تمثال يظهر لينكولن "محرر العبيد"
"هو نهب ممنهج تاريخي طويل الأمد. هايتي الفقيرة ابتدأت حياتها بدَين ظالم، لرضا الأثرياء الظالمين"

شهر شباط في الولايات المتحدة هو شهر التاريخ الأفريقي الأميركي، مساحة زمانية وفكرية للتأمل والمراجعة، لإعادة النظر بالمسلمات حول الاستثنائية التي ينسبها هذا المجتمع لنفسه، وحول القيم التي يعتبر أنه يلتزم بها.

تشهر الولايات المتحدة في تقييمها لذاتها، ولا سيما بشأن مرحلة الاستعباد، سرديتان تتنافسان للنفوذ في الفضاء العام. الأولى، وهي الغالبة بالتأكيد إلى أمس قريب، ترى الولايات المتحدة عظيمة في مبادئها وقيمها منذ نشأتها. وإن شابتها الشوائب، فإن تاريخها هو سجل تشذيبها لهذه الشوائب في السعي الدائم لتحقيق الأفضل.

أما الثانية، وتتراوح باختلاف صيغها من الهامش الثقافي إلى الوسط التقدمي، فتتوافق مع منافستها في القبول بمقولة "السعي للأفضل"، ولكنها تعتبر أن الترقي قد تحقق بفعل مقاومة لرغبة الاستمرار بما كان من ظلم وتمييز، وليس نتيجة تزكية طوعية للذات.

ربما أن العام الماضي كان عام فقدان السردية الغالبة بعض وهجها، ودخول مقومات من السردية الناقدة إلى الوعي العام.

يوم دعا مارتن لوثر كينغ، منتصف ستينيات القرن الماضي، إلى تحقيق الوعد بوطن تغيب عنه الفوارق العرقية، ألقى كلمته، بحضور جمهور ملأ العاصمة واشنطن، من أمام صرح إبراهام لنكولن. لنكولن كان رئيساً للولايات المتحدة قبل ذلك بقرن، وفي ظل رئاسته تدرّجت البلاد من الحرب الأهلية إلى إعتاق المستعبدين. من تاريخ المرحلة، كما من وقفة كينغ، استقر في وجدان هذا المجتمع أن التمثال الضخم للنكولن ربما هو أقل عظمة من شخص هذا الرئيس.

«لنكولن حرّر العبيد». تكاد هذه المقولة أن تكون اللازمة التي تضع لنكولن في مقدمة الرؤساء الأميركيين الذين يحظون بالإجلال والتقدير.

وإذ بالأنصاب التذكارية التي تكرّم لنكولن في أرجاء الولايات المتحدة، على مدى العام الماضي، في أعقاب حادثة جورج فلويد، تتعرض للتشويه والاعتداء، والبعض منها يُزال. (هي مبالغة لا تعرف الحدود وتكشف أن السردية الناقدة هدّامة وحسب)، من وجهة نظر محافظة استهجنت، ومعها جمهور عريض، هذا التجاوز على مقام تاريخي من صلب الرؤية الذاتية للولايات المتحدة. فإذا كان أبراهام لنكولن، «محرّر العبيد» مرفوضاً، فمن هو المقبول من آباء المرحلة التأسيسية لهذه البلاد؟ فقد سبق للخطاب التقدمي أن طعن بجورج واشنطن، الرئيس الأول، وتوماس جفرسون، أهم المرجعيات الفكرية للولايات المتحدة، لامتلاك كل منهما لـ "العبيد". في الأمر، من وجهة نظر محافظة، نكران للجميل، بل خيانة.

ابتداءاً قد يكون من المناسب التخلي بالكامل، وفي كل اللغات، عن استعمال كلمة "العبيد". هم مستعبَدون، بفتح الباء، نتيجة تعدي المستعبِدين، بكسرها، على حريتهم، وليس ثمة جنس طبيعي هو "العبيد".

التصحيح ليس من باب "الصواب السياسي"، بل من باب التذكير بأن الكلام عن "الأسياد والعبيد" لم يعكس قط ولا يعكس أبداً واقعاً مستقراً، بل يشير إلى علاقة غصب وإكراه يسعى المستعبَد فيها إلى الخروج منها، وحين يفعل لا يكون "عبداً آبقاً" كما يشرّع صاحب السلطان، بل إنسان بلغ حقه البديهي والفطري بالحرية. "العبد" لا "يُحرَّر". المستعبَد يتحرّر.

أبراهام لنكولن كان جزءاً من بيئة اجتماعية وثقافية ودينية مدركة لحجم التجاوز الأخلاقي الذي يشكّله الاستعباد. ولكن الرأي السائد في محيط لنكولن، ولديه هو نفسه، كان أن مكان الأفارقة، وإن استحقوا ألا يستعبدوا، ليس في الولايات المتحدة، بل في العودة إلى قارتهم. والاعتاق في نظر لنكولن وصحبه لا يقتضي افتراض المساواة، ولا هم كانوا على قناعة بها. بل الاعتاق هو وحسب واجب أخلاقي تجاه الذات.

"الحرب الأهلية الأميركية كانت حرباً على العبودية"، بين ولايات شمالية تحظّر الاستعباد وجنوبية تبيحه. هكذا تريدها الرواية السائدة. أما السردية الناقدة فتذكّر أنه في المرحلة السابقة للحرب، مع التوافق على النظام المزدوج والذي حظّر الاستعباد في الشمال وأباحه في الجنوب ثم الشروع بتطبيقه، سارع مالكو المستعبدين في الشمال إلى بيع "مخزونهم"، قبل انتهاء صلاحيته مع نفاذ الحظر في ولاياتهم، إلى أصحاب المزارع في الجنوب. هذا ما دعا الولايات الجنوبية في مرحلة لاحقة، حين نشط دعاة مناهضة العبودية بالمطالبة بحظر الاستعباد في كامل الولايات المتحدة، إلى الاعتراض بأن الشرط الأول لا بد أن يكون إعادة رأس المال الجنوبي إلى أصحابه، على اعتبار أن في اكتسابه من الشماليين غبناً للجنوبيين ومخادعة.

لا، تقول الرواية المراجعة، الشعور الأول للسعي إلى إعادة الحرية للمستعبدين لم يكن الوازع الأخلاقي أو الديني. ربما كان الخوف.

إلى جوار الولايات المتحدة عند جنوبها جزيرة تقاسمتها دولتان أوروبيتان، فرنسا وإسبانيا. يومئذ، فرنسا الأنوار والحريات استثنت من أنوارها وحرياتها حصتها من هذه الجزيرة، بل جعلت منها مزارع منتجة لقصب السكر بجهود المستعبدين المستقدمين من أفريقيا والكاريبي، في ظروف منهكة. تسعة أعشار سكان الجزيرة كانوا من المستعبدين، وظروف استعبادهم القاسية إذ استنزفتهم مرضاً وموتاً، فإنها جعلت من "سان دومانغ"، وفق الاسم الفرنسي، أثرى مستعمرة في العالم.

وفي خضم الثورة الفرنسية، ثار أفارقة "سان دومانغ" من المستعبَدين والأحرار، واستمرت ثورتهم ١٢ عاماً، إلى أن أعلنوا جمهوريتهم عام ١٨٠٤، جمهورية هايتي، بعد أن أنزلوا الهزيمة بالقوات الفرنسية التي أرسلها نابليون لقمعهم.

وبهذا تشكلت أول دولة في العالم تقوم على ثورة من المستعبدين، وأول دولة في العالم تعلن تجريم العبودية والاستعباد. لم يكن نضالهم لنيل الحرية سهلاً، ولا كان نظيفاً. ارتكبوا الشناعات والفظائع بحق أسيادهم وأسر أسيادهم. هذه استفاضَ إعلام مطلع القرن التاسع عشر بتوثيقها. أقل توثيقاً، إنما أكثر قباحة، كان ما ارتكبه الأسياد بحقهم وحق أهاليهم.

على أي حال، إذ بصورة الأفريقي في الوعي الأوروبي، في القارة الأميركية، تتحول من المسن الخنوع الراضخ لرغبات أسياده والخادمة الباسمة المتلعثمة، إلى الرجل القوي الغاضب الساعي إلى الانتقام، بما أوتي من قوة.

دعاة مناهضة العبودية أشاروا من باب الترغيب إلى الواجب الأخلاقي بالتمنع عن الاستعباد. ولكنهم، والجمهور المصغي إليهم، وافقهم أو خالفهم، اشتركوا كذلك بالهلع من "العبد الآبق" إذ يأتي منتقماً، قاتلاً، مغتصباً.

حطّوا ما شئتم من قدر هايتي ورجالها أحرارها إذ كسروا القيود وأقاموا دولتهم باستعارات لا تحاكي أدبكم وظرافتكم ورقيكم، وفق معاييركم. ولكن خافوهم. وهكذا فعلتم.

اليوم، تتذكر الولايات المتحدة مجتهدة أبراهام لنكولن، "محرر العبيد"، وتنسى مجتهدة هايتي مرتع الأحرار من مستعبدي الأمس الذين اقتصوا من مستبعديهم، وإن ظلموا.

إنما الصفاقة، الوقاحة، الرذالة، هي حين يقدم رئيس  (سابق بالكاد) للولايات المتحدة، على وصف هايتي ببلاد قذارة. لأنها بلاد فقر وخراب.

هي كذلك لأسباب تتعدد، أولها أن الولايات المتحدة صاحبة إعلان الاستقلال العظيم بتأكيده على الحقوق الطبيعية للناس، وفرنسا بلاد شرعت حقوق الإنسان، وبريطانيا العظمى التي جابت البحار والمحيطات لاعتراض الاستعباد، جميعها ومعها غيرها، تكالبوا على حصار هايتي الحرة يوم أعلنت الاستقلال إلى أن رضخ أصحاب الحق الأحرار الخارجين من الاستعباد فيها بأن "يعوّضوا" من استعبدهم واستغلهم واستفاد من تعبهم، قيمة ما خسره في مستعمرته الثرية.

هو نهب ممنهج تاريخي طويل الأمد. هايتي الفقيرة ابتدأت حياتها بدَين ظالم، لرضا الأثرياء الظالمين. وبقيت تدفع هذا الدين وما ترتب عليه من أعباء ومستحقات، وما نتج عن استنزافه لها من تخلف وضياع . ليس هو السبب الوحيد لأحوال هايتي السيئة، ولكنه بحد ذاته ضربة قاضية جعل مما عداه من الأسباب تحصيل حاصل.

لا يمكن إطلاقاً إهمال دور أبراهام لنكولن، ولا أهمية الوازع الديني والأخلاقي، في طي صفحة الاستعباد في العالم الجديد. قد لا يكون لنكولن الملاك الذي تصوره السردية السائدة، ولكنه بالتأكيد ليس الشيطان لكي يرجم. له الفضل بالتأكيد.

ولكن كذلك ثمة فضل لتلك الجزيرة الصغيرة الفقيرة، ولأهلها الأحرار، بأنها، بترغيب من رأى فيها القدوة لطلب الحرية، من أفارقة العالم الجديد، وبترهيب من خشي مصير مشابه لما أصاب أسيادها السابقين، في مجتمع في الولايات المتحدة كان يعالج موقعه المادي والمعنوي، قد ساهمت، وهي السباقة، إلى نبذ رجس العبودية، في إقناع الأميركيين بأن الاستعباد إثم. تحرّرت، وحرّرت، بل ربما حرّرت العالم.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!