مدينة طرابلس
مدينة طرابلس

أعاد خبر استدعاء رامي فنج للتحقيق الأسبوع الماضي تذكيرنا بطرابلس وهمومها بعد ان أخذنا منها اغتيال لقمان سليم. ما تهمة الطبيب الطرابلسي؟ توزيع مساعدات وحصص غذائية في ساحة النور!!

في الدولة الفاشلة، صار تقديم المساعدات الإنسانية تهمة.

رامي فنج ملتزم بقضايا الناس، يحمل همومهم الناس قبل انفجار الثورة. إنه من النوع الذي  نطلق عليه صفة  "النقاء الثوري". وهذه تهمته.

كان رضوان السيد قد نجح في التعبير عن غضب الطرابلسيين والسنّة، خصوصاً في إشارته إلى التعامل غير المتسق مع المحتجين من مختلف فئاتهم فيها. لكنه لم يكن محقاً حين رأى ان السنة وحدهم المستهدفون. إن الثورة ومن يحمل لواءها أيضاً هم المستهدفين. لأن القمع والقسوة يطالان جميع الفئات المنتمية الى الثورة، ليس فقط لانتماءاتهم الطائفية بل لمواقفهم السياسية. فلقد شهدنا نفس القسوة في بيروت وخلدة والنبطية وصور؛ وقمع تفاقم بعد انفجار المرفأ في 4 آب، ألم تقتلع عيون الثوار؟

بالمقابل نجد التراخي وغض النظر يطال الفئات المدافعة عن محور السلطة وتلك التي تعتدي على الثوار علناً وتخطف وتكسر وتشعل النيران في بيروت أمام الكاميرات.

هذا لا يمنع ان هناك خصوصية تطال طرابلس التي يراد لها ان تكون المدينة السنية المارقة. اعتدنا طوال الحرب الأهلية على أن تكون بؤرة متفجرة وان تخضع لعنف دوري راح ضحيته مئات القتلى. وذلك بسبب دفاعها عن الفلسطينيين واستخدامها من ياسر عرفات، رحمه الله. فاستحقت عقاب النظام السوري. وكانت هذه البيئة قد أفرزت متشددين اسلاميين سمحت للأطراف الاخرى استسهال وسم جميع الطرابلسيين بالداعشية.

فما هي خصوصية طرابلس؟ ولماذا توظف ككبش فداء ؟

يتطلب فهم الأحداث اتخاذ مسافة منها وتتبعها لفترة طويلة ومتوسطة من الزمن. ما يسمح بفهم أكبر لما حدث.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم السياق الذي أوصل طرابلس إلى أن تكون ساحة وصندوق بريد عند كل مناسبة. بداية، لا بد من ان نأخذ بعين الاعتبار موقع هذه المدينة الجغرافي وتاريخها الممتد منذ ان كانت درة الشرق العربي منذ ألف عام، على ما يصفها امين معلوف في كتابه عن الحروب الصليبية: "مزدهرة تتمتع بالرخاء والأمن ما يجعلها محسودة من جيرانها، فيها "دار العلم" مع 100 ألف مجلد ...". إلى أن أصبحت لاحقاً مرفقاً مدينياً أساسياً من الإمبراطورية العثمانية.

أدّى انهيار الخلافة العثمانية إلى شعورها باليتم، شعور تقاسمته مع العالم العربي. برز إثرها تياران أساسيان، أحدهما الإسلام السياسي الأصولي، على غرار ما حصل في مصر مع الإخوان المسلمين الذين تأسسوا عام 1928 أي بعد 4 أعوام من سقوط الخلافة. وكانت طرابلس أحد مراكز هذا الإسلام السياسي في المنطقة. إضافة إلى التيار القومي العربي، الباحث عن إحياء وحدة عربية كبديل عن الخلافة.

هذا ما يفسر رفض الطرابلسيين الالتحاق بلبنان الكبير في العام 1920، فالحدود المستجدة ستقضي على حلم الوحدة.

أيضاً مانع الجنوبيون الشيعة الالتحاق بلبنان الكبير كي لا ينقطعوا عن محيطهم الفلسطيني والعربي. لكن الاحتلال الاسرائيلي حقق القطيعة التي ترتبت عليها آثار ضخمة لا نزال نعاني نتائجها حتى الآن.

على هذه الخلفية سَهُل استغلال طرابلس كساحة في صراع نفوذ بين مختلف القوى، من فلسطينية وإسلام سياسي، ضد النظام السوري؛ الذي بدوره وظّف العلويين، والاحزاب اليسارية والقومية ضدهم. ما تسبب بجولات العنف الثلاث والثلاثون ومئات القتلى فيما عرف بمجزرة باب التبانة ووسمت المدينة بانها قندهار.

بالطبع من غير المفهوم أن يستمر اضطهاد طرابلس على نفس الخلفية بعد خروج الجيش السوري. كأنها تعاقب لشدة تمسكها بلبنان، فهي أول من رسم في ثورة  17 اكتوبر العلم اللبناني على طول مبنى كبير في ساحتها. وهي منذ ذلك الحين تبرهن يوميا أنها لا تتحرك على أساس طائفي أو سني وزنها ليست قندهار بل عروس الثورة، التي تتعاطف معها مختلف المناطق اللبنانية التي تشاركها نفس المواجع.

إن الإهمال والفقر والضيق الاقتصادي الذي تعرضت له طرابلس، ولا تزال، يجعلها تتوجع قبل غيرها من المناطق، ويسهّل شراء بعض الشبان العاطلين؛ فتغلغل مختلف الأجهزة التابعة لجميع الأطراف، سواء السورية التي تستعيد انفاسها مع استعادة حركة التهريب الناشطة للسلع المدعومة عبر الحدود الشمالية، أو من قبل أجهزة الدولة اللبنانية التي اعتادت استغلال طرابلس لإرسال الرسائل؛ أيضا من قبل سرايا المقاومة وأجهزة أخرى مدعومة من أحزاب ودول وجهات خارجية.

لم يعد ممكناً القبول بإشعال طرابلس عند كل محطة أو مناسبة وترك متسببي العنف والاعتداءات طلقاء بعد كل جولة "فتعجز الأجهزة"، الموصوفة بقدراتها، عن توقيفهم؟ أو توقف الثوار بدل العملاء. وليس مقبولاً أن يكون رؤساء الوزارة السنة، وبعضهم من طرابلس، عاجزين عن إنعاش المدينة اقتصادياً، من مواقعهم الرسمية: بتشغيل مرفئها وإعادة مصفاتها وإحياء معرضها والاعتناء بصناعاتها وأسواقها وحماماتها وآثارها التي تشكل كنزا سياحياً ثميناً على مستوى الشرق الأوسط ككل؟

وذريعة منعهم  "من القيام بواجباتهم" ممن هم إمتداد لسياسة النظام السوري تجاهها، مرفوضة. فما الذي أعاقهم؟ ولماذا؟ ربما تسكتهم المصالح الشخصية وتقاسم الحصص في مجالات اخرى!  والدليل، الثروات الهائلة المكدسة!!

من هنا نتفهم الغضب الشعبي الطرابلسي الذي يجده البعض سنياً كون الأغلبية كذلك. كما تفهمنا الغضب الشيعي في السبعينات والثمانيات؛ والتي احسنت ايران استغلاله.

دخلنا مع الشاشات بيوت الفقر المدقع في طرابلس، والآن يحجرونهم فيها بلا مساعدات من أي نوع فكيف لا يثورون؟

ربما يشعر السنة أنهم مستهدفون كسنة، وهنا ليس المهم التدقيق في صحة هذا الشعور، يكفي أنه موجود. يكتب جورج دوبي حول الأيديولوجيا، أننا كي نفهم "تنظيم إدارة المجتمعات الإنسانية واستشفاف القوى التي تجعلها تتطور، من المهم أن نعطي اهتماما مماثلا للظواهر الذهنية، التي يعد تدخلها محدِّدا بقدر الظواهر الاقتصادية والديموغرافية. ذلك أن البشر لا يضبطون سلوكهم انطلاقا من شرطهم الفعلي، بل من الصورة التي يكونوها لانفسهم، والتي لا تعكس ابدا صورة امينة عنه".

وهنا تلعب صورة الآخر عنا ومواقفه منا في تدعيم هذه الصورة. ونعلم في لعبة الهويات اننا نتمسك بالهوية المهددة. فنحن كأفراد وجماعات لدينا هويات مركبة تعمل بتناسق كما اعضاء جسم الانسان. اعتدت لتفسير وجع الهوية بحادثة حصلت مع ابني في عامه الثاني عندما عقصه دبور في اصبعه ، وكان كلما التقى بأحد يبرز له اصبعه المصاب كي يقاسمه وجعه. تحول كل انتباهه الى هذا الاصبع. وجميعكم يعرف معنى ألم الضرس، يتحول جسمنا كله الى ضرس مؤلم. وهذا حال هويتنا المجروحة، سواء أكانت اللون أو الدين أو اللغة أو الطبقة، نصبح هذه الهوية المجروحة.

والجرح الطرابلسي عميق لأنهم يشعرون، نخباً وجماهير، بالإهانة لتحول مدينتهم العريقة إلى الهوان الحالي؛ واعتبارهم بيئة حاضنة للداعشية، مستهفدون ومستضعفون بسبب ذلك. الأمر الذي يتواكب في نفس الوقت مع شعور الشيعة عموماً بالاستقواء. فحالياً يتم تناقل تسجيل صوتي، يبدو أن صاحبه شيعي ويتكلم باسم الشيعة، يزعم فيه ان الشيعة أصحاب هذه الأرض منذ مئات السنين. سخر البعض معلقا أننا نفهم منه ان الفينيقيين شيعة أيضاً!!

ليس المهم أن تكون هذه الصورة الموهومة حقيقية. المهم أنه الانطباع السائد الآن عند جمهور الشيعية السياسية، بدليل الاعتداءات التي تحصل في جبيل ومحيطها على أملاك المسيحيين والرغبة بإعادة مسح الأراضي لإعادة توزيع الملكية؛ غافلين عن أن منطقهم هذا يعطي المبرر لإدعاءات اسرائيل، التي يزعمون محاربتها حتى الآن، بحقها بأرض فلسطين.

كل هذا يساهم بتأجيج الصراعات لأنهم يراهنون على تحويل ثورة 17 اكتوبر عن أهدافها التي جمعت اللبنانيين تحت سقف العلم اللبناني ورفضت هيمنة الزعماء الطائفيين وتطالب بتطبيق الدستور والطائف والقرارات الدولية، والحضن العربي والدولي.

الملاحظة الثانية في هذا السياق، وهذا ليس دفاعاً عن أغنياء طرابلس طبعاً لكن عن دور ومسؤولية الدولة ولتصويب النقاش. يتعلق بما لفتني من تكرار متلازمة: أين اثرياء طرابلس؟ ولماذا يتركونها بوضعها هذا؟

خطورة اعتماد هذا المنطق، أنه يجعل طرابلس كأنها إمارة صغيرة على حدود لبنان، أو ملكية خاصة لزعمائها كما زمن الإقطاع الإأوروبي. ألا يوحي لكم ذلك بتقسيم غير معلن للمناطق!! ويبرر المطالبة بالأمن الذاتي؟

هذا يستتبع سؤال:ألا يوجد أثرياء في لبنان المفلس والمنهار؟ أليسوا من أغنى أغنياء العالم، بحيث أن دولة مثل سويسرا تجد نفسها مضطرة، حفاظا على سمعتها وسمعة مصارفها، أن تقدم دعوى قضائية على المصرف المركزي وحاكمه، لوجود شبهة تطال تحويلات مالية ضخمة مشبوهة؟

أين هم لم لا يسعفون لبنان؟ ولم لا يتبرع واحدهم بجزء من أمواله "اللبنانية" لمنع الانهيار التام؟ او لماذا لا يوقفون على الأقل تحويلاتهم وتهريب السلع المدعومة الذي لم يتوقف، لإسعافه؟

ما يجري في طرابلس، تحذير لكل من يعترض على الأرض. حتى "مجموعة الأزمات" تعنون: "أحداث طرابلس: صورة لما ينتظر لبنان في الأشهر المقبلة"!!

هذا في المناطق التي لا يهيمن فيها حزب الله، لأنه يسعى في مناطقه إلى القمع للتهدئة بأي ثمن.

لذا طرحت الفعاليات الطرابلسية لأول مرة بوضوح: إقالة محافظ الشمال واستقالة جميع نواب طرابلس لعدم تحملهم مسؤولياتهم.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!