في لبنان لا عواقب للفضيحة
في لبنان لا عواقب للفضيحة

لعل نائب رئيس مجلس النواب اللبناني إيلي الفرزلي هو الوجه الحقيقي للنظام، الوجه الذي تتكثف فيه المهزلة والكارثة في آن واحد، والذي يفقد حياله المرء قدرته على الذهول. فهو من بين الـ١٥ نائبا الذين اختلسوا اللقاح من مستحقيه من اللبنانيين، وهو من تولى صد دهشة الرأي العام حيال عملية السطو المعلن هذه. وهو تولى المهمة على نحو شكل سابقة لجهة فقدانه القدرة على ضبط العبارة. راح يصرخ شارحا "حقه" في أخذ اللقاح وشاتما البنك الدولي وموبخا ممثله بعبارات صادرة عن مزاج نزق وتنم عن كراهية ولا تنقصها البذاءة.

بين أمور كثيرة تم القضاء عليها في لبنان، أقدمت الطبقة السياسية على القضاء على "الفضيحة"، ذاك أن قوة الفضيحة تكمن بما سيعقبها وبما تخلفه من عواقب. في لبنان لا عواقب للفضيحة، وبالتالي فهي تجهض في لحظة وقوعها، وبعد ثوان من انقضائها يستأنف أهلها سعيهم إلى الفضيحة التي ستعقبها.

آخر الفضائح المجهضة تمثلت بإقدام ١٥ نائبا في البرلمان على السطو على ١٥ جرعة لقاح فايزر من خارج برنامج التلقيح الوطني، وهو ما أثار ذهول لجنة التلقيح والبنك الدولي الذي يمول الحملة، وطبعا مئات الآلاف ممن ينتظرون اللقاح ويستحقونه بحسب أعمارهم ومهنهم.

مثل صغير حول الفاجعة التي تعرضنا لها يكشف للقارئ غير اللبناني هول ما جرى، ذاك أن اللبناني يعيش في قلب الفاجعة أصلا ولا حاجة لتقريبها من ذهنه، فقد كتب الناشط علي مراد على "فيسبوك" أن والده طبيب من مواليد ١٩٤٣، وهو بهذا المعنى يستحق اللقاح بوصفه طبيبا أولا وبوصفه قارب الثمانين من عمره ثانيا، وهو إلى اليوم لم يأخذ اللقاح، في حين أخذه "نواب الأمة" ممن لا يتوفر فيهم غير شرط الوقاحة.

هذه ليست فضيحة، فاللص حين يكشف عن هويته بوصفه لصا يعطل قدرتك على تقبيحه! بماذا ستواجهه؟ بأنه لص؟ لكنه سبقك على وصف نفسه بهذا اللقب. هكذا هم نواب الأمة في لبنان، والرؤساء والوزراء وحاكم المصرف، وصولا إلى القضاة الذين أقصوا زميلهم عن مهمة التحقيق بجريمة المرفأ لأنه "متضرر من الانفجار بحكم وجود منزله في المنطقة التي نكبها الانفجار"، وهذا ما يرشحه إلى إصدار حكم "عاطفي"! ولكن من قال إننا لا نريد حكما عاطفيا على مرتكب جريمة المرفأ يا قضاة لبنان، ويا رؤسائه؟

لا فضيحة بعد اليوم. اللص كشف عن وجهه في مجلس النواب، وسرق اللقاح أمام أعيننا، وتحت أنظار البنك الدولي وجميع وسائل الإعلام. ماذا بعد ذلك؟ فعلا نحن في ظل محنة موت الفضيحة وتحولها خبرا منقضيا لا أثر له ولا شيء يعقبه. الأرجح أن ذلك تم بفعل فاعل. ثمة من قرر قتل الفضيحة، وهو نجح بمهمته. الوجوه مكشوفة تماما، صحيح أنها بلا مياه، لكن الملامح واضحة.

النواب الذين سرقوا اللقاح جرى إدراجهم في لائحة العار، لكن الابتسامة لم تغادر وجوههم، والرئيس الذي سبق رعيته على أخذ اللقاح لم يخجل بفعلته، والقضاة الذين أقصوا زميلهم غير خجلين بفعلتهم، أصدروا في اليوم الثاني أحكاما جائرة بحق فتية رشقوا مبنى البلدية بالحجارة.

لكن الغريب هو صمت العالم على الفضيحة اللبنانية، ذاك أن الأخيرة مجهضة في لبنان، لكنها هي نفسها مشتغلة خارجه. سويسرا قررت التحقيق مع حاكم مصرف لبنان، لأن الفساد في لبنان هو فساد في سويسرا أيضا، وكذلك بريطانيا حين باشرت التحقيق بسجلات الشركة التي أرسلت نيترات الأمونيوم إلى بيروت.

الفساد فايروس لن ينجو منه أي مخالط لحملته، والعالم مهدد بالفساد اللبناني. البنك الدولي الذي يمول التلقيح في لبنان، لن ينجح بمهمته، وبالتالي سيصيبه التعثر خارج لبنان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين يصل إلى بيروت ويباشر بتوزيع الابتسامات على أصحاب الوجوه الملقحة عنوة، فهو يهدد قيم الأمة في فرنسا بأن يصيبها مس من فساد وخذلان.

للصوص أصحاب الفضيحة المجهضة شرعية مثبتة، ونحن إذ عاجزون عن إسقاط هذه الشرعية في الداخل، فإن استمرار تعامل الدول والحكومات مع هذه العصابة بوصفها دولة تملك شرعية يشكل فضيحة موازية، لكنها غير مجهضة. فما ترتكبه العصابة يجري تحت أنظار كل العالم، ولا حاجة للكشف عن شيء، ذاك أن الجريمة معلنة، ولا رغبة لمرتكبها بأن يخفي هويته.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.