عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار
الذكرى الثالثة لوفاة عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار

كان رحيلاً مفاجئاً، لأنَّ زيارته الأخيرة إلى بغداد لم تكن توحي بأن اللقاءَ به سيكون الأخير، لكنَّ الأقدار لا تخضع لرغباتنا، وهي تصرُّ على أن تفجعنا كلَّ يوم بسردية الموت. لكننا كنا نراهن الأمل بأن تكون الوعكة الصحية التي ألمَّت به أمراً طارئاً ومؤقتاً، وهو في لحظات تسجيل لقاء وثائقي عن العراق في قرن من الزمان. 

كان الرهان على أن القلب الذي تحمَّل مرارةَ تردّي الأحوال والانحدار نحو المجهول في العراق، لا يمكن أن يوقفه عارضٌ صحي، لكن يبدو أننا خسرنا الرهان، لنستيقظ في اليوم التالي على خبر رحيل المفكّر وعالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبّار، ونُحيي ذكرى رحيله الثالثة هذا العام. 

ليس هدفي في هذا المقال الاستذكاري الاستغراق في الرثاء، لأنَّ مفكّراً مثل فالح عبد الجبار لا يمكن أن ترثيه كلمات شاعرية، وإنما يجب أن يكون حاضراً في قراءتنا وتشخصينا لأزمة الدولة في العراق، لاسيما أنه يؤسس إلى مدرسة فكريّة تقدّم مقاربات نظريّة وحفريات عميقة يمكن لها أن تقدّم لنا خارطة طريق لمعرفة الأزمة والطريق نحو تجاوزها، فمبدأ (التغيير بعد التفسير) الذي أراد الراحل عبد الجبّار أن يكون القاعدة العامة التي يجب أن نعتمدها في مشاريعنا البحثية. 

يختصر فالح عبد الجبّار الخلل البنيوي في العلاقة بين الدولة والمجتمع بالمعادلة الآتية: "الدولة تملك كلَّ شيء والمجتمع لا يملك شيئاً"، فالعراق كان ولا يزال "دولة تبحث عن أمّة وليس أمّة تبحث عن دولة" ومن هنا كان مشروع بناء الأمّة يعطي أسبقية لأسلوب القسر، دون أن تقتصر عليه كليّاً، ويولي أهميّة قصوى لوسائل العنف والقائمين على استخدامها، أي الطبقة العسكريّة. وبالنتيجة، إن السيطرة على الدولة، بصفتها هيئة لِلحكم، لا تقلّ استعصاء عن إشكالية السيطرة على المجتمع، ولهذا فإن ثمة خصيصة مزمنة تتمثل في احتدام الصراعات التآمرية بين مختلف النخب الحاكمة.

ويعتقد فالح عبد الجبّار بأن علّة الدولة المأزومة تكمن في: أولاً، نمط الاقتصاد الريعي الذي "حوَّلَ الدولةَ عندنا إلى محض دكان لبيع النفط والتصرّف بموارده بلا حسيب"، فاختلَّت المعادلة بين الدولة والمجتمع، وانفصلت الدولةُ عن المجتمع عندما أصبح الحصول على الرضا يتمّ من خلال وسيلة واحدة تتمثل في منظومة مشكَّلة من مجموعة شبكات الزبائن (الأتباع) وتوزيع المنافع عليهم. وثانياً، البنية المؤسساتية للدولة التي تتسم بعُلوية السلطة التنفيذية التي تبسط سيطرتها على السلطتين القضائية والتشريعية وتقوم بصورة تدريجية بإلحاق هاتين الوظيفتين برمتهما بها، والنتيجة غياب المحاسبة المؤسساتية لِلماسكين بالسلطة، أو التداول السلمي للسلطة، أو استبدال القادة أو تجديد ولايتهم. ولذلك أن تقويض الفصل بين السلطات أو ثلمه، هو، مؤسسياً، تقنية نهوض الاستبداد.

الدولة لدينا تصاب بمرض النرجسيّة، كما يقول فالح عبد الجبّار، ولذلك تنسى نفسَها وغاياتها فتقع في مطبّ الفراق عن المجتمع الذي يفترض بها أن تمثله. وليس الحكّام وحدهم السبب في نرجسية الدولة، وإنما بلاهة الجمهور هو ما يؤسس لهذه النرجسية. ونظراً لضعف المؤسسات وضعف الوعي القانوني وغياب قدرة المجتمع على الفعل المؤثر، الدولة حالياً هي أجهزة نهابين مِن أردأ الأنواع، والفرد المواطن مجرّد ذرة صغيرة وتأثيره لا يتحقق إلا عبر المؤسسات، مثل النقابات المغيَّبة أصلاً أو أجهزة القضاء المسيسة لدرجة إفراغها من مضمونها الحقوقي وهلمَّ جرّاً.

ويقرأ المفكّر، فالح عبد الجبّار، الانتقال من العهد الملكي إلى العهد الجمهوري على أنه انتقال في فلسفة بناء الدولة- الأمة. إذ في العهد الأول كان العراق يتجه نحو النموذج البريطاني- الفرنسي لبناء الأمة على قاعدة إرادة العيش المشترك، لكنَّ الساسة في العهد الجمهوري اختاروا النموذج الألماني للأمّة الممركزة بقوّة الدولة من فوق. ويبدو أن حكام العراق بعد 2003 قد اختاروا بناء دولة المكونات بدلاً من تحديد رؤية واضحة لبناء الدولة- الأمة. ومن هنا، يقول فالح عبد الجبّار في كتابه الدولة.. اللوياثان الجديد: "العراق بحاجة إلى أن يتصالح مع نفسه أولاً، وبخلافه لن تكون ثمّة دولة".

يؤكد عبد الجبّار أن أساس الديمقراطية الأوّل حريّة التنظيم والانتخابات، وأساسها الثاني تقسيم السلطات، وأساسها الثالث "حكم القانون"، أي التزام القواعد الدستورية. ويعلّق على ذلك بالقول: "لعلَّنا نحظى بالأساس الأوّل لكنَّ الثاني مهزوز، والثالث مثلوم". وصحيح أن الديمقراطية تقوم على الرضا، "لكنّها لا تولده. فالرضا يأتي دوماً من توسيع المشاركة الاقتصادية والسياسية والثقافية".

ولطالما اهتم فالح عبد الجبّار بنشر الوعي لمفهوم الديمقراطية التوافقية، وعمل على أن ترجمة كتاب آرنت ليبهارت: (الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد) من قبل معهد الدراسات العراقيّة الذي كان يترأسه. وكان يؤكد مراراً وتكراراً أن الديمقراطية التوافقية تكون على مستوى صنع ورسم السياسة العامة وليس توزيع المناصب الحكومية على أساس الأحزاب باعتبارها حصصاً للمكونات الطائفية والقومية. وكان يقول: "أخشى ما أخشاه ان نحوّل مفهوم الديمقراطية التوافقية، كما فعلنا سابقاً مع مفاهيم أخرى العولمة، المجتمع المدني، إلى مجرد بهلوانيات كلامية"، لكن ما كان يخشاه تحقق فعلاً على يد ساستنا الأشاوس.

كان فالح عبد الجبّار عندما يتحدث عن الإصلاح لم يكن يُعبّر عن أمنيات ورغبات وشعارات، وإنما يستدلّ كعادته بالمقاربات العلميّة، ولذلك نجده يقول: "لن تتغيّر الحال بكبسة على زِر إصلاح شامل. فالبلد في انتقال، وبناء أساس متين لنظام ديمقراطي قد يستغرق حياة جيل كامل. لكنَّ ذلك لا يعني الانتظار. فالتحوّل لا يأتي هبةً مجانية، ولا يحقق نفسه بنفسه، ولابدَّ من فعل جمعي متواصل لبلوغه. ينطبق هذا على العراق كما على بلدان الربيع العربي، وسواها. أودّ التذكير بأنَّ ألمانيا النازية بقيت تحمل ملامح النظام الشمولي بعد سقوطه عام 1945، ولم تتحرر منه إلا في الثورة الطلابيّة عام 1968، ثورة الجيل الجديد على جهاز دولة عاش طويلاً على إرث الماضي. ويكاد هذا الملمَح أن يكون في حكم القانون الثابت".

وفي آخر ندوة عقدها الراحل في بغداد، في اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين، ختم محاضرته بالقول الآتي: "أنا أتوقّع بأن هذه الدولة تنهار، ولا أقصد بالانهيار حزب معيّن أو حكم شخص معيّن... نحن نسير نحو الهاوية، لعجز هذا النظام عن استيعاب الأجيال الصاعدة، لأنَّ كلّ سنة ما بين 300 ألف إلى 350 ألف شاب من حملة الشهادات الجامعية يفترض أنه يدخل سوق العمل، هذه بروليتاريا غير معلنة من المتعلّمين وليس العمّال، وهم وقادرون على تنظيم أنفسهم في وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الجيل سيحمل آفاق التغيير". ويبدو أن جزء من هذه النبوءة قد تحقق في احتجاجات أكتوبر 2019.  

ختاماً، استحقَّ فالح عبد الجبّار صفةَ "العالِم" و"المفكّر" عن جدارة وتميّز، وكما يقول صديقه ورفيق دربه الدكتور رشيد الخيّون: "وفي أحوال العراق المتردية ثقافياً وفكرياً، لما مرَّ به من حروب وحصارات واجتياحات، يُفتقد باحث صدوق مثل فالح عبد الجبّار، ومع أن الجميع بعد غيابه دعوه بالمفكّر، لكنّه لم يغتر باللقب، والسبب أن النَّاسَ جميعاً يُفكّرون.. فكم حامل لقب باحث ومفكّر وخبير استراتيجي لكنّه عالة على جهود غيره".

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!