إدارة بايدن توعدت بنشر تقرير حول مقتل خاشقجي في وقت قريب.
الرئيس الأميركي يدخل إلى المنطقة من البوابة العراقية

اختار الرئيس الأميركي، جو بايدن، رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، كأول زعيم عربي تتواصل معه الإدارة الجديدة. لا يمكن الفصل ما بين العلاقة الشخصية التي تربط الكاظمي ببايدن ووزير خارجيته، أنتوني بلنكين، وبين موقف أميركي يتبلور حول العراق يُعبر عن توجهات الإدارة الحالية المعنية بالتوصل إلى تسويات عديدة عراقية عراقية وعراقية إقليمية، تضمن استقرار العراق السياسي والأمني في مرحلة مفاوضات بين واشنطن وطهران، بدأت تأخذ طابعا خشنا بعد الضربة الأميركية لأهداف تابعة لفصائل عراقية موالية لإيران في سوريا.

في دلالات الاتصال أو التواصل، يدخل الرئيس الأميركي إلى المنطقة من البوابة العراقية، في مرحلة تعيد فيها إدارته هندسة السياسة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط، وتتطلع إلى صياغة حضورها الدولي، وإعادة تقييم نفوذها على الساحة الدولية، الذي يضع في صلب أهدافه احتواء التمدد الصيني والتوسع الروسي وما يدور في فلكهما أو يلجأ إليهما، وهذا ما يجعل من العراق حيزا جيواستراتيجيا لا يمكن تركه أو إهماله في هذه المواجهة.

لا يمكن فصل الاتصال عن الضربات التي جرت ضد أهداف أميركية في أربيل وبغداد، ولا يمكن فصله أيضا عن الرد الأميركي على هذه الضربات، ولكنه يؤكد أن هناك حرصا أميركيا ولو مؤقتا في هذه المرحلة على تحييد بغداد ورفض أن يتحول العراق إلى ساحة تصفية حسابات بين واشنطن وطهران، وهذا ما يفسر اختيار واشنطن لمكان الرد وحجمه ودون تسمية الفصيل المستهدف، وهي خطوة تخفف الأعباء الأمنية على حكومة الكاظمي وتبعث برسالة إلى الأطراف التي استَهدَفت وثم استُهدِفت بأن خيارات واشنطن ليست تفاوضية فقط.

 الفارق الأبرز بين الإدارتين الأميركيتين الحالية والسابقة أن السابقة حاولت جر الحكومة العراقية إلى مواجهة غير متكافئة وترددت في تقديم دعمها المشروط أصلا، فهي لم تستقبل رئيس الوزراء السابق، عادل عبد المهدي، ولم يزر دونالد ترامب العراق بشكل رسمي أثناء ولايته الرئاسية، بل حمّله عبء اغتيال الجنرال قاسم سليماني على أراضيه، وحمّل الكاظمي عبء تداعياتها، فيما كان بإمكان الرئيس بايدن أن يختار أهدافا داخل العراق، لكنه قرر تحييده وتصغير الهدف من بوابة الحرص على استقرار هش وخطة تفاوض صعبة تتطلب حماية العراق وحكومته من تداعياتها.

عمليا يفتح التصرف الأميركي عدة تساؤلات، فهو يضع الكرة بملعب الكاظمي والفرقاء السياسيين خصوصا الفصائل المسلحة، بأن المغامرة غير المحسوبة مع واشنطن ستكون عواقبها وخيمة على الجميع، وبأن تراجع الوضع الحالي بكل ما فيه من مساوئ سيؤدي إلى فوضى عامة لا يمكن لأحد أن يسيطر على مفاعيلها أو التكهن بخواتيمها، فالضربة رسالة تحذيرية للذين يقفون خلفها بأن الرد المقبل سيختلف في المكان والحجم، وهذا ما يجعل الفصائل العراقية المسلحة تتحمل مسؤولية ما ستؤول إليه الأمور.

الثقة ما بين الكاظمي والفصائل المسلحة ضعيفة، ويمكن أن تحمله مسؤولية الضربة التي تعرضت لها أو تعمل على إحراجه مجددا، خصوصا إذا أرادت أن تربط ما بين اتصال بايدن وتصريح وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) عن تعاون استخباري مع العراق قبل حدوث الضربة، وهذا يعيد إلى الأذهان إتهام بعض الفصائل للكاظمي بالتواطؤ في عملية اغتيال سليماني والمهندس، لكن ردة فعلها ترتبط بطهران التي لم تتخذ قرار التصعيد حتى الآن.

عوامل كثيرة من المفترض أن تجبر طهران على مراجعة أساليبها، من أبرزها اتساع دائرة الرفض الداخلي شعبيا وسياسيا لتصرفات الفصائل ضد البعثات الدبلوماسية وبأنها ضد مصلحة العراق، وكان أبرزها تصريح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين: "إن العراق دولة ديمقراطية ولا توجد فيها مقاومة وأن من يطلق الصواريخ هم إرهابيون ويعملون ضد الحكومة والشعب العراقي".

عود على بدء، إلى الاتصال الأول الذي يعيد الاهتمام الأميركي بالعراق، وتحويله من مكالمة دبلوماسية بين رئيسين تربطهما علاقة شخصية إلى فرصة يحتاجها الشعب العراقي تساعده على الخروج من أزماته المتراكمة، إذا نجحت الطبقة السياسية في إبعاد العراق عن صراع المحاور وانحازت إلى المصالح الوطنية.

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.