Saudi launch Public Investment Fund Strategy 2021-2025
يتهم محمد بن سلمان الجبري بإهدار 11 مليار دولار أميركي من أموال الحكومة

أثار قرار الرئيس جو بايدن عدم فرض عقوبات ضد ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في أعقاب الكشف عن مضمون تقرير للاستخبارات الأميركية، أكد أن الأمير محمد بن سلمان "أجاز" عملية لاختطاف أو اغتيال الصحفي والمعلق السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول في 2018، الكثير من الجدل والتحفظات والاعتراضات في أوساط الحزب الديمقراطي، ومن قبل بعض المشرعين النافذين المقربين من الرئيس الأميركي. كما أثار القرار جدلا قويا في الأوساط الإعلامية، وفي أوساط منظمات حقوق الإنسان، وتلك المعنية بالحريات الإعلامية. ومرة أخرى عادت العلاقات الثنائية الأميركية-السعودية التي تميزت بالفتور والتوتر منذ انتخاب بايدن، إلى الواجهة وتجدد معها السجال بين المنادين بمعاقبة الأمير محمد بن سلمان شخصيا ومحاسبة الدولة السعودية، إذا استمرت على التمسك به وليا للعهد وعاهلا في المستقبل، وبين من يحذر من مغبة التفريط بعلاقات قديمة ومهمة استراتيجيا واقتصاديا لواشنطن، وإن كانت بين بلدين لا تجمعهما أي قيم سياسية، أو ثقافية، بل مصالح مادية فقط.

التقرير الذي أعدته وكالة الاستخبارات المركزية (سي.آي.إيه) بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأخرى بعد بضعة أسابيع من جريمة قتل خاشقجي، وتم تسريب معظم مضمونه إلى وسائل الإعلام، بقي سرا بنصه الرسمي لأن الرئيس السابق دونالد ترامب، الذي دافع عن ولي العهد وتبجح بانه "أنقذ مؤخرته" من العقاب كما قال للصحافي بوب وودورد، رفض الكشف عنه، لكي لا يسيء إلى العلاقات القوية التي ربطته هو وصهره جاريد كوشنر مع الأمير السعودي الشاب.

وأعلنت وزارتي الخارجية والخزينة، يوم الجمعة الماضي، سلسلة عقوبات شملت 76 مسؤولا سعوديا من بينهم 7 أفراد من ما يسمى "قوة التدخل السريع" الذين قتلوا خاشقجي وقطعوا أوصاله، والذي رأى تقرير الاستخبارات الأميركية أن أفراد هذه القوة لا يمكن ان يشاركوا في مثل هذا الاغتيال دون موافقة ولي العهد. وجاء في التقرير ان هذه القوة الخاصة قد شكلت خصيصا "للدفاع عن ولي العهد. ولا تعمل الا بأوامره". ووفقا لتقارير صحفية مبنية على تسريبات رسمية قام افراد هذه القوة السرية بعشرات العمليات داخل وخارج المملكة ضد الناشطين السياسيين ومعارضي الحكومة السعودية، شملت خطف مواطنين سعوديين في الخارج وإعادتهم إلى البلاد وسجنهم وتعذيبهم. كما أشرفت هذه القوة على اعتقال عدد من الناشطات السعوديات الذين تعرضن للتعذيب، وكانت أبرزهن لجين الحذلول التي أفرج عنها قبل أسابيع بعد سجنها لأكثر من سنتين. كما فرضت وزارة الخزينة عقوبات ضد نائب الاستخبارات السعودية السابق والمقرب من ولي العهد، أحمد العسيري.

وأعلن وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، عن مبادرة أعطيت اسم "حظر خاشقجي" والتي ستستخدمها الحكومة الأميركية لمعاقبة أي مسؤول، سعودي أو غير سعودي،  وحرمانه من دخول الولايات المتحدة، يقوم بملاحقة أو ترهيب أو قتل أي معارض سياسي أو صحافي في الخارج نيابة عن حكومته.

هذه العقوبات تأتي في أعقاب إعلان الرئيس بايدن أن إدارته ستقوم باعادة تقويم العلاقات مع السعودية، وبعد تعليق صفقات عسكرية وافقت عليها إدارة الرئيس ترامب، ووقف الدعم العسكري للعمليات الهجومية في اليمن، وغيرها من الإجراءات ضد السعودية التي وصفها بايدن خلال الحملة الانتخابية بالدولة "المنبوذة" التي يجب عليها أن "تدفع ثمن" انتهاكاتها لحقوق الإنسان وحرب اليمن، التي أدت إلى قتل عشرات الآلاف من المدنيين وحوّلت اليمن إلى أسوأ كارثة إنسانية في القرن الحادي والعشرين.

ومن المتوقع ان يعلن الرئيس ترامب اليوم (الاثنين) عن إجراءات عقابية جديدة ضد السعودية، ولكن لا يعتقد أن معاقبة ولي العهد من بينها. ولكن ما يمكن قوله في هذا الوقت المبكر في ولاية الرئيس بايدن، هو أن العلاقات الأميركية-السعودية سوف تدخل في مرحلة فتور وتشنج لن تنتهي في أي وقت قريب، وأن الأزمة الراهنة هي أسوأ، على المدى البعيد، من أزمة حظر النفط خلال حرب 1973.

مؤيدو قرار الرئيس بايدن عدم معاقبة الأمير محمد بن سلمان شخصيا يقولون إن الإجراءات التي اتخذها بايدن بحق السعودية حتى الآن، بما في ذلك الكشف عن مضمون تقرير الاستخبارات، وإصراره على الاتصال بالعاهل السعودي وليس بولي العهد، تؤكد جدية رغبته بمعاملة السعودية بطريقة فاترة ورسمية وقطعا غير ودية، لأن واشنطن تريد أن تحافظ على التعاون المشترك ضد الإرهاب ولضرورة تنسيق المواقف تجاه إيران، كما أن تعاون السعودية ضروري لإيجاد حل للحرب في اليمن. وكان وزير الخارجية بلينكن قد قال الجمعة إن العلاقات مع السعودية هي أهم من أي مسؤول معين، وكما قال مسؤول آخر في ايجاز خلفي إن الولايات المتحدة لا تفرض عقوبات ضد قادة دول تعتبرها حليفة.

وعلى الرغم من ترحيب الأوساط السياسية والإعلامية والقانونية بشكل عام بالكشف عن تقرير الاستخبارات، فإن بعض حلفاء بايدن في الكونغرس وقادة منظمات حقوق الإنسان وبعض المعلقين وجهوا انتقادات قاسية للإدارة وتسائلوا، كيف يمكن معاقبة الذين قاموا باغتيال وتقطيع جثة خاشقجي، وعدم معاقبة الطرف الذي أصدر أوامر التصفية الجسدية؟  السناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال قال إنه "يجب عدم السماح لولي العهد السعودي بالإفلات من العقاب بعد ارتكاب جريمة وحشية". ورأى النائب الديمقراطي آدم شيف، وهو رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، أنه سيواصل الضغط لفرض عقوبات على ولي العهد، بما في ذلك تجميد الحسابات التي يسيطر عليها. وقال السناتور الديمقراطي رون وايدن إن ولي العهد السعودي "يجب أن يعاقب، بما في ذلك العقوبات المالية والقانونية وحظر السفر." وأضاف أن المملكة يجب أن تتعرض إلى العقوبات القاسية "إذا بقي ولي العهد في السلطة".

وإذا كانت هذه الانتقادات قوية، فإن الانتقادات التي تعرض لها بايدن من المعلقين والصحافيين والناشرين فقد كانت لاذعة وجارحة. ناشر صحيفة واشنطن بوست فريد رايان، التي كانت تنشر مقالات خاشقجي الدورية قال إن "الرجل الذي أمر بهذه الجريمة الوحشية يجب أن يتحمل المسؤولية الكاملة". لاحقا نشر أعضاء مجلس إدارة الصحيفة مقالا باسمهم جاء فيه "محمد بن سلمان مذنب بجريمة قتل. ويجب أن لا يسمح له بايدن بالإفلات". وجاء في مقال للمعلق الليبرالي في صحيفة نيويورك تايمز نيكولاس كريستوف، الذي كانت تربطه علاقة صداقة بخاشقجي، "وبدلا من فرض العقوبات على ولي العهد، يبدو لأن بايدن سمح له بالإفلات".

ويرى محللون مثل كريستوف وغيره أن واشنطن من خلال معاقبتها لولي العهد يمكن أن تخلق معارضة داخليه له تمنعه من أن يصبح ملكا للسعودية. ويتخوف هؤلاء من أن ولي العهد، البالغ من العمر 35 سنة، والذي أثبت خلال أول خمس سنوات له في السلطة الفعلية أنه متهور ولا يتردد في استخدام العنف، مثل قتل من يعارضه، أو المساهمة بكارثة إنسانية في اليمن، إذا خلف والده، فإنه يمكن أن يبقى ملكا ربما لخمسين سنة مقبلة. ولكن من الواضح أن دعاة مثل هذا الموقف قليلون، ولا يوجد بينهم من هو قريب من الرئيس بايدن. ويبرر المسؤولون عدم معاقبة الأمير محمد بن سلمان بالقول إنه يمكن أن يصبح ملكا للسعودية في أي وقت، وأن بايدن لا يريد أن يجد نفسه في موقع يمنعه من الاتصال أو التعاون مع الحاكم الرسمي للسعودية. المسؤولون في إدارة بايدن يقولون في إيجازاهم الخلفية أنهم لا يتوقعون أن يروا محمد بن سلمان في واشنطن في السنوات المقبلة، حتى ولو أصبح ملكا للسعودية.

ويرى محللون في مراكز الأبحاث، أن التحديات القانونية التي سيواجهها ولي العهد السعودي لن تكون من الحكومة الأميركية بل من المحاكم الأميركية ومن الكونغرس. وهناك دعاوى ضد ولي العهد في المحاكم الأميركية، وفي حال صدور أحكام ضده، فإنه لن يستطيع المجازفة بزيارة واشنطن، حتى ولو وصل رئيس جمهوري إلى البيت الأبيض وعامله معاملة مماثلة للمعاملة التي تلقاها من الرئيس السابق ترامب. كما أن الكونغرس الأميركي يمكن أن يصدر قرارات عقابية بحق ولي العهد، قد يجد بايدن صعوبة في التصدي لها.

السجال الراهن حول مستقبل العلاقات الأميركية-السعودية، أبرز إلى السطح من جديد تلك الأصوات العديدة في أوساط المحللين في مراكز الأبحاث وفي الإعلام، والتي تشدد أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى السعودية كما تحتاج السعودية لمظلة الحماية الأميركية. وكما قال لنا ديبلوماسي سابق خدم في الخليج  "الصواريخ الحوثية أو الإيرانية تهدد الدمام، ولا تهدد هيوستن". وأضاف أن مصلحة السعودية تقضي بالتعاون مع واشنطن ضد الإرهاب في منطقة الخليج، كما أن السعودية هي التي تحتاج إلى الولايات المتحدة في سياق التصدي للسياسات الإيرانية التخريبية والسلبية في المنطقة. وغاب عن النقاش الحجة التقليدية القديمة، وهي أن العلاقات مع السعودية ضرورية بسبب ثروتها النفطية. فهناك تخمة نفطية في العالم، كما أن الولايات المتحدة في العقد الأخير قد تحولت بسبب تقنيات استخراج النفط والغاز الجديدة أكبر منتج للطاقة في العالم. وقال لنا سفير أميركي سابق خدم في الخليج، إن الوقت قد حان لكي تقلص واشنطن من اهتمامها وانشغالها بالشرق الأوسط ومشاكله "التي لا نهاية لها" والتركيز على منطقة شرق آسيا الاكثر أهمية اقتصاديا واستراتيجيا للولايات المتحدة في العقود المقبلة.

قد لا يكون الرئيس بايدن مستعدا لأن يدير ظهره إلى منطقة الخليج، خاصة وأنه يريد إحياء المفاوضات النووية مع إيران، ولكن من الواضح أن بايدن – بإجراءاته حتى الآن – لا يريد أن يضع العلاقات مع الرياض في طليعة أولوياته في الشرق الأوسط، ولا يريد أن يسمح لمشاكل المنطقة القديمة، مثل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، أو الحرب في سوريا، أو المستقبل السياسي للعراق، لأن تهيمن على سياسته الخارجية. وهذه، كما قال لنا السفير السابق، هي من الدروس التي تعلمها بايدن عندما كان نائبا للرئيس الأسبق باراك أوباما لثماني سنوات طويلة.

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!