نتانياهو شكر بوتين على إبرام الصفقة.
نتانياهو شكر بوتين على إبرام الصفقة.

الصفقة الثلاثية الروسية-الإسرائيلية-السورية الذي أطلقت بموجبها سوريا عن سراح امرأة إسرائيلية عبرت الحدود السورية، لقاء قيام إسرائيل بشراء كمية من لقاح Sputnik V المضاد لفيروس كورونا من روسيا بقيمة 1.2 مليون دولار للنظام السوري، تعكس من جملة ما تعكسه الأهمية المتزايدة للّقاحات المضادة للفيروس في العلاقات الدولية، والتفاوت الكبير في مكافحة الفيروس بين الدول الغنية والصناعية ذات الأنظمة الطبية المتطورة، والدول النامية غير القادرة على شراء اللقاحات لشعوبها والتي تفتقر إلى البنية التحتية الطبية والصحية الضرورية لمكافحة الفيروس بفعالية.

هناك فرق شاسع بين إسرائيل وسوريا في مكافحة فيروس كورونا. النظام الصحي الإسرائيلي لّقح حوالي نصف سكان إسرائيل، على الأقل بالجرعة الأولى من اللقاح، وهو إنجاز يعكس تقدم وفعالية هذا النظام. ولكن في سوريا، التي دخلت الحرب فيها سنتها الحادية عشرة، لم تبدأ بعد عمليات تلقيح السوريين. السوريون في بعض المناطق مشغولون بتأمين لقمة العيش، لأنهم يفتقرون إلى ما يسمى "بالأمن الغذائي"، أي أن هناك شريحة كبيرة من الشعب السوري تفتقر إلى الغذاء الكافي، وتقترب من الجوع، وفقا لتقارير صحفية وتقارير لمنظمات صحية دولية. 

المقارنة بين دولة صناعية وغنية مثل إسرائيل، ودولة مثل سوريا أفقرتها الطبقة السياسية والاقتصادية المفترسة التي تحكمها منذ عقود، وأدخلتها أتون الحرب الأهلية وعرّضتها للاجتياحات والاحتلالات الخارجية، قد لا تكون منصفة كليا، ولكنها تعطينا الفرصة للتمعن واستيعاب معنى الكارثة التاريخية التي حّلت بسوريا منذ سيطرة زبانية وأوباش حزب البعث عليها في ستينات القرن الماضي، وتحديدا بعد وقوعها في مخالب عائلة الأسد لأكثر من نصف قرن.

ولكن للصفقة الثلاثية أبعاد سياسية وأخلاقية أخرى سافرة تعكس طبيعة قادة الدول الثلاثة، وغرابة العلاقات بينهم. طبعا الأبواق الإعلامية للنظام السوري نفت ما اسماه الإعلام الإسرائيلي "البند السري" في الصفقة المتعلق بلقاح Sputnik V الذي اشترته إسرائيل من روسيا لحساب النظام السوري، وادعت أن الاتفاق تمحور حول تسليم المرأة الإسرائيلية عبر الوسيط الروسي، وتسليم إسرائيل راعيين لسوريا عبروا حدودها. النظام السوري الذي يدعي أنه في حالة حرب مع إسرائيل، التي تحتل هضبة الجولان منذ حرب 1967، ويسيطر طيرانها الحربي على الأجواء السورية، ويقصف أراضيها دوريا، لا يتردد في استجداء أو ابتزاز إسرائيل للحصول على كميات محدودة من اللقاحات الروسية، ليس لتلقيح الشعب السوري، الذي يواصل النظام وحلفائه الروس والإيرانيون قتله وترويعه، بل لتلقيح أركان النظام. 

وهذه حقائق تعرفها روسيا، التي لا يمانع رئيسها فلاديمير بوتين في بيع لقاحاتها والظهور بمظهر الطرف الخارجي القوي والقادر على التوسط بين بشار الأسد وبنيامين نتانياهو اللذين لجأ إليه لعقد الصفقة . كما يعرفها نتنياهو الذي يريد أن يقول للإسرائيليين وللعالم إن حكومته تعلق أهمية أخلاقية وسياسية كبيرة على إنقاذ رعاياها من الأسر أو الأذى، وأنها مستعدة لدفع الغالي والرخيص لتحقيق ذلك. رئيس وزراء إسرائيل يرحب بوساطة دولة كبيرة مثل روسيا لاستعادة حرية مواطنة إسرائيلية من قبضة النظام السوري، الذي ارتكب المجازر ضد شعبه ولم يتردد في استخدام أي منظومة عسكرية في ترسانته بما في ذلك الأسلحة الكيماوية. 

رئيس الوزراء الإسرائيلي قال إنه لم يعط النظام السوري أي لقاحات من إسرائيل، وهو كلام صحيح تقنيا، لأنه اشترى اللقاحات مباشرة من روسيا ولم يفّرط بمخزون إسرائيل من اللقاحات. الصفقة الغريبة عرّضت نتانياهو لانتقادات إسرائيلية شرعية من المواطنين اليهود والعرب، لأنه دفع فدية بشكل كمية من اللقاحات للنظام السوري، بينما يتجاهل توفير اللقاحات للفلسطينيين الخاضعين للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية. وبصفتها دولة محتلة، وفقا لمؤتمر جنيف الرابع، يجب على إسرائيل أن توفر مقومات الصحة العامة للسكان الخاضعين لاحتلالها. ويتذرع نتانياهو بأن اتفاق أوسلو مع الفلسطينيين يعفيه من الواجبات الواردة في مؤتمر جنيف الرابع.

الصفقة الثلاثية أبرزت بشكل سافر، وللمرة المليون نذالة نظام بشار الأسد الذي سيتبجح لزبانيته بأنه ابتز إسرائيل وحصل على اللقاح اللازم لتحصين مناعتهم ليواصلوا حربهم ضد الشعب السوري.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.