The social audio app Clubhouse is pictured near a star on the Chinese flag in this illustration picture taken February 8, 2021…
تطبيق كلوب هاوس يعتمد على المحادثات الصوتية

بقليل من الحذر، وكثير من الفضول والحماسة أدخل غرف التطبيق "التواصلي" الأحدث "كلوب هاوس" والذي نفشل من جديد في تعريب اسمه كما أخفقت محاولات تعريب سابقيه "فيسبوك" و "تويتر" و"إنستغرام" وغيرهم، لكن نجحت وبجدارة عملية تطويع تلك الأسماء الأعجمية للتصريفات اللغوية العربية "فصحى ومحكية"، فصرنا نقول " كنت أفسبك" أو "هو كائن تويتري"، وربما قد تصرح "ناشطة فاشينست - وتلك مهنة جديدة" بقولها : الصورة صارت إنستا.

في كلوب هاوس، وأقرب كسر عشري في ترجمتها قد يكون "نادي المنزل"، هناك تواصل من نوع جديد، قد يعمل فعلا على تقنين "الفوضى المعرفية" أو ربما يزيد من انتشارها، وهذا ما ستحمله الأيام وهي ليست بعيدة في عالم الثورة المعرفية التي تطحن الوقت بمسننات النانو ثانية.

لا يمكن المراهنة في عوالم الفضاء الإلكتروني، فالمدهشات تأتيك من حيث لا تحتسب، والتوقعات تتكسر بسهولة وبسرعة في مواجهة كل ما هو جديد وغير متوقع، لكن قد أغامر باعتقاد شخصي يقول أن تطبيق مثل "كلوب هاوس" هو مرحلة جديدة في عملية "التطور والارتقاء" المعرفي في مسيرة المعرفة التكنولوجية التي لم تعد جديدة فعليا، وقد يكون التطبيق ردة فعل "المعرفة" على كل ذلك النشوز المعرفي والشذوذ المعلوماتي الذي سيطر على قطاع وسائل التواصل الاجتماعي حتى صارت حقيقة ما نسبوه إلى أمبرتو إيكو بأن الحمقى والجهلة تساووا مع حاملي جائزة نوبل في هذا الفضاء التواصلي الضخم- (مع تحفظي على اعتبار جميع حاملي جائزة نوبل متميزين معرفيا!!).

ولست قادرا فعلا على تحديد صحة تلك المقولة المنسوبة لأمبرتو إيكو إلا إذا قمت بممارسة جهد حقيقي في البحث (على الإنترنت أيضا) للوصول إلى ما قاله الفيلسوف الإيطالي فعلا، وهذا سهل لأنه فيلسوف معاصر مات قبل أعوام، ومعظم أعماله متاحة إلكترونيا، لكن الصعوبة تكمن في البحث عما قاله "دستويفسكي" مثلا، والذي نسبت إليه وإلى شكسبير وبرنارد شو والرومي وكونفوشيوس وغيرهم من أدباء وفلاسفة وعلماء كمية من المقولات التي تسلح بها "الحمقى" في عوالم الفيسبوك، بل واستخدموها ولا يزالون يستخدمونها في دعم حججهم وطروحاتهم التي يتم تسويقها في عالم التواصل الاجتماعي المتخم بالمعرفة والجهل حد الاختلاط الفاحش.

في تطبيق الكلوب هاوس، وحتى الآن فمن الصعب أن تختفي وراء شاشتك وحدها، متنكرا باسم مستعار او صورة مستعارة مثل الفيسبوك والتويتر، أنت في "كلوب هاوس"  كي تشارك مطلوب منك ان تكون "أنت"، وربما هو التطبيق الذي يجسد عبارة "تكلم كي أراك" وهي عبارة منسوبة للفيلسوف الإغريقي سقراط حسب مرجعيات موقع فيسبوك ولم أقرأها في أي مراجع الفكر السياسي الغربي التي تعرفت فيها "معرفيا" على سقراط.
أنت يجب أن تتكلم في "كلوب هاوس" كي يراك الموجودون، والموجودون معروفون بأسمائهم وأصواتهم، ويمكن لك ان تراهم كما يروك حين يتكلمون بكل حرية في هذا الفضاء المسموع بوضوح.

الموجودون عددهم محدود "مهما كان كبيرا"، فهم مجتمعون في تلك اللحظة التي تسمعهم بها تحت عنوان حديث واضح ومحدد، قد يكون عن فلسفة سارتر الوجودية أو عن اخراج الجن والعفاريت بالرقية الشرعية، قد يكون عن أنظمة الدفع الهيدروليكي في الصواريخ أو عن تنويعات طبخ الباستا الإيطالية، لك أن تدخل غرفة دردشة "لمن لا غرفة لهم" كما فعلت أنا ليلة أمس وقد استمتعت بها كثيرا ولم يكن بها اسم واحد أعرفه.
هي جلسات دردشة في عالم افتراضي يلامس الواقع لأنك لا تستطيع "تزوير نفسك".

صديقي الصحفي التلفزيوني البلجيكي من أصل فلسطيني "مجد خليفة" هو الأكثر تحمسا في مشاركات هذا التطبيق، ونشاطه يتناوب فيه بحماس شديد على اللغتين "الهولندية والعربية" ويبادر بذكاء وعفوية على طرح عناوين مواضيع للحوار يديرها مع شركاء في جغرافيات بعيدة، ويجذب إليها محاورين من مختلف المستويات.

أحد الحوارات "بالهولندية" التي أدارها مجد كان عنوانها بسيطا ولطيفا ( ما هو أول شيء ستفعله بعد نهاية أزمة كورونا؟)، والحوار كان شيقا حسب ما فهمت، بل وشارك فيه وزير القضاء البلجيكي نفسه.
في تلك الدردشات المباشرة، أنت لا تملك إلا ان تكون أنت، وهو امتحان حقيقي لمعرفتك ( ولجهلك أيضا).
العالم انتهى من تحولاته الجديدة والتي دخل بها مرحلة جديدة من آليات الإنتاج والمعرفة، العالم الآن "يتموضع" - إن جاز التعبير- في مجالاته الموجودة.

هذا التموضع نتلمسه في تلك التطورات المعرفية والتقنية التي يبدو أنها تنتهج ذات مفاهيم "النشوء والارتقاء".
من منا يتذكر الحالة البدائية الأولى للتواصل المباشر عبر الرسائل النصية؟ كانت الرسالة ترسل عبر الأجهزة "غير الذكية" ويصل النص الطويل أحيانا بأجزاء مفقودة، ثم جاء التطور عبر الانترنت من خلال برامج كمبيوتر للتواصل النصي أتذكر شخصيا أني كنت أستعمل فيها "الجد المؤسس" لتطبيق واتس اب، وهو برنامج " MIRC" وابن عمه " ICQ" ثم طورت شركة ياهو برنامجها للحوار النصي وتبادل الملفات، وانقرض الجميع لننتهي بتطبيقات حديثة سريعة جدا على هواتفنا المحمولة "الذكية".

مع كل هذا الذكاء الصناعي من حولنا، وتطوره الطبيعي بالارتقاء المعرفي المتسارع، فإنك تتعجب من بعض البشر "وصار اسمهم مستخدمين - USERS" وقد انكفأوا نحو الخلف بأفكارهم متمسكين بتخلفهم وجهلهم، وبإصرار "أعمى" على ترويج الجهل كله بأدوات الثورة المعرفية الذكية.

هناك قصة منسوبة لإنجلز، شريك كارل ماركس الفكري، في تفسيره لقانون الصدفة يقول فيه أنه لو افترضنا وجود 6 قرود أمام  6 آلات كاتبة  وتركناهم يطبعون بشكل متواصل وبلا انقطاع لمدة ستين ألف سنة، فإن أحد القرود سيطبع بالصدفة قصيدة من قصائد شكسبير.
فعليا لا أعرف إن كان المرحوم إنجلز قد قال ذلك أم لا، لكن على افتراض ذلك فعلا، فإننا اليوم نشهد فعليا حضور القرد "كحالة بدائية للتطور الإنساني" أمام لوحة كتابة إلكترونية، ولا يطبع قصيدة لشكسبير وحسب، بل يعيده إلى الحياة ويضع له منطوقا لم ينطقه الراحل في حياته كلها.
لكن - لحسن الحظ والمعرفة- ومع التطور الطبيعي للذكاء الصناعي المتسارع، فإن القرود - وقريبا جدا- ستصبح مجبرة على التكلم، كي نراها.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.