صورة لإحدى السوريات ضحايا الدعارة في لبنان (المصدر: هيومن رايتس ووتش)
صورة لإحدى السوريات ضحايا الدعارة في لبنان (المصدر: هيومن رايتس ووتش)

الدعارة، وهي تقديم خدمات جنسية مقابل بدل مادي ظاهرة قديمة وموجودة في مختلف دول العالم بشكل علني أحيانا وسرّي في كثير من الأحيان، ودون الاستغراق في التفاصيل، للدعارة سببين رئيسيين، الفقر الذي يجبر إنسانا ما على بيع جسده حتى يستطيع تأمين أساسيات الحياة، والدعارة بالإكراه مثل إجبار الأطفال والقصّر على هذه الممارسات أو الاختطاف والسبي والاتجار بالبشر التي تنتهي بالاستعباد الجنسي، وساعد تدهور الوضع الاقتصادي في أغلب الدول الإسلامية خلال السنوات الأخيرة على انتشار الدعارة فيها بشكل واسع، ولكن تلك الدول تتجنب ذكر هذه الظاهرة بل تحاول إنكار وجودها. 

فقد ذكر تقرير لصحيفة "دي فيلت" الألمانية أن ماليزيا أصبحت الوجهة العالمية الأولى لسياحة الجنس الرخيص رغم أن الدعارة فيها ممنوعة حسب القانون، بل تشجّع النساء في ماليزيا على ارتداء ملابس تتناسب مع الدين الإسلامي في الأماكن العامة في حين تنتشر صالونات التدليك المصحوب بالجنس في أحد أكبر شوارع العاصمة كوالالامبور، وهناك 52 بائعة هوى لكل عشرة آلاف من السكان في ماليزيا، مقابل 45 في تايلاند المجاورة و49 في ألمانيا لتتجاوز عائدات الجنس مليار دولار. 

بينما تقدم بنغلاديش قصة مختلفة تماما، فالدعارة فيها قانونية ويجتمع الفقر المدقع مع الاتجار بالبشر لإيجاد أكبر بيوت للدعارة في العالم، قرى كاملة مملوكة من قوّادين ومحمية من رجال عصابات مقابل المال، بعضها يحتوي على 3 آلاف امرأة وقاصر أغلبهن جئن رغما عنهن وبعضهن باعهن أباءهن أو أزواجهن مقابل سداد ديون، وفي الغرف الصغيرة المخصصة لممارسة الجنس تعلّق على الجدران صور نجوم غناء إلى جانب صور لمكّة، سعر البغي بين 2 و4 دولار في الساعة في بلد يعيش 60 مليون من سكانه على أقل من دولار في اليوم، حيث تخدم المرأة بين 15 و20 زبون يوميا مقابل الحصول على الطعام والماء بينما تذهب العائدات للقواد، بل قد تتعرض الفتيات للضرب والتعذيب والاغتصاب الجماعي والحرمان من الطعام، كما تعطى الفتيات عقاقير تستخدم لتسمين الماشية لزيادة وزنهن ومنشطات ليحتفظن بحيويتهن. 

وفي تقرير لمجلة فورين بوليسي الأميركية، تسجل بنغلاديش أعلى معدل زواج فتيات دون 15 في العالم، ويجري الاتجار بحوالي 200 ألف طفلة وشابة، كما يوجد في دكا عاصمة بنغلاديش 300 ألف طفل يعيشون ويموتون في الشوارع وهم فريسة سهلة لتجار الجنس، ويتم رشوة الشرطة لتكبير أعمار الفتيات إلى 18 عاما للسماح لهن بممارسة الدعارة ويعتبر هذا دينا على الفتاة تقضي عمرها في سداده. 

كما تشكل الهند مقصدا لتجار البشر البنغاليين، ففي شهادة من جمعية كوميك ريليف: "في زيارة للجحيم المكوّن من ممرات ومواخير تضم أعدادا هائلة من البشر، قصدت زنزانة حيث توضع الأغلال في أيدي الأولاد ويجرّون مباشرة إلى مواخير الهند"، ويفصل بين بنغلاديش والهند نهر يطلق على المنطقة المحيطة به منطقة التجار الذين يعملون على تجارة الجنس، وعندما حاول عضو في مجلس هذه المنطقة عرقلة عملهم هاجموه وأخرجوه من فراشه وجرّوه من شعره للشارع وقطعوه بالفؤوس. 

كذلك الدعارة قانونية ومنظمة في تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية، وتلزم الحكومة العاملات بالجنس على إجراء فحوصات طبية دورية وأن يكون عمرهن فوق 18 عاما، ولكن تقريرا لغرفة تجارة أنقرة ذكر أن عدد العاملات في الجنس 100 ألف بينما عدد المسجلات في بيوت الدعارة ثلاثة آلاف فقط وعدد المسجلات في سجلات الشرطة 15 ألف وعدد من ينتظرن الحصول على ترخيص مزاولة الدعارة 30 ألف، أي أن نسبة بسيطة من العاملات بالجنس نظاميات، وتقدر عائدات تجارة الجنس السنوية بين 3 و4 مليار دولار. 

وفي تقرير للمونيتور عام 2016 تضمّن زيارة لأحد شوارع إسطنبول الذي يحتوي على بيوت دعارة نظامية، قالت إحدى النساء التي تملك عددا من هذه البيوت، إنها في مقدمة دافعي الضرائب والعاملات عندها يتّبعن التعليمات الصحية وعملها لا يشمل الأجنبيات أو العلاقات المثلية التي يجرّمها القانون، ومع ذلك من الصعب عليها الاستمرار في عملها نتيجة منافسة مواقع الانترنت التي ترشد إلى مئات الأماكن للمرافقة الجنسية في مختلف المدن تتضمن تفاصيل الخدمات التي يمكن تقديمها والأسعار المطلوبة والفنادق التي يقضون الليل فيها. 

كما تقدم تلك المواقع خدمات تشمل العلاقات المثلية التي لها علامات خاصة لتسهيل التواصل، بالإضافة إلى منافسة الفتيات والفتيان الصغار بالسن القادمين من سوريا وأوروبا الشرقية، واختصرت إحدى السيدات للمونيتور موقف الحكومة التركية: أعتقد أن تعاطي الكحول منظّم في تركيا بشكل جدّي أكثر من تعاطي الجنس، لأن سياسة الحكومة تعتمد على التضييق على بيوت الدعارة النظامية وإغماض العين عن تجارة الجنس غير النظامية لترك الدعارة خارج عين الشعب.   

وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، نموذج مختلف عن كل ما سبقه، يجتمع فيه الفقر مع وجود أعداد كبيرة من الأرامل واليتيمات الصغيرات اللاتي فقدن أزواجهن وآباءهن في حروب إيران الخارجية واللاتي يتم ابتزازهن واستغلالهن جنسيا، وأضيف فوق ذلك الانتشار الواسع للمخدرات، لتكون المحصلة انتشار غير مسبوق للدعارة. 

ففي تقرير للغارديان البريطانية يتحدث عن أنواع الدعارة في إيران أشار إلى قم ومشهد باعتبارهما قبلة لراغبي المتعة من داخل إيران وخارجها، خصوصا مع انخفاض سعر الريال الذي رفع أعداد السياح الأجانب حتى أصبح بعضهم يشترط وجود زواج متعة لأداء الحج، ولكثرة الزبائن استخرج بعض الملالي فتاوى تبيح "زواج" المرأة بعد ساعة واحدة من طلاقها، كما تم إنشاء صفحات إعلانات على الإنترنت تعطي مواصفات الفتاة مثل طولها ووزنها وعمرها، وتخصيص آلاف الشقق لممارسة هذه العلاقات تحت اسم بيت المسافر. 

بينما قالت صحيفة وورلد تريبيون الأميركية، رغم أن هناك صفحات على الإنستغرام وقنوات على موقع تيليغرام تعرض الفتيات، إلّا أن الإيرانيات يفضّلن العمل المباشر في شوارع المدينة تحت حماية رجل يضمن حقوقهن ويحميهن من المضايقات، لأن هذه الطريقة فيها رؤية مباشرة للزبون ولا توجد مخاطر لحدوث تسجيلات أو ابتزاز عبر الإنترنت، كما أنهن يعملن في مجموعات وقالت إحدى الفتيات لمجلة نيكشو الإلكترونية إنها تعمل ضمن فريق يضم 60 فتاة، ولتأكيد هذا الواقع ولمواجهة إنكار الحكومة قام شباب إيرانيون عام 2019 بتوثيق ظاهرة الدعارة بكاميرات سرية ظهرت فيها طريقة الاتفاق على سعر الليلة والتي تتراوح بين 5 و30 دولار. 

والحكومة الإيرانية متّهمة بأنها لا تفعل شيئا لمكافحة الاتجار بالبشر، وبأن الشرطة تتواطأ مع العصابات خصوصا بعد الحادثة الشهيرة التي تم ضبط قائد شرطة طهران المسؤول عن مكافحة الدعارة مع ست فتيات عاريات في السرير في بيت سرّي للدعارة، وربما كان سبب التغاضي عن الدعارة أن هناك في إيران من يرى في هذا النشاط مصدر للدخل لا تسمح الظروف الاقتصادية الصعبة حاليا بإغلاقه. 

هذه الإطلالة السريعة على الدعارة في بعض الدول الإسلامية تساعد على فهم هذا الموضوع الحساس في الدول العربية التي تمنع جميعها الدعارة قانونيا، وتتستّر عليها إعلاميا وتعتبر الحديث العلني عنها بمثابة شتيمة تهدف للانتقاص من هذه الدول في حين تنتشر فيها الدعارة بشكل واسع دون أن يحاول أحد البحث عن أسبابها الحقيقية أو إيجاد حلول لها، وهو موضوع المقال التالي.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!