القدرات العقلية للإنسان أكبر بكثير مما يتصور أي شخص
نشهد ثورة معلوماتية على كل الصعد. | Source: Courtesy Image

في مطلع هذه الألفية، وفي كلية اللغة العربية تحديدا، سألني بعض الطلاب المتميّزين بالاهتمام الثقافي/ المعرفي الذي يتجاوز نطاق تخصصهم الدقيق، أن أكتب لهم برامجا قِرَائيّاً يكون دليلا لهم في بداية سنوات التأسيس المعرفي/ الثقافي، بحيث يتضمّن البرنامج عناوين أهم الكتب التي يجب على كل مُهْتم بالشمولية الفكرية أن يطلع عليها، وأن يتضمن أيضا بعض الإرشادات فيما يخص طريقة التعامل قراءة وبحثا؛ مع هذه الكتب خصوصا؛ ومع رحلة التأسيس المعرفي عموما.

أذكر أني كتبت لهم مذكرة في حدود 15 صفحة، تتضمن عناوين حوالي 500 كتاب في شتى حقول المعرفة الإنسانية، وإن كنت آنذاك أشد تركيزا على الأدب العربي وما يتعلق به من نقد وفلسفة وتاريخ.  وكانت الصعوبة التي واجهتني في مسار الانتقاء ذي الطابع الترشيدي؛ لا الإرشادي فقط، أني كنت أقف مُحْتارا بين كثير من الكتب في المجال الواحد، فكلها له أهمية في سياقه، من حيث هو مَعْنيٌّ بقضية مركزية، حتى وإن كانت فرعية في موقعها داخل حقلها الخاص. وهذا ما جعلني أركّز على الكتب التي تعطي تصوّرا عاما عن الحقل المعرفي وقضاياه الرئيسة في هذا التخصص أو ذاك، وأترك مهمة معرفة ما وراء ذلك للقارئ/ الطالب نفسه، الذي سيجد في هوامش ومراجع هذه الكتب ما يفتح آفاقه على "ما يجد نفسَه فيه"؛ إما هِوَاية ومَوْهبة، أو اهتماما على ضوء مصالحه التي يتواشج فيها مساره المعرفي مع مسار الفُرَص الوظيفية المتاحة في فضاء العمل من أجل الاعتياش. 

حقيقة كنت أحار بنفسي ولنفسي ـ قبل أن أحار به لمن سألني مسترشدا ـ وأنا أجد في كل فرع معرفي مئات الكتب التأسيسية الجديرة بالقراءة، بل وبالمراجعة، بل وأجد أحيانا في بعض المواضيع/ القضايا الجانبية داخل هذا الفرع المعرفي ما يغري بالانهمام فيها وراءه؛ مما يضيق عنه الوقت والجهد والمال. كثرة المتاح، وحجم إغراء هذا المتاح، هو ما كان يُشعرني بالعجز، بل وبالحرمان الذي ينشأ من هذا الإغراء الباذخ المقرون ـ ضرورة ـ بمحدودية الإنسان في طاقته وقدراته، كما في أوقاته التي تشتد ضيقا؛ كلما اتسعت دائرة المتاح. 

كل هذا والثورة المعلوماتية كانت لا تزال في بداياتها، وحيث كنت لا أزال أقف على شاطئ الكتاب الورقي؛ ولم أدخل إلى فضائها المذهل، المذهل لا في اتساعه فحسب، وإنما أيضا في تسارع وتيرة هذا الاتساع على نحو فاق كل التوقعات. 

إذن، إذا كانت بضعة آلاف من الكتب تضعني على خط الحيرة الملتهب في رحلة الانتقاء والاختيار(الاختيار فقط؛ فضلا عن التصفح ـ الاطلاع ـ القراءة !)، فكيف سيكون الحال مع مئات الألوف منها؛ مما هو متاح في مدى حركة أصابع اليد الواحدة، والأهم، كيف سيكون الحال مع ملايين المواد المتاحة من مكتوب ومرئي ومسموع ؟!

إن ثورة المعلومات الحالية (ما يطلق عليه فريد سباير ـ في كتابه "التاريخ الكبير ومستقبل البشرية" ـ: الموجة الثالثة للعولمة)، هي حلقة في سلسلة طويلة من التطورات في مجال الاتصالات، اتّسمت ـ في مسار تطورها ـ بانخفاض التكلفة المستمر، وباختصار الزمن، وبوفرة/ كثافة في حجم/ مستويات التداول. وإذا كان اكتشاف المطبعة، وازدهار صناعة الطباعة قبل خمسة قرون قد أحدث متغيرات جذرية في مسار المعرفة، ومن ثم أحدث متغيرات جذرية في تاريخ الإنسان، فإن هذه الثورة المعلوماتية أكثر جذرية، من حيث كثافتها ونوعيتها، إذ لم تُوَفِّر المكتوب على نطاق واسع ومذهل يكاد يستعصي على الرصد والحصر ـ فضلا عن المتابعة والقراءة ـ فحسب، بل ـ أيضا، وبشكل مُعَاضِد ومُنافِس في آن ـ وفّرت المرئي والمسموع بتقنيات عالية، متنوعة في وسائطها ووسائلها، ومتوفرة بتكلفة تتضاءل تباعا؛ حتى لتكاد أن تكون متاحة لعموم الناس.

لقد بات من الواضح أن هذا الفضاء التواصلي المعلوماتي المذهل ليس متاحا فقط للمتخصّصين الذين يملكون ـ معرفيا ـ مفاتيح أسراره، أو لأولئك الأثرياء الذين يملكون ثمن السهولة التي تجعله قابلا للاستهلاك العام/ العامي، بل هو مفتوح اليوم أمام عموم الجماهير؛ بوسائل شتى وبلغات شتى، وبمستويات ـ تبسيطية/ توضيحية ـ مختلفة. فأي فرد ـ أيا كان مستواه المعرفي، وفي أي مكان ـ يستطيع بحركة يد خاطفة أن يقرأ ويسمع ويشاهد ما يشاء من وثائقيات ومحاضرات وندوات عامة، ومن دروس متخصصة تصدر في أرقى وأعراق الجامعات، يستطيع أن يسمعه/ يشاهده بلحظته، أو بعد ذلك؛ وفقا لظروفه هو؛ لا ظروف منتجيه، بل ويستطيع أن يستعيد ما فاته منه، ليس من الماضي القريب الممتد لبضع سنوات، ولا من المواد المعرفية التي صُنِعت تحديدا لتكون متاحة في هذه الوسائط/ الوسائل، بل يستطيع أن يستعيد ما فاته حتى من الماضي البعيد، حيث المواد التي أنتجت على مدى أكثر من قرن، أي منذ اكتُشِفت تقنيات التسجيل السمعي والمرئي. 

إن إنسان اليوم/ إنسان عصر المعلومات هو أكثر حظا في مشاهدة محاضرة أُلْقِيت قبل أربعين أو خمسين عاما حتى من أولئك الحاضرين الذين سمعوها وشاهدوها عيانا. والمقصود أن أولئك اذلين سمعوها/ شاهدوها لمرة واحدة في لحظة زمنية عابرة، لو التبس عليهم نطق كلمة أو إشارة، فلن يستطيعوا التأكد منها ولا مراجعتها، بينما نجد أن مَن يُشاهِدها اليوم على وسائل التواصل يستطيع استيعابها بأكثر من طريق: أولا، أن يَُرْشفها في سياق اهتماماته المعرفية، وثانيا، أن يستعيد ويتأكد من كل كلمة وإشارة، وثالثا، أن يستعيدها على ضوء مقولات ومتغيرات ـ معرفية و واقعية ـ لاحقة؛ تكشف من أسرارها ما كان يستحيل الكشف عنه لحظة تشكّلها في الزمان والمكان.

ولمزيد من التوضيح؛ سأذكر هنا بعض الأمثلة العرضية؛ كي يتضح مستوى وطبيعة المتاح الثقافي الاستثنائي، الذي لا يُدرك كثيرٌ مِن مُعَايشيه في الراهن: كَمْ هُمْ محظوظون جدا؛ قياسا بأسلافهم قبل عقد وعقدين؛ فضلا عن أسلافهم قبل عشرات السنين، حيث المتاح من المسموع أو المرئي معدوم أو هو في حكم المعدوم.

 أواخر التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم، كنا شبابا حديثي التخرّج، نسمع بالندوة/ المناظرة الحوارية الذائعة الصيت التي أقيمت في معرض الكتاب في القاهرة في الثامن من شهر يناير عام 1992م بين العلمانيين والإسلاميين، وكانت تحت عنوان: "مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية"، وهي المناظرة التي حضرها ما يتجاوز ـ وفق كثير من التقديرات ـ ثلاثين ألفا، وكان من أبرز المتحدثين فيها من الطرف العلماني، الكاتب المصري/ فرج فودة (الذي اغتيل علي يد الجماعات الدينية المتطرفة بعد هذه المناظرة بخمسة أشهر)، ومن الجانب الإسلاموي، الشيخ محمد الغزالي، ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي.

أقول: كنت نسمع ونقرأ عنها، وعما سبقها وتلاها من جدل حول هذا الموضوع. كان كل طرف من أطراف الصراع يروي ما حدث وفق ما استطاع رصده، أو وفق ما يريد ـ بتحيزاته الخاصة ـ أن يجعله للتاريخ. كنا نخوض فيها ـ بحثا ـ كحدث من الماضي القريب، خمس أو ست سنوات تفصلنا عنها، ومع هذا كنا نتخيّل ما حدث، كنا نقرأ ما وصلنا مكتوبا عنها؛ دون أن نستطيع الإمساك بتلك اللحظة الفارقة. وحدهم الذين حضروها عرفوا ـ بوضوح ـ حقيقة ما جرى، هم الذين سمعوا وشاهدوا، واستوعبوا المشهد بتمامه، من الأصوات والإشارات ولغة الجسد إلى إيحاءات المكان والزمان والحضور. أما نحن، فبيننا وبينها ستار من المجهول الذي لا يمكن اختراقه؛ مهما كان هوسنا بالبحث والتتّبع والتنقيب فيما وراء السطور وما خلف الكلمات. 

لكن وقبل بضع سنوات، وبينما كنت أبحث عن بعض المواد في اليوتيوب، ظهرت هذه المناظرة ضمن المقترحات. لم أصدق أنها هي، حتى دخلت، وشاهدتها عن آخرها. بعد فترة، أعدت مشاهدتها على ضوء بعض المراجعات. أصبح هذا الحدث الثقافي الذي وقع قبل 29 عاما متاحا لي في كل وقت، بإمكاني مراجعته، والتدقيق فيه، والنقل التوثيقي عنه. تحقّق كل هذا، فيما كان من قبل مستحيلا. ومنها انفتح المجال لتتبع الحوارات والندوات المتعلقة بالمشاركين في هذه المناظرة (الغزالي وعمارة وفودة والهضيبي)، وربط كل ذلك بمجرياتها، وما تشعّب منها من قضايا...إلخ.

أيضا، المناظرة التي عُرِضت على التلفزيون الهولندي قبل خمسين عاما بين كل من اللغوي الأميركي نعوم تشومسكي والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، عن "الطبيعة الإنسانية"، أصبحت اليوم متاحة على اليوتيوب، بينما كنا نسمع عنها، ونقرأ بعض المقتطفات عن أهم ما ورد فيها؛ كحدث ثقافي بارز مغمور في قاع الزمن الذاهب. وهي ليست إلا مثالا على كثير من المواد التي أنتجت في حينها كمادة مُتَلْفَزة تُشاهد في وقتها؛ ثم تُنْسى، بينما هي الآن إرث ثقافي/ معرفي يتكرر الرجوع إليه كأحد محاور التوثيق.

كذلك، على مستوى الثقافة العربية قام المثقف/ المُحاور: محمد رضا نصر الله، بتصوير حلقات تلفزيونية كثيرة جدا، حاور فيها كبار المثقفين والأدباء العرب (كالجابري، وأدونيس، والبياتي، الحيدري، وتوفيق الحكيم، وإحسان عباس، وطارق البشري، وشوقي ضيف، وسعيد يقطين، و بول فندلي، وهشام شرابي، و وداد القاضي، وجيل كيبل، وغازي القصيبي، وبرهان غليون ...إلخ، وبعضهم لا توجد له مادة متلفزة إلا ما كان في هذه الحوارات التي تشكل ثروة ثقافية نادرة)، منها ما كان قبل أربعين عاما، ومنها ما هو أقرب، وكنا نسمع عن كثير منها، دون أي أملٍ  في الظفر بها؛ بعد أن فاتت علينا لحظة عرضها. بينما هي اليوم متاحة، كثروة معرفية، للجميع. وبالتأكيد، لم تَكن لِتُتَاح لهذا الجيل، على هذا المستوى من اليُسر والسهولة والمجانية؛ لو لم نكن في عصر المعلومات/ عصر التواصل والانفتاح اللامحدود.   

إن كل هذا ـ وغيره كثير من ملايين المواد التي تتوفر باستمرار، وعلى مدار اللحظة، وبشكل مطرد ـ؛ يضعنا أمام سؤال استشكالي حائر: هل نحن أبناء هذه اللحظة المعرفية/ العصر المعلوماتي، محظوظون بأن أصبحنا أمام كل هذا الثراء المعرفي المتنوع، والمتاح ـ يُسْرا وسهولة ـ بأن يصل إليك قبل أن يرتد إليك طرفك، أم نحن ـ في الحقيقة ـ أمام حصار يقف خلف هذا الثراء ؟ هل نحن أمام حيرة ذات طابع تعجيزي، تصل ما بين سعة المتاح وضيق الممكن الذي يجعل الاختيار/ الانتقاء من بين كل هذا الركام فعالية توازي الحيرة والتشتت أمام النادر والممنوع والمحجوب، أم نحن أمام فرص استثنائية لم نعرف كيف نستثمرها أو نستثمر فيها ؟! 

طبعا، الانعتاق من تحديات هذا المأزق تكمن ـ ابتداء ـ في ضرورة التفرقة بين المعرفة من جهة، والمعلومات من جهة أخرى. المعلومات بتراكمها/ بحشدها لا تُكَوّن معرفة، إذ المعرفة ـ في النهاية؛ كما في البداية ـ نَسَق/ نِظَام، وبالتالي، هي صيرورة عقلانية على مستوى الوعي. ومن حيث هي كذلك، فهي ـ بالضرورة ـ تمارس الانتقاء والتمييز والفرز والاستبعاد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهي فعالية تعي أن إدارة المعرفة، حتى فيما يقع خارج نطاق المعرفة الخالصة (مما هو من الإجرائيات المصاحبة)، هو من شروط التحقق المعرفي. 

ومجمل القول هنا، أن الحظ حالفنا أننا وُجِدنا في هذا العصر الانفتاحي التواصلي الذي يُوَفّر لنا كثيرا مما كان من المستحيلات لمن قضوا نحبهم قبل عقدين أو ثلاثة عقود. لكن، هذا الحظ لا يتحقق معناه الإيجابي إلا بالانخراط الموازي مع الاشتغال على المنهجيات التي تمنح كل هذا الزخم المعلوماتي صفة: "المعرفة". هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يتحقق بالانخراط في تعلّم مهارة إدارة الذات لتتجاوز الغُثائي العبثي الذي يستنزف الأوقات في التفاهات. وبدون هذا الانخراط؛ وبدون تعلم هذه المهارة لضبط الذات؛ يُصْبح كل هذا الزخم تيارا جارفا يُشَتّت الرؤية، ويُبَعْثِر بقايا المعرفة، ويُطَوّح بالمرء ـ وجدانا وعقلا وخيالا ـ في فضاء التفاهات التي تجعل منه مجرد كائن استهلاكي ترفيهي مصلوب على نقاط التقاطع التنافسية بين شركات التقنية العالمية التي لن تتوقف عن استنزاف آخر قطرة من إنسانية/ عقل هذا الإنسان.  

المغرب
تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء

تسود منذ فترة ليست باليسيرة حالة من الاستياء العام ومن تصاعد السخط الاجتماعي في المغرب، تطفو نبرته الحادة على ألسنة الناس في أحاديثهم اليومية، وتعبيرهم عن شكواهم الصريحة من ارتفاع الأسعار ولهيب نار الغلاء.

في هذا الصدد عرف الأسبوع الأخير الدعوة لمظاهرات احتجاجية، تم تفريقها في عدد من مدن وجهات المغرب. مظاهرات ومسيرات احتجاجية دعت إليها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمختلف الأقاليم، مسنودة بالأساس من تحالف الجبهة الاجتماعية المغربية، وضمنه أحزاب فيدرالية اليسار المغربي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب النهج الديمقراطي العمالي، إضافة إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وهيئات حقوقية ومدنية أخرى.

في بيان خاص نبهت المركزية النقابية إلى "الارتفاع المهول للأسعار بشكل غير مسبوق، وانهيار القدرة الشرائية للمواطنات والمواطنين، واتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية في ظل توالي الأزمات وإصرار الحكومة على نفس الاختيارات السائدة منذ عقود".

وبالرغم من كونها ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها المغاربة إلى الاحتجاج بالنزول إلى الشارع، فإن الأمر أصبح يدفع باستمرار إلى طرح سؤال حارق قد يبدو للبعض أن به مبالغة: - هل يسير المغرب في اتجاه انفجار اجتماعي؟

إلا أن السلطات الأمنية عمدت إلى منع هذه المسيرات الشعبية، بدعوى "الحفاظ على الأمن العام". ما أفضى بتحول الاحتجاجات ضد الارتفاع الهائل في أسعار المواد الغذائية، إلى التنديد بالقمع وخنق حرية التعبير، والممارسات التي تتنافى وتتعارض مع نص الدستور.

صادف هذا الحدث إحياء الذكرى 12 لـ لانتفاضة "حركة 20 فبراير" المنبثقة عن ثورات الربيع العربي، وقد تمت استعادة شعاراتها المركزية المتمثلة بالأخص في المطالبة بـ"إسقاط الفساد"، ورفض "زواج المال والسلطة"، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وفي المقدمة سجناء حرية التعبير من صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

لا شك أن وسائل الإعلام الرقمي الجديد، وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعي، سهلت إتاحة المعلومات المتعلقة بأغنى الأشخاص الذين يهيمنون على ثروات المغرب، وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، من بينهم رئيس الحكومة الحالية عزيز أخنوش، صاحب محطات "إفريقيا" للمحروقات وأكبر فلاحي المغرب، وزوجته سلوى أخنوش، وذلك فق ما ينشر سنويا في تصنيفات مجلة "فوربيس" الأمريكية المهتمة برصد وإحصاء أرصدة أغنياء العالم.  وبينما ينعم هؤلاء الأغنياء في الرفاه وترف النِّعَم، يعيش ملايين المغاربة في فقر "كاريانات" مدن الصفيح، دون الحد الأدنى من المقومات الأساسية للعيش الكريم. وفي الوقت الذي تتسع فيه فجوة الفوارق الاجتماعية، ويتضاعف فيه معدل الفقر بنسب عالية، تجد حكومة عزيز أخنوش نفسها أمام تحديات كبيرة لاختبار استراتيجياتها وسياساتها التي أعدتها بهدف تجاوز الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، ومن أجل تحقيق العدالة الاجتماعية.

فعلى ضوء ما وعدت به الحكومة الحالية وما قدمته في برنامجها وبيانها الحكومي، فإن حوالي عام ونصف على تنصيب عزيز أخنوش على رأسها (7 أكتوبر 2021)، هو زمن كافٍ لإجراء تقييم لإنجازاتها. إلا أن المؤشرات هنا توضح مدى ضعف الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الحكومة، في خضم ما يعانيه العالم اليوم من تضخم قوي ناتج عن تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية، وعن ذيول ومخلفات الأزمة الاقتصادية المترتبة عن وباء كورونا في 2020.

بيان الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حمَّل حكومة أخنوش "كامل المسؤولية عما قد يترتب عن الوضع الاجتماعي المأزوم من ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي"، أمام تجاهل آثار هذه الأزمة الاجتماعية الخانقة. وأكد على ضرورة اتخاذ مبادرات وإجراءات جريئة وهيكلية لإيقاف ضرب وتدمير القدرة الشرائية لأغلبية المواطنات والمواطنين، و"محاربة كل أشكال الفساد والريع والمضاربات بدل مواصلة الانحياز للرأسمال الريعي والاحتكاري، وخنق الحريات". كما طالب بتنفيذ كافة الالتزامات الاجتماعية، وعدم المساس بمكتسبات التقاعد.

لكن الحكومة تبدو وكأنها غير آبهة بما يجري ويحدث أمام أنظارها من تفاعل وصراعات، وقد تآلفت أسماعها مع مثل هذه اللغة الاحتجاجية الموغلة في السلبية  والتشاؤم.

إلا أن نقابي من قطاع التعليم من مدينة طنجة، أبى إلا أن يذكرنا بالتاريخ القريب جدا، ففي الصيف الماضي فقط (يوليوز 2022) انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ظهر في رئيس الحكومة عزيز أخنوش مصحوبا بوزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، ووزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، وهم في مهرجان موسيقي. فجأة تعالت أصوات تردد: (أخنوش.. ارحل.. ارحل). إثرها شوهد رئيس الحكومة وهو يغادر المكان مسرعا ويركب سيارة.

ليلتها كانت ساكنة مناطق الشمال في المغرب تعاني من ويلات حرائق مهولة، ضمن سلسلة حرائق شملت الجنوب الأوروبي، فرنسا واليونان واسبانيا والبرتغال. وفي الوقت الذي هرع فيه رؤساء ومسؤولو حكومات تلك الدول باتجاه مناطق الكوارث ببلدانهم  للتضامن مع ضحايا الفجيعة الإنسانية، أدار رئيس الحكومة المغربية ظهره للآلاف من المغاربة الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها مشردين وسط الغابات المحترقة، وقد دمرت قراهم وحقولهم، إذ فضل رئيس الحكومة المغربية النزول جنوبا لافتتاح مهرجان موسيقي راقص، في المدينة التي يشغل فيها مهمة عمدة، ولم يدر بخلده أنه سيواجه بمثل تلك المعاملة من جمهور مشتعل بالغضب، لم يتردد في تأسيس زلزال تحت المنصة التي وقف عليها المسؤول الحكومي الأول.

وللإشارة فقد اشتهرت هذه المدينة الجنوبية الساحلية بالزلزال الذي ضربها بتاريخ 29 فبراير 1960 وخلف أزيد من 15 ألف قتيلا، ومن تاريخها كلما وقعت هزة أرضية عنيفة على سطح الأرض، مثلما وقع أخيرا في تركيا وسوريا، تذكر العالم مدينة أغادير وزلزالها العنيف.

لم يعد أخنوش يأبه بشعارات المطالبة برحيله، منذ تصدر وسم "أخنوش ارحل" مواقع الفيسبوك والتويتر في المغرب، على خلفية ارتفاع أسعار الوقود. حيث يعد الرجل المحتكر رقم واحد للمحروقات في البلاد. ويتهمه الرأي العام في المغرب بكونه وراء ارتفاع أسعار المحروقات رغم هبوطها في الأسواق العالمية، باعتباره رئيسا للوزراء ثم بصفته صاحب أكبر شركة لبيع وتوزيع الوقود في المغرب (افريقيا غاز)، وطبعا هو دائما أكبر المستفيدين من ارتفاع الأسعار.

لقد تحول الشعار الذي خاض به حزب أخنوش الانتخابات الأخيرة إلى مسخرة لدى الناس، يهزؤون به كما يثير حفيظتهم، والشعار الموجه للناخبين والمواطنين عموما أثناء الحملة الانتخابية البلدية والبرلمانية صيف 2021، هو "تتساهل أحسن"، وترجمته الفصيحة: "أنت تستحق الأفضل". وكان رئيس حزب الأحرار عند كشفه للمرة الأولى لـ"شعار المرحلة" كما أسماه، قال في تجمع انتخابي بالدار البيضاء: (إن المغاربة "يستاهلو" حكومة قادرة أن تكون في المستوى الّلي بغا صاحب الجلالة).

ولما حصل حزب عزيز أخنوش (التجمع الوطني للأحرار) على المرتبة الأولى في انتخابات 8 سبتمبر 2021، وتم تعيينه رئيسًا للوزراء من قبل الملك محمد السادس، أكد أخنوش أنه سيلتزم بالرعاية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر ضعفا وتعزيز الصحة العامة والتعليم، والنهوض بالاقتصاد الوطني المتضرر من الوباء. ثم  أعلن مباشرة عن خطة طارئة لدعم السياحة، باعتبارها القطاع الرئيسي في الاقتصاد المغربي. ووافقت حكومته على برنامج حمل اسم "أوراش"، يهدف إلى خلق 250 ألف فرصة عمل بين عامي 2022 و2023. كما تكلم عن تقنين الإنفاق العام وتعزيز مشاريع البحث العلمي. والاتجاه نحو تقليص الفوارق الاجتماعية بين المغاربة.

وما يراه المواطنون اليوم هو تراجع واضح عن الوعود التي تضمن تحقيق "المغرب الديمقراطي الجديد"، كما جاء على لسان أخنوش دائما.

من بين تلك الوعود التي تعهدت بها الحكومة وظلت مجرد وعود: - "إخراج مليون أسرة من الفقر وانعدام الأمن"، ومكافحة البطالة عن طريق "خلق مليون فرصة عمل"، وتوفير ضمانات الرعاية الاجتماعية، ومنها "دخل الكرامة" الذي يصل إلى 400 درهم (حوالي 34 دولار أمريكي)، لمساعدة كبار السن، و300 درهم (حوالي 25 دولار أمريكي) لدعم الأسر الفقيرة ومساعدتها على تعليم أطفالها، والتزام مدى الحياة لدعم ذوي الاحتياجات الخاصة. ناهيك عما قيل عن إحداث ثورة في قطاع التعليم، "ثورة تجعل المغرب ضمن أفضل 60 دولة في العالم من حيث جودة التعليم".

ولم يرِد أي كلام هام في بيان حكومة أخنوش يخص محاربة الفساد، غير أن آخر ما حصل في هذا المجال هو  فضيحة "بيع تذاكر المونديال"، وقد تورط فيها رجال أعمال ونواب برلمانيين من الأحزاب المتحالفة ضمن الحكومة الحالية، وحتى اليوم لا زال الرأي العام في انتظار نتيجة التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء في هذا الشأن. وقد سبقت هذه الفضيحة قضية امتحانات ولوج سلك المحاماة.

وآخر وليس الأخير بهذا الصدد، فضيحة استيراد الأبقار من البرازيل، وما رافقها من شبهات تسريب قبلي لعزم الحكومة إلغاء الرسوم على استيراد الأبقار المعدة للذبح، وكانت المفاجأة أن مستوردين "محظوظين" بعلاقاتهم مع جهاتٍ حكومية، استطاعوا أن يستوردوا من هذا البلد اللاتيني  قطعانا من العجول والأبقار المعفية من رسوم الاستيراد، بعد فترة زمنية قصيرة تناهز أسبوعين فقط، مباشرةً بعد تاريخ اتخاذ قرارالإعفاء في المجلس الحكومي. ما يعزز بقوة الشكوك والشبهاتحول وقوع عملية تسريب المعلومة المذكورة قبل اتخاذ القرار رسميا من طرف الحكومة"، وقد طرحت المسألة في مجلس النواب.

هكذا، مهما بلغت حاجة الناس لمشاعر النصر والابتهاج، لم تستطع كرة القدم والإنجاز الكبير للمنتخب المغربي في مونديال قطر، تبديد الاضطرابات الاجتماعية، والخوف كل الخوف من أي استقرار أو سلام اجتماعي هش، ومن ضعف المعارضة، فلا شيء مضمون لاستبعاد تطور مسار الأحداث وانجرافها نحو انفجار كبير!