رغم تدخل جهاز المخابرات في كل مناحي الحياة فهو لا يُثير الخوف والرعب
رغم تدخل جهاز المخابرات في كل مناحي الحياة فهو لا يُثير الخوف والرعب

الرسالة التي وجهها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى مدير المخابرات العامة كانت لافتة ومثيرة للجدل، وما تزال رغم انشغال الناس بتساقط الثلوج، وتزايد الإصابات بفيروس كورونا، تحظى بنقاش واسع، وتفتح الباب للتكهنات والتساؤلات.

على غير المعهود، فإن الملك يطلب من المخابرات أن تنسحب من المشهد قليلا، وتُفسح المجال للمؤسسات العامة أن تُمارس عملها دون مساعدة أو تدخل من جهاز الاستخبارات، مُذكرا بأن هذا دورها الدستوري الأصيل.

في الرسالة الملكية التي حفلت بعبارات الثناء والمديح لجهاز المخابرات في الأردن محاولات لتفسير أسباب توسع عملها، حيث أعيد الأمر كله "لملأ الفراغ الخطير الناشئ عن عدم امتلاك بعض المؤسسات صاحبة الاختصاص القدرة على النهوض بمسؤولياتها واختصاصاتها، وبخاصة الاقتصادية والاستثمارية والرقابية في تلك الحقبة".

يأمر الملك المخابرات بالتفرغ للعمل الاستخباري المحترف بمفهومه العصري الشامل، والعمل على التصدي ومكافحة الإرهاب، والمخاطر الأمنية التي تستهدف البلاد.

من يعرف الأردن يُدرك أن هذه الرسالة تحمل مؤشرات هامة، وتشي بتحولات لا يمكن تجاهلها، فدائرة المخابرات هي حكومة الظل الحقيقية، وصاحبة القرار الأعلى الذي يسمو في كثير من الأحيان على ما عداه؛ ولهذا فإن الكثير من الأسئلة تقفز إلى الأذهان ربما أهمها وأبرزها، هل ستستعيد الحكومات ولايتها بعد هذه الرسالة؟

بتفصيل أكثر، هل ستتشكل الحكومات الأردنية دون العودة لرأي المخابرات، وهل التعيينات في الوظائف القيادية ستمر دون استمزاج موقفها، وهل الانتخابات البرلمانية ستجري بعيدا عن رؤية المخابرات للمخرجات؟

وحتى لا نُطيل أكثر فإن دائرة المخابرات تتابع كل شيء داخل البلاد وخارجها، وكل مسؤول في المؤسسات العامة هناك نظير في المخابرات يرصد ماذا يفعل، وهذا ينطبق على الحكومة، والبرلمان، والإعلام، والمجتمع المدني، والأحزاب، وحتى قطاعات الأعمال والاستثمار.

رغم تماس وتدخل جهاز المخابرات في كافة مناحي الحياة، فإنه لا يُثير الخوف والرعب، ويحتفظ بسمعة إيجابية عند المجتمع، وتحظى الأجهزة الأمنية بمؤشرات ثقة في استطلاعات الرأي، فهو يُدار بشكل مؤسسي واحترافي، وباستثناءات قليلة لم تُسجل عليه انتهاكات حقوقية مثلما يحدث في أجهزة الاستخبارات الأخرى في دول الإقليم.

في الأردن، المخابرات في زمن الأحكام العرفية وفي سنوات التحول الديمقراطي لم يُقتل أو يختفِ في سجونها أحد، وهي جزء من مؤسسات الدولة لا يخشى الناس التعاطي معها، وحتى حين تلتقي ضباطها تختلف معهم، وتجادلهم وتنتقدهم، وتصافحهم وتنصرف إلى عملك أو منزلك آمنا مطمئنا.

رسالة الملك فتحت شهية ومخيلة الناس لمراجعات تطمح إلى إعادة القرار للمؤسسات المدنية العامة، وفي المشهد استحضروا صورة رئيس الوزراء الأسبق وصفي التل في ستينيات القرن الماضي، حين ذهب إلى دائرة المخابرات وقرر أن يحرق بحضور مديرها محمد رسول الكيلاني الملفات الأمنية أو ما يُسمى "القيود الأمنية" للمعارضين السياسيين؛ ليدلل على سلطة الحكومة، وطيّ صفحة الماضي.

كل رؤساء الحكومات يتحدثون عن ولايتهم العامة، ولكن ما إن يحاولوا اتخاذ قراراتهم بمعزل عن مشاورة المخابرات والاستماع لرأيها، حتى تضيق حلقات الحصار عليهم، ويفقدون القدرة على العمل، وأحيانا حتى وزراؤهم يتمردون عليهم.

رئيس الوزراء الأسبق عبد الكريم الكباريتي كان يُدرك أسرار القوة في الدولة، ويعرف أن رئيس الوزراء الذي لا "يُسيطر" أو يحتوي على الأقل المخابرات والديوان سيُصبح مع مرور الأيام دُمية لا أكثر، وحين كلفه الراحل الملك الحسين برئاسة الحكومة استسمح الملك، وكان له الرأي في اختيار مدير المخابرات سميح البطيخي، ورئيس الديوان عون الخصاونة، ورغم صداقته معهما فإنه لم يسلم بعد أقل من عام من تضييق الخناق عليه وعلى حكومته.

 

 صورة دائرة المخابرات ترسخت دوليا كقوة لا غنى عنها في مكافحة الإرهاب

 

قليلة هي الحالات التي كانت دائرة المخابرات تتعرض للنقد من قبل الحكومة، وربما هذا ما فعله رئيس الحكومة الأسبق عون الخصاونة مع بداية "الربيع العربي" ليكسب ودّ الشارع الغاضب حين خرج في مؤتمر صحفي ليُدين ما سماها "أخطاء وتجاوزات" المخابرات، واعدا ألا تتكرر .

لا يمكن قراءة تاريخ الأردن بانعطافاته الصعبة دون أن تكون دائرة المخابرات حاضرة، ودورها توسع خارج حدود البلاد، واستذكار ما قاله الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون حين نوه بأن الأميركيين ما كان يمكن أن يهنئوا باحتفالات الألفية لولا جهود المخابرات الأردنية، هذا يُضيء على دورها الإقليمي والدولي، الدور الذي وثقته هوليوود في أفلام جسّدت شخصية مدير المخابرات الأردني الأسبق سعد خير.

صورة دائرة المخابرات الأردنية التي ترسخت دوليا كقوة لا غنى عنها في مكافحة الإرهاب كانت تتعرض للاهتزاز والخدوش داخليا بعد محاكمة مدير المخابرات الأسبق محمد الذهبي بتهم فساد، وسجنه، وبعد أن أصبح سهلا أن تستمع لقصص تحمل اتهامات بإساءة استخدام السلطة والنفوذ، وهو الأمر الذي دفع الملك قبل أكثر من عامين إلى الحديث العلني عن هذه التجاوزات، والمطالبة بوضع حد لها.

لا تُقرأ رسالة الملك بلغة واحدة، فهناك من يراها وينظر لها على أنها رسالة للخارج في عهد الرئيس الأميركي بايدن، وبأنها توطئة لخطوات نحو الإصلاح السياسي، وتغمز أصوات إلى أن الرسالة سيقرأها بعناية ويفهمها مدير المخابرات الأميركية "CIA" وليم بيرنز الذي يعرف جيدا تفاصيل المشهد الأردني.

الإعلامية رنا الصباغ في مقالة لها وزعت على وسائل التواصل الاجتماعي، وتجرأت على نشرها بعض المواقع الإلكترونية، اعتبرت أن الرسالة انقلاب أبيض 180 درجة، لكن التنفيذ يحتاج إلى سنوات لفك اشتباك الدائرة مع الأعمال غير الاستخبارية، مُشيرة إلى أنها تأتي قبل زيارة الملك لواشنطن.

أكثر المقالات صراحة وطرافة ما كتبه الوزير الأسبق بسام العموش، داعيا إلى عدم انشغال المخابرات بإيصال نائب أو رئيس بلدية، أو تحجيم اتجاه سياسي، وصناعة أشخاص لن يكونوا رموزا.

الكاتب والإعلامي فهد الخيطان يذهب في قراءة مخالفة لرسالة الملك، فيراها موجهة للداخل ولا علاقة لها بالتطورات الخارجية، وهي محصلة مراجعات هادفة في مراكز صنع القرار، وهي موجهة لكل قيادات الدولة لينهضوا بمؤسساتهم.

الأهم فيما يراه الخيطان أن انسحاب المخابرات من المساحة السياسية والشأن الوطني الداخلي بحاجة إلى خطة زمنية متدرجة، وقد يستغرق بضع سنوات قبل أن تتمكن مؤسسات الدولة من الاعتماد على نفسها، والاستغناء عن "رعاية المخابرات".

ما لم يخرج الملك ليُقدم إيضاحات تؤطر رؤيته للعلاقة المتشابكة بين المخابرات وأجهزة الدولة، فإن الالتباس في فهم الصورة سيبقى، أو أن تُبادر دائرة المخابرات لإعادة ترسيم خارطة طريق جديدة لتموضعها.

لعبت دائرة المخابرات أدوارا حاسمة في الحفاظ على تماسك الدولة الأردنية، وحماية العرش في حقبة الخمسينيات والستينيات إبان لاستقطاب الناصري، والبعثي، وتمدد اليسار والقوميين، وحين عصفت رياح "الربيع العربي" استدعى الملك فيصل الشوبكي ليقود الجهاز، ويُهندس احتواء الحراك الشعبي وتفكيكه.

 

  لن يُحال دور المخابرات للتقاعد والحاجة لها كـ "بيت خبرة" يُقدم رؤيته لصناع السياسة لا غنى عنه

 

رغم قوة جهاز المخابرات منذ تأسيسه قبل ما يُقارب ستين عاما، إلا أنه كان يتجنب في العقود الماضية الاشتباك العلني في إدارة الحكم، وفي السنوات الأخيرة كانت بصمات مدراء المخابرات حاضرة في كل التفاصيل، ويسترجع الأردنيون معركة كسر العظام التي وثقت فصولها بين رئيس الديوان الملكي الأسبق باسم عوض الله، ومدير المخابرات حينها محمد الذهبي.

أجهزة المخابرات في العالم الديمقراطي مؤسسات قوية، ولا جدال في الدور الحيوي للمخابرات الأميركية "CIA"، أو البريطانية "MI6" على سبيل المثال في حماية الأمن الوطني، أو تقديم تصورات وسيناريوهات لقضايا مفصلية مهمة، ولكنها لا تحكم مسار العمل التنفيذي اليومي، وتوصياتها للحكومة قابلة للنقض؛ فهي سلطة خاضعة للمساءلة، وبمعنى آخر أنها ليست "حكومة ظل" موازية تمتع بصلاحيات غير محدودة.

لن يُحال دور دائرة المخابرات للتقاعد، فالحاجة لها كـ "بيت خبرة" يُقدم رؤيته لصناع السياسة ليتخذوا قراراتهم أمر لا غنى عنه، وهذا يختلف عن مزاحمتها على الإدارة التنفيذية، وسحب البساط من تحت أقدام قيادات الدولة، وتقزيم أدوارهم.

هل نشهد فصلا جديدا من تاريخ الدولة الأردنية، وهل ستُغير الرسالة من مداميك صناعة القرار، أم سنظل أسرى الاشتباك الأمني السياسي؟، فالمطلوب بسيط جدا، وباختصار أن تنصرف المخابرات لعملها الأمني والاستخباري المُقدر، وأن تبتعد قدر الإمكان عن الاشتباك اليومي مع القضايا السياسية والمحلية والخدماتية، وتترك للحكومة وأجهزة الدولة أن تُدير المشهد بدل أن تُديره نيابة عنهم، وبلغة أوضح أن تتخلى عن سلطتها كـ "حكومة ظل"، وتقبل أن تذهب قليلا إلى الظل.

أخيرا، رسالة الملك خطوة مهمة يجب التقاطها والبناء عليها، وعلى المسؤولين في جهاز الدولة أن يمتلكوا الجرأة لممارسة صلاحياتهم الدستورية، فليس مقبولا بعد اليوم تعليق الأمر على مشجب المخابرات.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!