هل من تطابق أكثر من ذلك مع جوهر ونواة فكر حزب البعث
هل من تطابق أكثر من ذلك مع جوهر ونواة فكر حزب البعث

لا، لم يكن ظهور ابنة ديكتاتور العراق السابق رغد صدام حُسين مُجرد صلافة كلامية، في وجه ذوي الضحايا والمجتمعات التي خضعت لحُكم والدها، بل أبعد من ذلك بكثير. فالحلقات التلفزيونية التي تتالت طوال أسبوع كامل، كانت تحمل في طياتها طرحاً ومشروعاً سياسياً متكامل الأركان، يسعى لأن يكون حاضراً وفاعلاً ومؤثراً فيما يجري، راهناً ومستقبلاً. مشروع أصولي، يستلهم كل مضامين البنية الذهنية والخطابية والسياسية لحزب البعث، يحاول استنهاضه من جديد.

في كل تفصيل مما تم عرضه، ثمة إصرار عنيد لإحياء التجربة "الصدامية"، للدعوة والقول بأنها لم تندثر، بشهادة وحكم وقائع مُعاشة، ما تزال حية وفاعلة، شديدة الصلابة والطاقة. للنداء بأن "الصدامية" هذه تملك فرصة حياة أخرى، وتالياً نسيان ومحو كل ما فعلته، الأمر الذي يؤدي موضوعياً لشطب التاريخ، والعيش بدونه، وبذا "حيّونة الإنسان"، الذي يكونه حينما يغدو دون ذاكرة.

في تلك المساحة الفسيحة، تلعب رغد دوراً تسويقياً فذاً، لمشروع يملك مقومات نجاح غير قليلة. فكل شيء من حول رغد، ومن حولنا، يكاد أن يكون صورة عن وجه صدام حسين وعصره وأفعاله: أشكال الحياة السياسية وشروطها في كل دولة من دولنا، المنتصرون والمغلوبون في هبة "الربيع العربي"، العلاقات الإقليمية، تراكم أشكال فشل مجتمعاتنا المحلية في إحداث تغيير ما في أنماط حياتها وعلاقتها بحُكامها، المهانة المطلقة للمهمشين، المحرومين من كل عدالة اجتماعية واقتصادية، وفوق ذلك سيل جارف من الشعبوية العالمية والإقليمية والمحلية، متعامدة مع حروب الكراهية بين طوائف وقوميات الحيّ السكني الواحد. أي أن "الصدامية السياسية" هذه، كما كانت قبل نصف قرن تماماً، هي نبتة محصلة الأحوال، وليست رغد إلا تسويقاً كلامياً لها.

سيدة في أوائل الخمسينات من عُمرها، بوجه مُتخم بالمساحيق وعمليات التجميل وهيئة بازخة، تمشي كما والدها تماماً، بشدّ واستقامة ورأس مرفوع باصطناع واضح، حضور مطمور بغرور مستبطن، سهل الكشف. ومثل أبيها، توزع تحياتها وابتسامتها الوظيفية على الحاضرين، ولا تنتظر ردودهم، تُظهر جسارة وجدانية مزيفة، تتحدث عن مقتل زوجها وأبناء عائلتها على يد والدها وأشقائها، بالضبط كما تتحدث في صباحاتها مع صديقاتها، لتخفي غولاً رهيباً يُستحال تغطيته: ما تخفيه من قسوة وعنف في داخلها، وبحر الدم الذي لم يُنتج والدها إلاه طوال عصره.

لفعل ذلك الإخفاء، مارست رغد خلال مقابلها المطولة ومشت على ثلاثة مفاهيم دوغمائية، هي العائلة المُقدسة والعُنف كبداهة والفوقية الجوفاء. شيء مُتلقف من تراث حزب البعث وتجربة صدام حسين التقليدية، مع إعادة تأهيل شبيهة بعمليات التجميل التي على وجهٍ قديم ومعروف. فهذه المفاهيم الدوغمائية أن تملك "سحراً" من نوع خاص، تجمع رومانسية الحكايات الكبرى بإغراء العنف الذكوري.  

فالمحصلة الكلية للمُقابلة تقول بأن عائلة الديكتاتور العراقي السابق كانت مثالية في كل أفعالها، تجمع أبوية سياسية بعطاء حنون منقطع النظير، بين أفرادها وفي علاقتهم مع أبناء البلاد، يسودها حوار مفتوح ودائم. أفرادها أبطال استثنائيون، بينما الأب المؤسس فهو الأسطورة التي تكاد لا تُصدق، الذي كان يعيش حياة الزهد والتقشف حزناً على أبناء شعبه... الخ من رؤية تجمع مخيلات عائلة "السي سيد" في روايات نجيب محفوظ، مع مرويات حكايات شعوب شرق آسيا عن أرواح العائلة النبيلة.

تقول رغد كل ذلك، لتطالب بـ"حقها" العائلي في مُلكية العراقي من جديد، وقد رددته أكثر من مرة صراحة أثناء المقابلات: "إحنا مؤتمنين على البلد". فعائلة صدام حسين المُقدسة في مخيلة رغد، تملك صك مُلكية تامة لذلك البلد، لم ولن يسقط قط، مهما تبدلت الأحول وسارت مجريات التاريخ، الذي لا لزوم له قط. شيء شبيه بمخيلة البعث التقليدية عن ملكية الأوطان والمجتمعات، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، بأيدي "الصفوة" من أبنائها القوميين، المؤتمنين.

 تلك العائلة المُقدسة التي كُرست بالعُنف المُطلق، الذي لم تنكره السيدة الخمسينية، بل فقط بررته، وكأنه بداهة: "إلي يخطأ يتعاقب"، وفقط هكذا. حيث حسب هذا المنطق، يغدو من نافل القول الحديث عن الجهة المخولة بتحديد نوعية وهوية "الخطأ"، الذي هو الأب القائد والحلقات السلطوية المحيطة به!. كذلك لا معنى لأي نقاش عن نوعية العقاب، سواء أكان إعدامات جماعية لآلاف المعارضين دفعة واحدة، أو مقابر جماعية للمدنيين، وبينهما قصف بالأسلحة الكيماوية لمدينة آمنة هنا، ومحق بالطائرات الحربية لبلدة بسكانها هناك، وبينهما احتلال بلدٍ آمنٍ. فالعنف في المخيلة ليس قيمة ومادة وفعل، يؤلم المُعنفين ويمحق حياتهم، بل العُنف مجرد أداة لاستمرار الأشياء على هي عليه، كملكية خاصة لصدام حسين وعائلته وحلقاته.

هل من تطابق أكثر من ذلك مع جوهر ونواة فكر حزب البعث، الذي اختصره وعرفه علي حسن المجيد "علي الكيماوي" يوماً ما، في مقطع مصور أثناء حفلة شاي، وبحضور مُنظري القومية العربية: "جان العراق خمسة مليون، وهسع خمس وعشرين مليون، خلي يرجع خمسة مليون". هذه المقولة التي عرت جوهر حزب البعث، حيث لا معنى للتاريخ، ويمكن السير به عكساً لو تطلب الأمر، فالتاريخ مثل البشر، عدة للعمل فحسب.

 فوق الأمرين، فأن رسائل رغد كانت متخمة بفوقية جارفة: "نحنا أسياد بلد"، "مسؤولون عن أمة"، "ماك وشي أسمو الديكتاتورية".. الخ من العبارات التي تستطيع أن يمحي في طريقها ما تشاء، المجتمعات وذاكرتها المشتركة، الحق المتساوي في الحياة والقيمة الآدمية، أساسيات العلوم الإنسانية، وقبل ذلك البداهات الأولية المُتفق عليها بين الآدميين كحقائق شبه مطلقة.

هذه الفوقية المتجاوزة لكل ذلك، تلهث وراء منطق بسيط كان البعث قد كرسه ومارسه طويلاً، هو "الهندسة الاجتماعية". فالقائمون على أحوال الناس، حسب فكر البعث، ولشدة فوقيتهم واستثناءيهم، يستطيعون فعل كل شيء بالمجتمعات المحكومة، يجرفونها ويمسحونها ويعيدون توزيعها، بالضبط كما تفعل البلديات أثناء تنفيذها لخططها بشأن شبكات الصرف الصحي مثلاً.

 في المحصلة، لا تاريخ، هكذا أرادت رغد أن تُخبر مشاهديها ومستمعيها. أن ينسى العراق، وكل مدينة وحيّ سكني وبيت ومواطن منه ما جرى خلال الحقبة البعثية الصدامية، أن نتجاوز بحر الدم، لا غافرين، بل أن نقول لأنفسنا: "أن كل ذلك لم يكن!"

لا تفعل رغد ذلك كشخص، بل كل ما يحيط بحيواتنا يساهم ويدفع تجاه تحقيق مراميها: روابط الأقوياء الإقليميين، المليشيات التي في الشوارع، بحور النهب العام، الماضوية المستيقظة في ركن من شوارع المنطقة، أحلام شباب الربيع العربي التي مُحقت، النخبة المهترئة أو التي ترى كاتماً موجهاً للرأس، هجرة الكفاءات وتضخم الشعبويات السلطوية، وكل شيء من كل تفصيل مما يحيط بها وبنا من حياة، الذي يقول بأنه ثمة مكان لأي شيء، خلا الذاكرة والتاريخ. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.