برايس أكد بأن واشنطن تحمّل إيران مسؤولية الهجوم على أربيل واستهداف السفارة الأميركية
الهجوم أسفر عن مقتل مدنيين.

لم تكن الهجمة الصاروخية التي شنتها الفصائل العراقية المُسلحة على مدينة أربيل، أواسط شهر فبراير "شباط"، مُجرد رسالة عسكرية وسياسية تقليدية، كان طرفٌ إقليمي واضح الهوية والمرامي يُريد إيصالها للفاعلين الداخليين العراقيين، وللقوى الإقليمية والدولية، كما يفعل عادة عبر مواليه العراقيين، من خلال هجمات صاروخية على باقي مصالح ونقاط تمركز القوات الأميركية في العراق. بل أبعد من ذلك، كشف الهجوم المضمون السياسي والإيديولوجي في النواة الصلبة للفاعلين، وما يحملونه من مشروع وتطلعات سياسية مستقبلية. هذه العُصب التي هي الحاكم الفعلي للعراق، سياسياً وأمنياً وعسكرياً. 

ثمة 3 محددات ميزت تلك الفعلة عن سواها. فقد تجاوز الفاعلون أية حُرمة تتعلق بتحييد البيئات المدنية، والتفريق بينها وبين المواقع العسكرية، في إشارة إلى أن أربيل بكل فضائها الإنساني أنما هي بيئة معادية، لأنها ليست تحت سُلطة وسيطرة الفاعلين. 

فالهجمة فعلياً كانت على مدينة أربيل وسكانها، أكثر مُدن العراق نمواً اقتصادياً واجتماعياً وحتى سياسياً، المكان الذي يعتبره الملايين من المواطنين العراقيين "الموطن البديل"، يلجؤون إليه هرباً من كل أشكال القمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يواجهونه في باقي مناطق ومُدن العراق. وقد كان ذا دلالة عميقة بأن ضحايا تلك الهجمة الثلاث لم يكن من بينهم أي كردي عراقي، بل عامل سوري ومتعهد أجنبي وراعٍ عربي عراقي، في إشارة واضحة إلى مستوى فساحة وتنوع أنماط العيش الحيوية التي تمتاز به المدينة.

فأربيل، وعموم إقليم كردستان العراق، كان منذ قرابة ثُلث قرن صاحل قرارٍ ضمني، يعتبر نفسه بيئة مدنية واجتماعية آمنة لكل القادمين إليه، بغض النظر عن هويات وماضي وخيارات القادمين، بما في ذلك المناهضين مطلقاً لتطلعات وخيارات القوى السياسية في الإقليم. لكن ذلك الحياد عن العالم السياسي، الذي كانت مدينة كأربيل قد اتخذته لنفسها كهوية عامة، لم تحول بينها وبين تلك الهجمة، التي كانت بمعنى ما ضربة لذلك الخيار، الذي كان يميز المدينة وفضائها عن باقي المناطق العراقية التي تسطير عليها ميليشيات شبيهة وقريبة من النواة الصلبة للمهاجمين. 

الحُرمة الأخرى كانت تتعلق بتجاوز الحساسية القومية العربية/الكردية، والتي بعد عقود من الصراع وبحور من الدماء، قد توصلت إلى بعض البديهيات الأولية، وعلى رأسها القبول وحفظ أشكالٍ من الحكم الذاتي المحلي لأبناء القومية الكردية، بالذات في المحافظات الجبلية الشمالية الثلاث، دهوك أربيل والسليمانية، حيث حتى سُلطة حزب البعث، وفي ذروة فجاجتها في مواجهة الحركة القومية الكردية في النصف الثاني من الثمانينيات، لم تلغِ تلك الخصوصية الكردية، وبقيت محافظة على مؤسسات للحُكم الذاتي، ولو الشكلية، حفظاً لتلك الخصوصية الكردية. 

في هجمة أربيل الأخيرة "تبشير" بتجاوز كل تلك الذاكرة المريرة، بالعودة إلى نقطة صفرية، عدمية الرؤية، ترى إمكانية لإخضاع الأكراد من جديد، وسحب أي اعتراف بخصوصيتهم القومية والجغرافية. فالأكراد وموقعهم في العراق، ليسوا مجرد ظرف أو خيار سياسي، بل الأُس الجوهري لهوية ومعنى الكيان العراقي. حيث لو تحلل تلك الأساس، فإن العراق يتحول من دولة، أياً كان مستويات تدهور المؤسسات والسيادة داخلها، إلى مُجرد فضاء مفتوح لتناحر مجتمعاته وسكانه المحليين. 

البُعد الثالث لتلك الهجمات كامن في المردود الذي تسعى الجهة الفاعلة تحصيله. فجميع التفاصيل المحيطة بما جرى، تقول إن الفاعلين لم يكونوا يتوخون "إخراج" الولايات المتحدة من المشهد العراقي، حسب المُعلن الظاهر من قِبلهم. وحيث أن هذه الأخيرة –الولايات المتحدة- شريكة للسلطة والحكومة العراقية في ملف محاربة الإرهاب في الداخل العراقي، ومتعاونة موضوعياً بشكل حثيث مع مليشيات الحشد في محاربتها للتنظيمات المتطرفة. بل كان الفاعلون يتقصدون تحصيل "خوة سياسية واقتصادية" من إقليم كردستان العراق، عبر استعمال العنف. فإقليم كردستان في المحصلة، وتحت ضغوط مثل تلك الأفعال العُنيفة، عليه أن يخضع سياسياً لإرادة القوى الراعية لتلك التنظيمات، وأن يرضى بما هو دون حقه العادل في خيرات وموارد البلاد، وذلك فقط ليرفعوا بلاء هذه العصابات عن الإقليم، حسب رؤية الفاعلين. 

بمجموع الأمور الثلاث تلك، تجاوز الفاعلون كل حرمة حياتية، بالذات فيما خص حياة المجتمعات والمدن الآمنة، مع محاولة تحطيم النواة الجوهرية لأس الدولة العراقية، ككيان مؤلف من شراكة أبناء القوميتين العربية والكردية بالأساس، ومع الأمرين تحويل للعنف الأرعن إلى أداة لتحصيل الخوات السياسية والاقتصادية. وبذلك تكون هوية الفاعلين/الحاكمين قد انخفضت لأن تكون مجرد "عُصبة مملوكية"، قائمة ومستندة على مجموعة من المفاهيم والضوابط مع باقي مكونات المجتمع والمؤسسات والمواثيق المؤسسة للدولة العراقية، جوهرها العنف وتجاوز أية حُرمة والحلول مكان الدولة. 

كان العراق التاريخي قد عرف نموذجاً تقليدياً من هذا الحُكم المملوكي، والذي امتد طوال قرابة قرن كامل، من أواسط القرن الثامن عشر وحتى أواسط القرن التاسع عشر. ففي تلك الأزمنة، كانت عُصب المماليك البغداديين تتصارع فيما بينها بشكل مريع، ليتمكن واحد منها من فرض نفسه على الحياة العامة في تلك الولاية العثمانية، وتالياً تجاوز كل مُحدد وأطار لفكرة الدولة، عبر تحويل العنف الأرعن إلى أداة وحيدة لإخضاع المجتمع والجغرافيات المحيطة وتحصيل الخوات من المجتمعات. 

يملك العراقيون ذاكرة مريرة عن ذلك الزمن المملوكي، بالرغم من مرور قرنين كاملين على زمانه. فالحقبة المملوكية العراقية حولت الحياة إلى مجرد صراعات دون معنى أو جدوى بين المحلات والزعامات والعشائر والمناطق، دون أن يكون لها أي سبب موضوعي، خلا تلك الأشكال البدائية من العنف ومحاولة فرض السطوة. كانت عُصب الممالك، الذين كانوا يُلقبون في اللهجة العراقية بالشقاوات، في دلالة واضحة على شقاء العيش معهم وفي ظلالهم، كانوا يفتكون بكل أشكال الحياة، وينبذون أي شيء قد يُعيد ترتيب التوازنات والحياة المشتركة بين الناس والحساسيات والمناطق. 

تاريخ العراق في الزمن المملوكي رصده عشرات المؤرخين، الذين أنتجوا كتباً صورت المآسي الحياة وقتئذ، التي قال عنها المؤرخ الإنكليزي الشهير "ستيفن لونكريك" بأنها كانت طوال قرن كامل تغرق في مثلث "الدم والطاعون والجوع".  لو استبدلنا الطاعون بالكورونا، ستغدو المقولة وكأنها تتحدث عن عراق اليوم، يااا للتراجيديا!

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!