من الواضح هنا أن الأصل هو زوجة واحدة كما خلق الله حواء لسيدنا آدم
من الواضح هنا أن الأصل هو زوجة واحدة كما خلق الله حواء لسيدنا آدم

شهد المجتمع المصري جدلا واسعا بعد تناول العديد من وسائل الإعلام مسودة مشروع جديد للأحوال الشخصية مقدم من الحكومة إلى مجلس النواب. ويتضمن القانون عددا من المواد الخاصة بأحكام الزواج والطلاق، وهي قضية تمس الأسر المصرية بشكل مباشر.

وأوضحت بعض المصادر أن القانون ألزم الزوج في مادته (58) أن يقر في وثيقة الزواج بحالته الاجتماعية، فإذا كان متزوجا عليه أن يبين في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته ومحال إقامتهن، وعلى الموثق إخطارهن بالزواج الجديد بكتاب مسجل مقرون بعلم الوصول.

وأضافت بعض المصادر أيضا أن المشرع وضع في القانون عقوبة حاسمة للزوج المخالف، تقضي بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه، ولا تزيد على 50 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، ويعاقب بذات العقوبة المأَذون المختص حال عدم التزامه بما أوجبه النص عليه من إخطارهن بالزواج الجديد، وهو ما أثار جدلا كبيرا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وما بين مؤيد بقوة لصدور مثل هذا القانون ومعارض بشدة له تأتي مجموعة من الأسئلة الحتمية في هذا الأمر.

أول سؤال يتبادر إلى ذهني هو إن كان تعدد الزوجات هو الفطرة الإلهية لماذا إذا خلق الله لآدم زوجة واحدة ولم يخلق له عدة زوجات، فكما قالت الآية الكريمة (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء- سورة النساء آية 1). 

فلو كان "تعدد الزوجات" هو الفطرة الإلهية لخلق الله لآدم عدة زوجات بدلا من زوجة واحدة!

وفي هذا المضمار يأتي سؤال ضمني، ألا وهو إن كان الإسلام كما يقول الكثيرون هو "دين الفطرة" (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله – سورة الروم آية 30) فلماذا إذا لا يريد البعض اتباع "فطرة الله" كما جاءت في قصة خلق آدم وحواء بأن جعل للرجل زوجة واحدة وليس أكثر؟

أما السؤال الثاني فهو هل زواج الإنسان بزوجة أخرى بعد أن أفنت عمرها معه وساعدته في كل مراحل حياته وراعته في مرضه وضحت لأجله وتحملته وقت ضعفه هو ظلم أم لا؟ ولهؤلاء الذين لا يراعون هذا أذكرهم بقول الله عز وجل (ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا – سورة الفرقان آية 19) وأذكرهم بقول المولى جل وعلا (وأما القاسطون (أي الظالمون) فكانوا لجهنم حطبا -سورة الجن آية 15).

وقد يقول البعض وماذا إن كانت الزوجة مريضة أو لا تستطيع الإنجاب، أو غيرها من الحجج الفارغة المهينة للمرأة والتي يستخدمها البعض لإباحة التعدد. أقول لهؤلاء وأوجه لهم السؤال الثالث وهو: هل تقبل نفس الشيء بأن تتزوج عليك زوجتك رجلا آخر إن أصبحت مريضا أو أنك كنت لا تستطيع الإنجاب! هل كنت سترى ذلك عدلا وإنصافاً! وقبل أن يقول قائل أن زواج المرأة بأكثر من رجل فيه إشكالية عدم معرفة نسب الأبناء فإن العلم سيرد عليه بقوة بأن معرفة من هو الأب في مثل هذه الحالة الافتراضية أصبح أمرا في غاية السهولة اليوم من خلال الدراسات الجينية!

ثم يأتي السؤال الرابع من قصص الأنبياء. فلم نسمع في القرآن أن الأنبياء السابقين والذين أُمِر الرسول عليه السلام أن يقتدي بهداهم كما قالت الآية الكريمة (أولئك الذين هدى الله فبهداهم إقتده – سورة الأنعام آية 90) كانوا "معددون"!

فعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر قول الله عن سيدنا زكريا عليه السلام (فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين- سورة الأنبياء آية 90) ونذكر قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام (وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب - سورة هود آية 71).

وقد يقول قائل بأن الرسول عليه السلام كان متزوجا بأكثر من امرأة. ولهؤلاء أقول لهم ولكن الرسول أيضا حرم الله عليه النساء - وليس فقط الزواج - في مرحلة ما وبما يحويه هذا التحريم من معاني متعددة قد تشمل العلاقة الجسدية لكي يتفرغ للتعبد إلى الله (لا يحل لك النساء من بعد - سورة الأحزاب آية 52). ونلاحظ أن الآية استخدمت تعبير "النساء" وليس "الزواج" والفارق بين التعبيرين كبير للغاية! فهل سيقتدي أصحاب الرأي السابق بالرسول في هذا الأمر أيضا! أي هل سيُحرّمون النساء على أنفسهم كي يتفرغوا لعبادة الله!

ومن الواضح هنا أن الأصل هو زوجة واحدة كما خلق الله حواء لسيدنا آدم وكما ذكر القرآن عن الأنبياء السابقين مثل سيدنا "زكريا وزوجه" و"إبراهيم وامرأته" عليهم جميعا سلام الله وأن ظروف الرسول عليه السلام كما تم ذكره كانت ظروف مرحلية وليست هي الأساس.

وكلنا يعلم أن آية إباحة التعدد بها أداة شرط لا يأخذ بها أحد في بدايتها ألا وهو (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى - سورة النساء آية 3) وأن نفس الآية اشترطت العدل (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) ثم أقرت نفس السورة بعد ذلك باستحالة العدل (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم- سورة النساء آية 129).

وهنا من حقنا أن نرى أن موضوع التعدد كان فقط أمرا مرحليا نظرا للظروف الاجتماعية حينذاك وأنه لم يكن أبدا فطرة الله التي فطر الناس عليها. فلو حرم القرآن التعدد بصورة قطعية لتم طلاق أعداد لا يمكن تصورها من النساء وخراب بيوتهن وتدمير أو تشريد لأسرهن وقت نزول القرآن. وهنا نستطيع أن نقول أيضا بأن وضع  قوانين لموضوع التعدد في القرآن لا يعني قبول القرآن له وهو مثله مثل أن سن قانون لنسب الطفل في حالات الاغتصاب لا يعني على الإطلاق القبول بالاغتصاب!

ثم تأتي الإحصائيات العالمية أيضا بأسئلة واضحة في هذا الأمر. فلو كانت نسبة النساء إلى الرجال أربعة إلى واحد لكان هناك منطق لهؤلاء الذين يقولون أن تعدد الزوجات يتفق مع المنطق والفطرة والعقل! ولكن الحقيقة الصادمة لمثل هؤلاء أن عدد الرجال في العالم عام 2020 يفوق عدد النساء! فنسبة الرجال في العالم اليوم هي (50.4%) بالمقارنة بنسبة النساء وهي (49.6%). وفي هذه الحالة تنتفي فكرة أن التعدد منطقي لأن أعداد الرجال تفوق أعداد النساء!

ولو افترضنا جدلا أن تعدد الزوجات مبني على افتراض أن عدد النساء هو أكثر من عدد الرجال فهل سيقبل أصحاب هذا المنطق اليوم أن تتزوج المرأة – بناء على نفس المنطق - أكثر من رجل في حالة زيادة عدد النساء عن عدد الرجال كما هو الحال على مستوى العالم في يومنا هذا!

وأطرح هذه الأسئلة على القراء ليناقشوها ونناقشها معا بهدوء!
وللحديث بقية!

قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
قطاعات تشهد إقبالا على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي

تخصصي هو الأدب الإنجليزي، تحديداً أدب المسرح، وعشقي الأول هو الأدب العربي، تحديداً مسرح توفيق الحكيم. كل ما أعرف وأحب وأتقن ينحكر في اللغة، في فن البلاغة والتعبير، في هذا الإعجاز التواصلي الذي عبر عنه جوزيف كونراد، روائي القرن التاسع عشر العظيم، الذي قال في الفنان، أو الكاتب في هذا الموقع، أنه يخاطب قدراتنا الأقل وضوحاً، يخاطب هذا الجزء من طبيعتنا الباقي خفياً، فتأثير الفنان "أقل ضجة، أكثر عمقاً، أقل وضوحاً، أكثر إثارة-و سرعان ما يُنسى". إلا أن هذا التأثير، يوضح كونراد، يذهب إلى عمق أبعد وبالتالي يستمر لفترة أطول.

فالفنان يخاطب "قدرتنا على الاستمتاع والتساؤل، الشعور بالغموض الذي يحوط حيواتنا، الشعور بالتعاطف والجمال والألم، الشعور الكامن بالألفة مع كل المخلوقات—وبالقناعة الغامضة ولكن المنيعة بالتكاتف والذي يضفر سوياً عزلة عدد غير محدود من القلوب، يخاطب تضامننا في الأحلام، في الفرح، في الحزن، في التطلعات، في الأوهام، في الأمل، في الخوف، والتي جميعها تربط البشر بعضهم ببعض، والتي تربط الإنسانية كلها بعضها ببعض—الموتى بالأحياء والأحياء بمن لم يولدوا بعد".   

في وداعي لموقع "الحرة" الذي يتجه كما كل إعلام زمننا المعاصر بطبيعة الحال والواقع والتطور تجاه المرئي والمسموع أكثر من المكتوب والمقروء، أودع في مواجهة أولى مع نفسي لربما فني القراءة والكتابة ككل كمهارتين آخذتين في التقلص أمام الهجمة التكنولوجية المحقَّقة. لقد خدم فنّا القراءة والكتابة البشرية على مدى قرون طويلة، صنعا الحضارات ووثقا التاريخ وأعطيا للحياة بعداً أعمق، ولربما أكثر مخادعة، من حقيقتها، أعطياها أهمية وهي الضحلة، أعطياها فلسفة وهي عديمة المعنى، أعطياها ديمومة وهي الذاهبة إلى العدم. والآن ها هي البشرية تتجه إلى مهارات أخرى توثق بها نفسها وتبني بها الحضارات القادمة. ورغم نظرتي الديستوبية الدائمة للمستقبل البشري، أنني متأكدة أن البشر سيجدون وسائل تواصل وتعبير جديدة، أقل إرهاقاً وأسرع نتاجاً وأكثر دقة، وإن أقل عمقاً وروحانية، للتوثيق ولبناء الحضارات القادمة وذلك إلى حين، إلى أن ندمر بشريتنا وأرضنا بأنفسنا بحرب أو تلوث أو تكنولوجياً تستعبدنا وتنهي جنسنا المسكين.    

الوداع حزين دائماً، لكنه المقدر الحقيقي لحيواتنا كبشر، مع كل كبيرة وصغيرة في وجودنا في الواقع. كل شيء إلى نهاية، حتى أجمل الأشياء وأكثرها خدمة لجنسنا وبناءً لحضاراتنا وإمتاعا لأرواحنا وإضفاءً لمعنى/ لحيواتنا. ودعنا الكثير عبر تاريخنا، وتخلينا عن الكثير، إلا أننا على وشك توديع عامل مفصلي خلاب، خدمنا في انتقالنا من كائنات شبه بشرية بعدها معلقة في الأشجار إلى كائنات عاقلة ذكية هي وحدها التي استطاعت، بفضل هذا الخلاب المتمثل في التعابير والكلمات ومن ثم لغاتها، أن تسائل وجودها وتتساءل حول مصيرها. نحن على وشك أن نتغير عميقاً وحثيثاً، لنصبح كائنات أكثر ذكاءً وكمالاً ومنطقية ولربما بروداً وعملية كذلك، لنصبح أكثر تكنولوجية وأقل روحانية وشعوراً بالشجن. وكما سيختفي الكتاب، قد يختفي الانبهار بشروق الشمس وبصوت المطر وبجملة شعرية خلابة تنتقل عبر الأجيال. وقد لا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين، أتمنى ألا يحدث كل هذا التنبؤ الحزين رغم أنني أطرفه بعيني بخشية وأسى. 

وعلى كلِّ، أنا ممتنة جداً للدنياً والزمن والقدر أن وضعوني جميعهم على حافة هذا الثقب المظلم الخلاب الذي سينقل البشرية من وجود إلى وجود، في منتصف الطريق بين حضارة الورق والأقلام والكتابة والقراءة وحضارة التكنولوجياً والمرئي والمسموع ولربما في المستقل القريب المُبَرْمَج مباشرة في العقول. لقد عشت حياتي مع الورق والأقلام، فقرأت وكتبت واستمتعت بتشكيل الكلمات جملاً، والجمل معاني عميقة. عشت زمناً تُكتب فيه الرسائل بالقلم لا عبر الإيميل، ويُحمل فيه الكتاب الورقي نقرأه مهتزين في السيارة أو بين السحاب مرتفعين في الطائرة لا نسخة تطن من جهاز التلفون عبر سماعات أثيرية حديثة. ثم ها أنا أعيش حالة الإيميل والكتاب المسموع، ولا أعلم ما قد تلحقه سنواتي القادمة من تطورات قد يُقدَّر لي أن أشهدها قبل أن أذهب بدوري إلى ما لا نهاية هذا الكون الغريب.    

شكرا للحرة بضع سنوات في عمود، تواصلت من خلاله واتصلت، اتهمت آخرين واتُّهِمت، غضبت وفرحت، انتقدت ودافعت، أحببت وكرهت، وجهت رسائل مبطنة وتواجهت مع ردود الفعل تجاهها، وثقت حبي وألمي وغربتي وكل مشاعري، وتوثقت ككاتبة، ذات زمن هو على وشك الانتهاء، على صفحاتها. الوداع حزين والاعتياد الأليف الموشك على الانقطاع موجع، لكنها الحياة، وهو القدر، وكل شيء إلى نهاية، فوداعاً للحرة، وشكراً على كل شيء.