الاحتجاجات الشعبية ساهمت في إسقاط نظام البشير.
الاحتجاجات الشعبية ساهمت في إسقاط نظام البشير.

قلت في الجزء الأول من هذا المقال أن المأزق الكبير الذي تقع فيه تنظيمات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين يتمثل في مطابقتها بين دعوتها والمقاصد الإلهية، بحيث أنها لا ترى مسافة فاصلة بين الجماعة والإسلام ولا تسمح بأي فهم أو تأويل للنصوص الدينية سوى تأويلها الخاص.

لا ينعكس المأزق عند هذه المطابقة فحسب، ولكنه يظهر بوضوح بعد أن تتاح للجماعة فرصة تطبيق منهجها على أرض الواقع، عندها تكتشف الجماعة أن توحيد خطابها مع المقصد الإلهي لا يخدمها في إبراز النموذج المثالي الذي هدفت إليه ضربة لازب، فتبدأ في التخلي عن منطقها الأول بالهروب إلى حجة تعمد لتبرير الفشل عبر الفصل بين التجربة والمثال المنشود.

مؤسس تنظيم "الإخوان المسلمين" حسن البنا
الدين والخطاب الديني (1)
لا شك أن أحد نقاط الخلل الجوهري التي تعتري خطاب جماعات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين يتمثل في الاعتقاد بأن فكر الجماعة يُمثل مقصد الدين، وهو الأمر الذي تترتب عليه الأخطاء الكثيرة التي تصاحب سلوك أهل ذلك التيار وتؤدي إلى فشلهم المؤكد.

ذلك ما أظهرته خبرة ثلاثة عقود من حكم الجماعة في السودان، إذ فشلت في إنزال شعاراتها المستولدة من المطابقة بين دعوتها والدين من شاكلة "الإسلام هو الحل"، وتُقرأ "الجماعة هي الحل"، حيث أنتجت تجربة حكم الجماعة دولة استبدادية فاشلة ينخر الفساد في هياكلها وتمارس القتل والقمع والترويع في أبشع صوره، حتى هب عليها الشعب في ثورة عارمة أودت بنظام حكمها.

عندما ثبت فشل تجربة حكم الجماعة ودبت الخلافات في جسمها ظهرت من بين صفوفها أصوات تدعو لإصلاح المسار، من بينها القيادي في الجماعة والوزير السابق، حسن عثمان رزق، الذي سئل في حوار صحفي: كيف ستواجهون تحدي فشل تجارب "الإسلام السياسي"؟ فأجاب: "السودانيون لم يكرهوا ولن يكرهوا الإسلامـ إنما كرهوا الذين يتاجرون بالإسلام، ومتى ما تم تطبيق الإسلام بصورة صحيحة، فإنه سيجد القبول من الشعب السوداني ومن المسلمين خارج السودان".

تتجلى المراوغة في إجابة الأستاذ رزق، عندما أشار إلى أن السودانيين "لم يكرهوا ولن يكرهوا الإسلام" إذ أنه يتعمد تناسى أن الجماعة كانت قد طابقت سلفا بين تأويلها الخاص للدين والدين نفسه، وبالتالي أصبح "الإسلام" هو "دعوة الجماعة"، وهو ما يُحيل بالضرورة للنتيجة المنطقية التي مفادها أن الناس قد كرهوا الإسلام نفسه.

هذا الأمر يضع الإخوان المسلمين في حرج بالغ، فما هو المخرج إذن؟ المخرج هو هروب الجماعة من الحرج عبر آلية (خدعة) أخرى تقول إن هناك إسلام "صحيح" لم يُطبَّق بعد، وأنه متى ما طُبِّق فسيلقى قبولا من جميع المسلمين!  

وتتضح تفاصيل هذه الآلية بجلاء في إجابة رزق عن السؤال التالي: هل توجد أمثلة حقيقية وأصيلة لحكم إسلامي صحيح؟ حيث أجاب بالقول: "المثال الوحيد هو الخلافة الراشدة وتجربة حكم "عمر بن عبد العزيز"، حيث لم توجد تجربة إسلامية غير هاتين لن نجد عليها مآخذ".

الإجابة أعلاه تثبت بوضوح أنه لا يوجد شيء اسمه "الإسلام الصحيح"، بما يوحي بوجود شيء آخر اسمه "الإسلام الخطأ"، والدليل على ذلك أن الأستاذ رزق لم يستطع أن يذكر مثالا يحتذى سوى تجربة الحكم الراشد والخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، وهي في رأينا الخاص تمثل الاستثناءات التي تثبت القاعدة.

حقائق التاريخ تقول إنه لا توجد تجربة يمكن أن تحتذى سوى تلك التي ارتبطت بالرسول الكريم بوصفه مبعوث السماء للأرض، وما عدا ذلك فهو مجرد اجتهادات بشرية تحتمل الصواب والخطأ، بما في ذلك تجربة الخلافة الراشدة.

إن كل دارس حصيف للتاريخ يعلم أن تجربة الراشدين ليست كما يدعي الأستاذ رزق (ليست عليها مآخذ)، حيث مات ثلاثة خلفاء من الأربعة الراشدين في عمليات اغتيال، كما شهدت تلك الفترة البداية الحقيقية للانقسامات المذهبية التي كانت أحد الأسباب الرئيسية وراء الفتن والحروب التي شهدها التاريخ الإسلامي، ولاتزال تمثل عاملا أساسيا من عوامل انقسام المسلمين حتى اليوم.

هذا هو الدرس الذي يمكن استخلاصه من تاريخ الخلافة منذ جدال السقيفة، ومنذ أن سالت دماء المسلمين في الجمل وصفين والنهروان وكربلاء، مرورا بإمبراطوريات الملك الوراثي العضوض للأمويين والعباسيين والفاطميين، وصولا لخلافة بني عثمان التي ثار عليها المسلمون في جميع أنحاء العالم الإسلامي بما في ذلك ثورة الإمام "المهدي" في السودان، وانتهاء بحُكم ملالي إيران وطالبان أفغانستان وشباب الصومال.

إن عجز نظام الحكم الإسلامي، في تجربته التاريخية التي امتدت لعدة قرون، عن إنزال ما يُسمى بالإسلام الصحيح لواقع التطبيق العملي سوى بضع سنوات من مجموع أكثر من ألف وأربعمائة سنة، يعني أنَه لا يوجد تأويل واحد متفق عليه وأن التجربة المنشودة نفسها تجربة فذة وغير قابلة للتكرار.

هنا تتبدى بوضوح آلية أخرى أشار إليها المفكر الراحل نصر أبوزيد ضمن آليات الخطاب الديني، وهي آلية "إهدار البعد التاريخي وتجاهله"، ويتجلى هذا في البكاء على الماضي الجميل، يستوي في ذلك عصر الخلافة الرشيدة، وعصر الخلافة العثمانية. ويتجلى إهدار البعد التاريخي في التطابق بين الماضي والحاضر.

إذن، خلاصة الأمر أننا هنا بإزاء آلية جديدة تلتف على الإخفاق الناجم عن مطابقة خطاب الجماعة مع المقصد الإلهي وذلك عبر ادعاء وجود "إسلام صحيح" لم يتم تطبيقه بعد، دون إعطاء بيانات كافية أو تفاصيل واضحة حول ماهية ذلك الإسلام الصحيح وحقيقة وجوده التاريخي، وهو ما يعني استمرار الدوران في ذات الحلقة المفرغة.

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.