدولية عبر الأمم المتحدة لحماية ما تبقى من لبنان؛ ينصّب السيد نفسه مقرراً عن اللبنانيين جميعاً: "الدعوة إلى قرار دولي تحت الفصل السابع دعوة للحرب والخراب ولا يجوز السكوت عنه!!، وما حدا يمزح بالموضوع". وأيضا: الحديث عن التدويل من خلال أخذ الملف اللبناني الى الأمم المتحدة يضر بلبنان وسيادته ويعقد الامور! يهددنا بالعنف حرفياً! اين السيادة هنا؟ 

حزب الله ضد التدويل في الوقت الذي يدوّل فيه نشاطاته عبر الكرة الارضية. وضد الحياد فيما يتدخل في شؤون عدد لا يستهان به من الدول العربية. أما السيادة، فحدث ولا حرج: حزب يحكم لبنان فيما يعلن أن عقيدته وتمويله وسلاحه وأكله وشربه و1300 دولار التي يقبضها أمينه العام شهرياً تأتيه من إيران! وعاش لبنان سيداً حراً في كنف الاحتلال الإيراني!!

أتوجه الى السياديين الحقيقيين من الثوار، وغيرهم من الذين لا يرون سوى بنصف عين ويدينون الفساد ونقطة عالسطر.

أي تهمة أخف يا سادة؟ تهمة الفساد أو تهمة الخيانة العظمى؟

 

الخوف في هذا الحالة لا يحمي، تماما كما الخضوع للابتزاز

 

وأسأل كل لبناني وطني ويعد نفسه سيادياً ويريد المحافظة على لبنان واسترجاعه، ماذا نسمّي من يغطي فئة تتكلم باسم دولة أجنبية وتخضع لها وتتحكم بنا لصالح تلك الدولة؟ هل تتوهمون أنكم بصمتكم ستفلتون من تهمة الفساد وتحافظون على أموالكم؟ وتحفظون مستقبل أولادكم؟

وأعود الى سؤالي: هل عليّ أن أخاف؟ وهل تشكّل كتاباتي خطراً على حياتي؟

بداية الخوف هو إشارة من غريزتنا الحيوانية أمام خطر ما. هذا النوع من الخوف يحفظ لنا حياتنا. نخاف من حيوان مفترس، فنختبئ. الخوف يسمح بتكيف بعض الأنواع بالبقاء أمام المخاطر التي قد يتعرضون لها وتهدد حياتهم. لكن هناك أنواع أخرى من المخاطر التي لا يدركها الكائن الحي لأنها لا تثير الخوف لديه، بعض أنواع الرياضة أو النشاطات. لكن لوائح هدر الدم، سواء لشيعة السفارة، أو لمن يعرف خفايا المرفأ، جاءت لتنبهنا وتثير خوفنا وتسكتنا. هناك 3 أو 4 جرائم ترتبط حتى الآن بالمرفأ بانتظار تحقيقات موثوقة.

والخوف يبدأ بعدم الاطمئنان الذي يفسد السلام الداخلي ويتسبب بالشعور باللااستقرار. وهي حالة انفعالية غير مريحة. ثم الخوف الذي تصعب السيطرة عليه، يتكثف تدريجياً فيبدأ من مجرد التوجس ثم الحذر والحيطة والخشية والريب والوجل والفزع؛ وصولاً إلى انفعال متسلط يصعب التخلص منه وضبطه وهو الارتياع والرعب. الرعب الذي يمكن أن يقودنا إلى القلق العميق وغير القابل للسيطرة. الخوف في هذا الحالة لا يحمي، تماما كما الخضوع للابتزاز.

لكني أخاف، أخاف على لبنان. وأقول للبنانيين الخوف والصمت هو الذي يقتلنا. قانون الصمت الذي يعني أن نعاني دون أن نقول شيئاً. ودون أن نثور ضد العنف الممارس سواء على الأشخاص أو على المجتمع. الصمت يسمح للمعتدين أن يفرضوا نظامهم مستفيدين من تخويفنا. وهذا ما يجعل العنف وممارسة كل شخص "يا رب نفسي"، معتادا ومقبولا. فيسود عندها الاستسلام واللامبالاة.

لذا الخطوة الأولى لما يجب أن يقوم به السياديون: كسر قانون الصمت كي يتراجع العنف ولنحمي المستقبل.

شجاعتكم ورفضكم للاحتلال وحده يحمينا. التفافكم حول المطالبة بصوت واحد: نعم للحياد، ونعم لاستعادة الدستور والطائف وقرارات الشرعية الدولة. نعم لنزع الغطاء على كل من يحمي الاحتلال ويعطيه شرعية. نعم للتنازل عن خلافاتكم الصغيرة، ونعم لكي تكونوا شجعاناً ولا تخافوا من المحاسبة تحت ميزان قضاء عادل مستقل.

وإلا إما نظل شهداء – أحياء بانتظار التنفيذ. أو لا يعود لبنان يستحق العيش والتضحية من أجله. إيران برّا.

سؤال يوجّه الى النيابات العامة ومراجعنا الأمنية والقضائية: عندما تنشر جهة ما لائحة بأسماء أشخاص تصفهم بالخونة والعملاء وتحرّض عليهم ويقتل أحد الذين في اللائحة، ألا يستدعي ذلك تحركها للتحقيق مع هؤلاء؟ أم ننتظر اكتمال لوائح القتل؛ لنستنتج: كانت لوائح اغتيال حقيقية إذا.
 

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!