فيلم نومادلاند في مهرجان فنسيا السينمائي
فيلم نومادلاند في مهرجان فنسيا السينمائي

لم تستثن جائحة كورونا حفل توزيع جوائز الأوسكار المفترض أن يقام يوم غدٍ في الثامن والعشرين من فبراير الجاري، وكغيره من عشرات النشاطات والفعّاليات الحيّوية العالمية الهامة، فرضت شروطها القسرية عليه وأجّلته حتى نهاية شهر أبريل القادم.
رغم ذلك، نجحت معظم الأفلام المنافسة من الوصول إلى العالم الذي تمتع بمشاهدتها عبر الشاشات المنزلية قبل وقت كاف. أضف أن بعضها حظي بحظٍ طيب وشارك في مهرجانات سينمائية دولية تمكنت من عقد دوراتها في موعدها، مستغلة بعض فرص تراجع الفيروس النسبي عن بعض مناطق العالم في الأشهر الفائتة.

Nomadland- المعرَّب تحت اسم أرض الرحّالة، لمخرجته وكاتبة السيناريو الصينية الأميركية كلويه تشاو، والمقتبس عن رواية للأميركية جيسيكا برودار، واحد من أهم هذه الأفلام التي طافت العالم والمنافس بقوة على أبرز جوائز الأوسكار في دورته 93 لهذا العام، حاصداً في جولته العالمية جائزة الجمهور في مهرجان تورنتو السينمائي، والأسد الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان البندقية 2020. 

المتابع لهذا الفيلم، قد يطرح بداية بعض التساؤلات حول هويته، أو حول مدى توافقه مع الذائقة الجماهيرية مع غياب العديد من مواصفات الفيلم الأميركي التقليدية عنه، التي تحرص في المعتاد على إبراز هيبة انتاجها الضخم أو مؤثراتها البصرية أو مبالغاتها الخارقة للقصص والنجوم.

سرعان ماسيبدد الفيلم هذه التساؤلات ويقدم إجاباته بنفسه، فارضاً برقّة هيبته الخاصة وأسلوبيته المغايرة بوصفه فيلماً أميركياً خالصاً، ينطلق بقوة من  بيئته إلى رحاب الهوية الإنسانية العالمية الجامعة، والتي نسجته بأنفاس صبورة ليبدو قطعة فنية تتلائم مع مصير الفرد الأميركي ومصائر الأفراد حول العالم، أولئك الذين دفعوا جميعاً ثمن العولمة وأمسوا ضحايا الأزمة المالية الكبيرة التي عصفت بالاقتصاد الأميركي أواخر سنة 2008 وتركت تداعياتها الحادة والخانقة على جميع اقتصاديات العالم. 

لا جماليات مصطنعة في نوماد لاند، إذ تهيمن الطبيعة الحرّة على فضاء الفيلم كلاعب رئيسي يستحضر مكوناته الأصيلة من أراض جرداء شاسعة وصخور وصحارى وطرقات طويلة معبدة أو وعرة، وسط تقلبات مناخية تتأرجح وسط تأثيراتها اللطيفة أو القاسية، مصائر أبطال الفيلم من أصحاب المقطورات المتحركة الذين باتوا يعيشون مايشبه حياة الغجر أو حياة البدو الرحّل.

هؤلاء الذين باتوا يشكلون فئة اجتماعية جديدة مهمشة مضافة، ممن فقدوا بمعظمهم حق السكن  المستقر والآمن خلال مواجهاتهم الخاسرة مع الرهانات العقارية الشرسة وديون البنوك، وألفوا أنفسهم مشردين يطوفون الأرض في عربات "الفان" التي تحولت إلى  بيوتهم الحميمة الجديدة، وبرفقتها، سيخوضون تحديات تحول حيواتهم ويعيدون اكتشاف بيئات متنوعة لموطنهم وذواتهم وهوياتهم، واكتشافاتهم الثرية لمعاني التحرر الشامل من الطغيان المادي وتشييء الإنسان وحياته.

باستثناء فرانسيس ماكدورماند، بطلة الفيلم الرئيسة الحاصلة على عشرات الجوائز العالمية الرفيعة من بينها أوسكارين كأفضل ممثلة، سيبدو نوماد لاند فيلماً بلا نجوم يتمتعون بالوسامة والشهرة، لكنهم جميعاً ودون استثناء، سيلعبون أدوارهم بأداء ساحر في صدقه، وتكاد وهلة لاتميز إن كانوا يمثلون باحترافية مدهشة، أم هم أناس عاديون جيء بهم ليلقوا بأثقالهم ويبوحوا  بمكنوناتهم أمام كاميرا عابرة في فيلم تسجيلي. 

في نوماد لاند، ستمسك المخرجة كلويه تشاو مع بطلتها فرانسيس بزمام الأمور بقيادة نسوية ملفتة، رغم أن الفيلم لايطرح نفسه بصفته نسوي من حيث القضية أو الرسالة، أو بسبب جنس مخرجته وبطلته ووجود عدد من الشخصيات النسائية المؤثرة في متنه، لكنه رغم ذلك يمكن النظر إليه من عمق هذا المنظور النسوي الذي منح روح الفيلم تلك اللمسة  العذبة من الدفء الخاص، والتي تسربت في ثناياه ونجحت في المقاربة بين روح الأرض والأنوثة بشفافية، ولغة شعرية قاربت الشكسبيريات التي استُحضرت كإجابات ملهمة على بعض أسئلته الوجودية. 

سيبقى نوماد لاند طويلاً في الذاكرة، ومع كل أزمة اقتصادية جديدة تفرز ملايين الحيوات المشردة في إثرها، سيتجدد طرح الأسئلة حول الذات والمصير، ومدى أهمية تحرر الانسان من فخ التشييء قبل رحلة التيه، ومعنى الخلاص الوجودي الذي يكمن في التواصل البشري وتبادل المحبة، في حياة قصيرة نهايتها الرحيل. 

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.