صورة أرشيفية لمقاتلتين أميركيتين من طراز F-18E.
صورة أرشيفية لمقاتلتين أميركيتين من طراز F-18E.

الضربة الأميركية فجر الجمعة في سوريا والتي استهدفت بما يفوق طن ونصف من الذخيرة سبعة أهداف لميليشيات إيرانية، تعبر وبشكل لا لغط فيه أن الرئيس الجديد جوزيف بايدن، لن يتهاون في ملفات الأمن الإقليمي والرد "بالوقت والمكان" المناسبين حيث تفترض المصالح الأميركية ذلك.

القصف الأميركي، الذي دمر عدة منشآت تقع عند نقطة مراقبة حدودية لسوريا مع العراق الساعة الواحدة فجرا في التوقيت المحلي، استهدف عددا من الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، بما في ذلك "كتائب حزب الله" و "كتائب سيد الشهداء". المرصد السوري لحقوق الإنسان قدر عدد الضحايا بـ17 مقاتلا، فيما قال البنتاغون إنهم لا يتجاوزون عدد الأصابع وأكد على دقة الأهداف.

الضربة وهي الأولى لبايدن في الحلبة السورية ضد حلفاء إيران تعكس نهجا أميركيا مختلفا عن ذلك الذي صاحب حقبتي دونالد ترامب وباراك أوباما. 

فعلى عكس ترامب، بايدن الهادئ والكتوم، لا يهدد ويرشق الاتهامات عبر "تويتر" بعد كل صاروخ تطلقه الميليشيات الموالية لإيران في العراق ضد المنطقة الخضراء أو باتجاه قواعد عسكرية. وعلى عكس أوباما، فإن بايدن الوسطي البراغماتي، لا يبدي ضعفا في الساحة الإقليمية خوفا على مفاوضات حول الاتفاق النووي لم تبدأ أصلا مع إيران. فأميركا يمكن أن تفاوض حول التخصيب ونسب اليورانيوم وفي نفس الوقت تحمي وجودها الاستراتيجي في المنطقة. 

ترامب اختار الانسحاب من سوريا وهدد بالانسحاب بالكامل من العراق، فيما انسحب أوباما في 2011 من العراق قبل أن يعود في 2014 لمحاربة داعش. بايدن أكثر حذرا وأقل تسرعا من الاثنين، وهو ليس بصدد الانسحاب أو التصعيد مع طهران في العراق. 

ضربة بايدن فيها من الحذاقة السياسية والعسكرية ما يجب أن يقلق إيران. فهي موجعة عسكريا نظرا لعدد الميليشيات الموالية للحرس الثوري الموجودة في تلك المنطقة، وفي نفس الوقت هي محسوبة لجهة عدم جر العراق إلى منزلق تصعيدي بين أميركا وإيران وتحييده من خلال ضرب سوريا.

وفي نفس الوقت فإن الضربة ليست استعراضية وتوازن بين مصالح أميركا في محاولة تثبيت قوة الردع ضد إيران بعد ثلاث هجومات استهدفت مصالحها في العراق في الأسبوعين الأخيرين، أبرزهم في أربيل، وبين ضرورة الجلوس على طاولة المفاوضات مع طهران حول الملف النووي.

هذه هي المعادلة التي يفرضها بايدن بالموازنة بين الدبلوماسية النووية والمصالح الإقليمية التي ليست الإدارة الجديدة بوارد التخلي عنها أمام ميليشيات ليست لديها الشجاعة لتبني الهجوم الصاروخي، لا بل تختبئ خلف أسماء وسرايا "أولياء الدم" المعروف من مظلتها. 

القصف في سوريا يصعب على إيران الرد أيضا. فليس هناك العمق الشعبي الموجود في العراق للسير بتظاهرات للحشد الشعبي والدعوة لانسحاب أميركي وفي حال اختارت هذه الميليشيات الرد على الأميركيين في سوريا، فستصطدم بقوات سوريا الديمقراطية والطيران الأميركي. فالميدان السوري أصعب على إيران للتحرك ضد أميركا من العراق، والدليل هو مواجهة دير الزور في 2018 بجانب حقل الغاز كونوكو وحيث حاولت إيران وروسيا تحدي واشنطن، وتعرضت لهجوم جوي وقتلى بالمئات. 

الترحيب السياسي الداخلي في واشنطن بالضربة من الجمهوريين كما الديمقراطيين يعطي بايدن اندفاعة باتجاه تنسيق بين الكونغرس والبيت الأبيض كان غائبا في السنوات الأخيرة. 

ضربة سوريا هي أول تعبير عن نهج وسطي وغير استعراضي لبايدن في مقاربة تحديات مفصلية للمنطقة. فالباب مفتوح أمام إيران للمفاوضات كما هو مفتوح أمام واشنطن لحماية مصالحها وخط قواعد اللعبة.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.