في مطلع هذه الألفية، وفي كلية اللغة العربية تحديدا، سألني بعض الطلاب المتميّزين بالاهتمام الثقافي/ المعرفي الذي يتجاوز نطاق تخصصهم الدقيق، أن أكتب لهم برامجا قِرَائيّاً يكون دليلا لهم في بداية سنوات التأسيس المعرفي/ الثقافي، بحيث يتضمّن البرنامج عناوين أهم الكتب التي يجب على كل مُهْتم بالشمولية الفكرية أن يطلع عليها، وأن يتضمن أيضا بعض الإرشادات فيما يخص طريقة التعامل قراءة وبحثا؛ مع هذه الكتب خصوصا؛ ومع رحلة التأسيس المعرفي عموما.
أذكر أني كتبت لهم مذكرة في حدود 15 صفحة، تتضمن عناوين حوالي 500 كتاب في شتى حقول المعرفة الإنسانية، وإن كنت آنذاك أشد تركيزا على الأدب العربي وما يتعلق به من نقد وفلسفة وتاريخ. وكانت الصعوبة التي واجهتني في مسار الانتقاء ذي الطابع الترشيدي؛ لا الإرشادي فقط، أني كنت أقف مُحْتارا بين كثير من الكتب في المجال الواحد، فكلها له أهمية في سياقه، من حيث هو مَعْنيٌّ بقضية مركزية، حتى وإن كانت فرعية في موقعها داخل حقلها الخاص. وهذا ما جعلني أركّز على الكتب التي تعطي تصوّرا عاما عن الحقل المعرفي وقضاياه الرئيسة في هذا التخصص أو ذاك، وأترك مهمة معرفة ما وراء ذلك للقارئ/ الطالب نفسه، الذي سيجد في هوامش ومراجع هذه الكتب ما يفتح آفاقه على "ما يجد نفسَه فيه"؛ إما هِوَاية ومَوْهبة، أو اهتماما على ضوء مصالحه التي يتواشج فيها مساره المعرفي مع مسار الفُرَص الوظيفية المتاحة في فضاء العمل من أجل الاعتياش.
حقيقة كنت أحار بنفسي ولنفسي ـ قبل أن أحار به لمن سألني مسترشدا ـ وأنا أجد في كل فرع معرفي مئات الكتب التأسيسية الجديرة بالقراءة، بل وبالمراجعة، بل وأجد أحيانا في بعض المواضيع/ القضايا الجانبية داخل هذا الفرع المعرفي ما يغري بالانهمام فيها وراءه؛ مما يضيق عنه الوقت والجهد والمال. كثرة المتاح، وحجم إغراء هذا المتاح، هو ما كان يُشعرني بالعجز، بل وبالحرمان الذي ينشأ من هذا الإغراء الباذخ المقرون ـ ضرورة ـ بمحدودية الإنسان في طاقته وقدراته، كما في أوقاته التي تشتد ضيقا؛ كلما اتسعت دائرة المتاح.
كل هذا والثورة المعلوماتية كانت لا تزال في بداياتها، وحيث كنت لا أزال أقف على شاطئ الكتاب الورقي؛ ولم أدخل إلى فضائها المذهل، المذهل لا في اتساعه فحسب، وإنما أيضا في تسارع وتيرة هذا الاتساع على نحو فاق كل التوقعات.
إذن، إذا كانت بضعة آلاف من الكتب تضعني على خط الحيرة الملتهب في رحلة الانتقاء والاختيار(الاختيار فقط؛ فضلا عن التصفح ـ الاطلاع ـ القراءة !)، فكيف سيكون الحال مع مئات الألوف منها؛ مما هو متاح في مدى حركة أصابع اليد الواحدة، والأهم، كيف سيكون الحال مع ملايين المواد المتاحة من مكتوب ومرئي ومسموع ؟!
إن ثورة المعلومات الحالية (ما يطلق عليه فريد سباير ـ في كتابه "التاريخ الكبير ومستقبل البشرية" ـ: الموجة الثالثة للعولمة)، هي حلقة في سلسلة طويلة من التطورات في مجال الاتصالات، اتّسمت ـ في مسار تطورها ـ بانخفاض التكلفة المستمر، وباختصار الزمن، وبوفرة/ كثافة في حجم/ مستويات التداول. وإذا كان اكتشاف المطبعة، وازدهار صناعة الطباعة قبل خمسة قرون قد أحدث متغيرات جذرية في مسار المعرفة، ومن ثم أحدث متغيرات جذرية في تاريخ الإنسان، فإن هذه الثورة المعلوماتية أكثر جذرية، من حيث كثافتها ونوعيتها، إذ لم تُوَفِّر المكتوب على نطاق واسع ومذهل يكاد يستعصي على الرصد والحصر ـ فضلا عن المتابعة والقراءة ـ فحسب، بل ـ أيضا، وبشكل مُعَاضِد ومُنافِس في آن ـ وفّرت المرئي والمسموع بتقنيات عالية، متنوعة في وسائطها ووسائلها، ومتوفرة بتكلفة تتضاءل تباعا؛ حتى لتكاد أن تكون متاحة لعموم الناس.
لقد بات من الواضح أن هذا الفضاء التواصلي المعلوماتي المذهل ليس متاحا فقط للمتخصّصين الذين يملكون ـ معرفيا ـ مفاتيح أسراره، أو لأولئك الأثرياء الذين يملكون ثمن السهولة التي تجعله قابلا للاستهلاك العام/ العامي، بل هو مفتوح اليوم أمام عموم الجماهير؛ بوسائل شتى وبلغات شتى، وبمستويات ـ تبسيطية/ توضيحية ـ مختلفة. فأي فرد ـ أيا كان مستواه المعرفي، وفي أي مكان ـ يستطيع بحركة يد خاطفة أن يقرأ ويسمع ويشاهد ما يشاء من وثائقيات ومحاضرات وندوات عامة، ومن دروس متخصصة تصدر في أرقى وأعراق الجامعات، يستطيع أن يسمعه/ يشاهده بلحظته، أو بعد ذلك؛ وفقا لظروفه هو؛ لا ظروف منتجيه، بل ويستطيع أن يستعيد ما فاته منه، ليس من الماضي القريب الممتد لبضع سنوات، ولا من المواد المعرفية التي صُنِعت تحديدا لتكون متاحة في هذه الوسائط/ الوسائل، بل يستطيع أن يستعيد ما فاته حتى من الماضي البعيد، حيث المواد التي أنتجت على مدى أكثر من قرن، أي منذ اكتُشِفت تقنيات التسجيل السمعي والمرئي.
إن إنسان اليوم/ إنسان عصر المعلومات هو أكثر حظا في مشاهدة محاضرة أُلْقِيت قبل أربعين أو خمسين عاما حتى من أولئك الحاضرين الذين سمعوها وشاهدوها عيانا. والمقصود أن أولئك اذلين سمعوها/ شاهدوها لمرة واحدة في لحظة زمنية عابرة، لو التبس عليهم نطق كلمة أو إشارة، فلن يستطيعوا التأكد منها ولا مراجعتها، بينما نجد أن مَن يُشاهِدها اليوم على وسائل التواصل يستطيع استيعابها بأكثر من طريق: أولا، أن يَُرْشفها في سياق اهتماماته المعرفية، وثانيا، أن يستعيد ويتأكد من كل كلمة وإشارة، وثالثا، أن يستعيدها على ضوء مقولات ومتغيرات ـ معرفية و واقعية ـ لاحقة؛ تكشف من أسرارها ما كان يستحيل الكشف عنه لحظة تشكّلها في الزمان والمكان.
ولمزيد من التوضيح؛ سأذكر هنا بعض الأمثلة العرضية؛ كي يتضح مستوى وطبيعة المتاح الثقافي الاستثنائي، الذي لا يُدرك كثيرٌ مِن مُعَايشيه في الراهن: كَمْ هُمْ محظوظون جدا؛ قياسا بأسلافهم قبل عقد وعقدين؛ فضلا عن أسلافهم قبل عشرات السنين، حيث المتاح من المسموع أو المرئي معدوم أو هو في حكم المعدوم.
أواخر التسعينيات من القرن الميلادي المنصرم، كنا شبابا حديثي التخرّج، نسمع بالندوة/ المناظرة الحوارية الذائعة الصيت التي أقيمت في معرض الكتاب في القاهرة في الثامن من شهر يناير عام 1992م بين العلمانيين والإسلاميين، وكانت تحت عنوان: "مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية"، وهي المناظرة التي حضرها ما يتجاوز ـ وفق كثير من التقديرات ـ ثلاثين ألفا، وكان من أبرز المتحدثين فيها من الطرف العلماني، الكاتب المصري/ فرج فودة (الذي اغتيل علي يد الجماعات الدينية المتطرفة بعد هذه المناظرة بخمسة أشهر)، ومن الجانب الإسلاموي، الشيخ محمد الغزالي، ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي.
أقول: كنت نسمع ونقرأ عنها، وعما سبقها وتلاها من جدل حول هذا الموضوع. كان كل طرف من أطراف الصراع يروي ما حدث وفق ما استطاع رصده، أو وفق ما يريد ـ بتحيزاته الخاصة ـ أن يجعله للتاريخ. كنا نخوض فيها ـ بحثا ـ كحدث من الماضي القريب، خمس أو ست سنوات تفصلنا عنها، ومع هذا كنا نتخيّل ما حدث، كنا نقرأ ما وصلنا مكتوبا عنها؛ دون أن نستطيع الإمساك بتلك اللحظة الفارقة. وحدهم الذين حضروها عرفوا ـ بوضوح ـ حقيقة ما جرى، هم الذين سمعوا وشاهدوا، واستوعبوا المشهد بتمامه، من الأصوات والإشارات ولغة الجسد إلى إيحاءات المكان والزمان والحضور. أما نحن، فبيننا وبينها ستار من المجهول الذي لا يمكن اختراقه؛ مهما كان هوسنا بالبحث والتتّبع والتنقيب فيما وراء السطور وما خلف الكلمات.
لكن وقبل بضع سنوات، وبينما كنت أبحث عن بعض المواد في اليوتيوب، ظهرت هذه المناظرة ضمن المقترحات. لم أصدق أنها هي، حتى دخلت، وشاهدتها عن آخرها. بعد فترة، أعدت مشاهدتها على ضوء بعض المراجعات. أصبح هذا الحدث الثقافي الذي وقع قبل 29 عاما متاحا لي في كل وقت، بإمكاني مراجعته، والتدقيق فيه، والنقل التوثيقي عنه. تحقّق كل هذا، فيما كان من قبل مستحيلا. ومنها انفتح المجال لتتبع الحوارات والندوات المتعلقة بالمشاركين في هذه المناظرة (الغزالي وعمارة وفودة والهضيبي)، وربط كل ذلك بمجرياتها، وما تشعّب منها من قضايا...إلخ.
أيضا، المناظرة التي عُرِضت على التلفزيون الهولندي قبل خمسين عاما بين كل من اللغوي الأميركي نعوم تشومسكي والفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، عن "الطبيعة الإنسانية"، أصبحت اليوم متاحة على اليوتيوب، بينما كنا نسمع عنها، ونقرأ بعض المقتطفات عن أهم ما ورد فيها؛ كحدث ثقافي بارز مغمور في قاع الزمن الذاهب. وهي ليست إلا مثالا على كثير من المواد التي أنتجت في حينها كمادة مُتَلْفَزة تُشاهد في وقتها؛ ثم تُنْسى، بينما هي الآن إرث ثقافي/ معرفي يتكرر الرجوع إليه كأحد محاور التوثيق.
كذلك، على مستوى الثقافة العربية قام المثقف/ المُحاور: محمد رضا نصر الله، بتصوير حلقات تلفزيونية كثيرة جدا، حاور فيها كبار المثقفين والأدباء العرب (كالجابري، وأدونيس، والبياتي، الحيدري، وتوفيق الحكيم، وإحسان عباس، وطارق البشري، وشوقي ضيف، وسعيد يقطين، و بول فندلي، وهشام شرابي، و وداد القاضي، وجيل كيبل، وغازي القصيبي، وبرهان غليون ...إلخ، وبعضهم لا توجد له مادة متلفزة إلا ما كان في هذه الحوارات التي تشكل ثروة ثقافية نادرة)، منها ما كان قبل أربعين عاما، ومنها ما هو أقرب، وكنا نسمع عن كثير منها، دون أي أملٍ في الظفر بها؛ بعد أن فاتت علينا لحظة عرضها. بينما هي اليوم متاحة، كثروة معرفية، للجميع. وبالتأكيد، لم تَكن لِتُتَاح لهذا الجيل، على هذا المستوى من اليُسر والسهولة والمجانية؛ لو لم نكن في عصر المعلومات/ عصر التواصل والانفتاح اللامحدود.
إن كل هذا ـ وغيره كثير من ملايين المواد التي تتوفر باستمرار، وعلى مدار اللحظة، وبشكل مطرد ـ؛ يضعنا أمام سؤال استشكالي حائر: هل نحن أبناء هذه اللحظة المعرفية/ العصر المعلوماتي، محظوظون بأن أصبحنا أمام كل هذا الثراء المعرفي المتنوع، والمتاح ـ يُسْرا وسهولة ـ بأن يصل إليك قبل أن يرتد إليك طرفك، أم نحن ـ في الحقيقة ـ أمام حصار يقف خلف هذا الثراء ؟ هل نحن أمام حيرة ذات طابع تعجيزي، تصل ما بين سعة المتاح وضيق الممكن الذي يجعل الاختيار/ الانتقاء من بين كل هذا الركام فعالية توازي الحيرة والتشتت أمام النادر والممنوع والمحجوب، أم نحن أمام فرص استثنائية لم نعرف كيف نستثمرها أو نستثمر فيها ؟!
طبعا، الانعتاق من تحديات هذا المأزق تكمن ـ ابتداء ـ في ضرورة التفرقة بين المعرفة من جهة، والمعلومات من جهة أخرى. المعلومات بتراكمها/ بحشدها لا تُكَوّن معرفة، إذ المعرفة ـ في النهاية؛ كما في البداية ـ نَسَق/ نِظَام، وبالتالي، هي صيرورة عقلانية على مستوى الوعي. ومن حيث هي كذلك، فهي ـ بالضرورة ـ تمارس الانتقاء والتمييز والفرز والاستبعاد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فهي فعالية تعي أن إدارة المعرفة، حتى فيما يقع خارج نطاق المعرفة الخالصة (مما هو من الإجرائيات المصاحبة)، هو من شروط التحقق المعرفي.
ومجمل القول هنا، أن الحظ حالفنا أننا وُجِدنا في هذا العصر الانفتاحي التواصلي الذي يُوَفّر لنا كثيرا مما كان من المستحيلات لمن قضوا نحبهم قبل عقدين أو ثلاثة عقود. لكن، هذا الحظ لا يتحقق معناه الإيجابي إلا بالانخراط الموازي مع الاشتغال على المنهجيات التي تمنح كل هذا الزخم المعلوماتي صفة: "المعرفة". هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يتحقق بالانخراط في تعلّم مهارة إدارة الذات لتتجاوز الغُثائي العبثي الذي يستنزف الأوقات في التفاهات. وبدون هذا الانخراط؛ وبدون تعلم هذه المهارة لضبط الذات؛ يُصْبح كل هذا الزخم تيارا جارفا يُشَتّت الرؤية، ويُبَعْثِر بقايا المعرفة، ويُطَوّح بالمرء ـ وجدانا وعقلا وخيالا ـ في فضاء التفاهات التي تجعل منه مجرد كائن استهلاكي ترفيهي مصلوب على نقاط التقاطع التنافسية بين شركات التقنية العالمية التي لن تتوقف عن استنزاف آخر قطرة من إنسانية/ عقل هذا الإنسان.

