صندوق الانتخاب يعكس الانتماء الديني أو القومي أو الاجتماعي أو القبلي أو المناطقي
صندوق الانتخاب يعكس الانتماء الديني أو القومي أو الاجتماعي أو القبلي أو المناطقي

يقول عنوان تقرير لصحيفة نيويورك تايمز صدر في 14 فبراير 2021 إن "الربيع العربي فشل لكن طعم الديمقراطية الذي ذاقته الشعوب في ظله ما زال يثير شهيتها للتغيير!".

الواقع أن ذلك هو مجرد اشتباه، فما ذاقته الشعوب العربية لم يكن هو طعم الديمقراطية، وإنما هو طعم الفوضى وانفلاش قبضة الأمن والاحتكام إلى الغرائز البدائية. وهو طعم لا شك أنه يثير الشهية لأن الطبيعة البشرية في أبسط صورها تميل إلى ذلك – إلى التحرر من كل قيود.

هناك جنوح في العالم الغربي إلى تفسير كل تحرك سياسي شعبي في الشرق الأوسط على أنه يهدف إلى تحقيق الديمقراطية، وكل جماعة ترفع شعار الديمقراطية والحرية (أو تتخذ منهما مسمى لها) هي تسعى فعلا إلى تطبيق ذلك. وهذا مجرد وهم وإسقاط لما يريده أو يعتقده هؤلاء الجانحون.

الواقع أن الديمقراطية بعيدة التحقق في العالم العربي، لأنه لا توجد لها أي أرضية أو مقومات دينية وثقافية واجتماعية وسياسية.

الصراعات المهيمنة اليوم هي صراعات في الغالب ليس ميدانها الديمقراطية، وإنما الهوية والطائفة والقبيلة والجهة وبعض المصالح الفئوية الأخرى.

فالناس لا تريد الحرية لأنها تفتقدها، إذ هي أصلا مقيدة دينيا واجتماعيا، أكثر بكثير من القيود السياسية. ما تريده الناس هو تأمين لقمة العيش أولا، وتاليا الاعتراف بهويتها سواء الدينية أو القومية أو الاجتماعية أو القبلية.

أما مسألة الديمقراطية فالحقيقة أنه لا أحد يكترث لها في العالم العربي. بل لا أحد يفهم ماذا تعني في نهاية المطاف.

فإذا تحدثنا عن صندوق الانتخاب، فهو لن يزيد عن وسيلة لتأكيد تلك المطالب، ولذلك فهو لا يعكس سوى الانتماء الديني أو القومي أو الاجتماعي أو القبلي أو المناطقي، وإذا تحدثنا عن البرلمان الذي ينتج عن هذه الانتخابات فهو الآخر يعكس هذه المفاهيم.

وبطبيعة الحال يرى الجانحون، وهم محقون، بأن النظام الديمقراطي لا يعني فقط صناديق الاقتراع وفوز الأغلبية، وإنما يعني جملة مبادئ تشمل الفصل بين السلطات والتعددية والتسامح وحماية حقوق الأقلية وسلطة القانون والحريات وحقوق الإنسان... إلخ.

وفي العالم العربي لا وجود لهذه المبادئ. فرغم أن الدساتير تنص مثلا على الفصل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، لكن الجميع يعلم ويشاهد بأن هذا الأمر لا يحدث على ذلك النحو. لأن الحكومات، وهي حصيلة الوعي الطبيعي والجمعي للمجتمع، لا يمكن أن تلتزم بهذا النوع من الفصل. فهي لا بد أن تمارس الهيمنة الطبيعية على البرلمان وعلى السلطة القضائية، كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

الناس أنفسهم لا يمكنهم أن يستوعبوا وجود مثل هذا الفصل. هم يتوقعون بأن "رجلهم" في البرلمان أو السلطة من المفترض أنه يستطيع أن يمرر لهم بعض الخدمات ويمارس الضغوط هنا وهناك كي يتمكن من تحقيق بعض المصالح.

وهو بدوره لا بد أن يسعى في هذا الأمر، كي يحقق ثقة جماعته فيه ويأتي ضمن توقعات أفرادها.

من باب الدعابة فقط، وربما الجد أيضا، أقول إن ترامب تقمص هذه الشخصية العالمثالثية. فقد كان يحلم بأن يظل رئيسا إلى الأبد في أميركا، وسعى للتدخل في جميع السلطات، وانتقد القضاء، وحاول أن يرهب مسؤولي الولايات، كي يؤمنوا له الفوز في الانتخابات، وعندما فشلت جهوده، أمر أنصاره بمهاجمة مبنى الكونغرس (البرلمان) كي يوقفوا عملية التصديق على نتائج الانتخابات.

طبعا النظام الديمقراطي في أميركا قوي إلى الدرجة أنه لم يفشل جهود ترامب فحسب، وإنما سعى إلى معاقبته. وهذا النظام يملك من الوسائل التي تحول دون ولادة أية ديكتاتورية مهما كان شكلها. مع أن الكثيرين هنا يعتقدون، وهم محقون أيضا، بأنه لا توجد أي نوع من الضمانات، إذ لا بد من اليقظة والتأهب الدائمين لحماية الديمقراطية من الداخل كما من الخارج.

لكن ما فعله ترامب هو النسخة الطبيعية لما يحدث في البلدان العربية، مع أن الحاكم أو المسؤول هناك لا يحتاج إلى القيام بكل ذلك، فلديه من الوسائل التي تؤمن له تحقيق نفس النتائج بأقل قدر من الخسائر. والناس أيضا يمارسون الشيء نفسه ضمن مستواهم وفي نطاق قدرتهم وحيثما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

والخلاصة هي أن الحديث عن الديمقراطية في المنطقة العربية الذي جاء في تقرير نيويورك تايمز، هو حديث يجمع إلى الرغائبية، استباق الأوان، فثمة صراعات مجتمعية ودينية وطائفية ينبغي أن تحسم أولا كي تسمح للإنسان في هذه المنطقة بالتحرر من القيود التي تتحكم في جميع قراراته واختياراته.

حينما يصبح الإنسان قادرا على تحقيق فردانيته والشعور بأهميته كفرد، بصرف النظر عن الانتماءات الأخرى، وحين يصبح قادرا على ممارسة حرية الاختيار وتحمل مسؤولية هذا الاختيار، حينها يصبح للديمقراطية معنى في العالم العربي. وحينها يصبح هناك طعم للديمقراطية يمكن أن يتذوقه الإنسان العربي.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.