يكاد الأردن يفقد سر "خلطته" السياسية التي لم يتقنها أي مطبخ نظام سياسي عربي سواه.
مثلا، ومن التراث السياسي بحكاياته المعروفة جدا في الأردن أن وزير الداخلية الأسبق، نذير رشيد، كان أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار المشاركين في عملية انقلابية على الملك حسين والنظام الأردني كله عام 1957.
الرجل هرب قبل القبض عليه، وحوكم غيابيا، لكنه عاد بعد سنوات قليلة من منفاه "السوري" وقد اطمأن لعفو خاص ووعد شخصي من الملك حسين نفسه بالصفح، بل وتمت إعادته عسكريا في المخابرات العامة ليتدرج بها حتى صار مديرا عاما لها في مطلع السبعينيات، وأصبح سفيرا ثم أصبح عضوا في مجلس الأعيان (الغرفة التشريعية الأعلى في البرلمان الأردني) ثم وزيرا للداخلية.
الراحل، علي أبونوار، نفسه الذي قاد الانقلاب العسكري وبعد عفو الملك الذي أعاده من المنفى، تم تعيينه سفيرا للأردن في باريس ثم عينه الملك في مجلس الأعيان.
ومما عايشته أنا شخصيا، أن "مناضلا نقابيا"، بين ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان معارضا يساريا شرسا للملك والنظام الهاشمي الحاكم، واعتقل مرات عديدة وبقي يناكف النظام بشراسة، حتى دخل معترك الانتخابات النيابية عام 1990، لينجح باكتساح ويصبح نائبا بحصانة، ويتدرج ليصبح وزير ثقافة في عهد الملك الراحل، ووزير داخلية أسبق أيضا في عهد الملك عبد الله الثاني.
وقد كنت دوما أدلل على أكثر القصص تجليا في الدهاء السياسي والاحتواء والتذويب، ما حدث بعد انتخابات عام 1990 حين اكتسح تيار " الإخوان المسلمين" المجلس النيابي بأغلبية واضحة، وقرار الملك حسين بعدم التدخل الأمني في الانتخابات، بل وتوجيه رئيس وزرائه حينها، مضر بدران، بأن يضم في حكومته وزراء من الأغلبية النيابية "الإخوانية".
كان الإخوان المسلمون دوما الأكثر مهارة في صياغة الشعارات المهيجة الجوفاء، وكان شعارهم الذي أدخلهم المجلس هو "العودة إلى الإسلام"، وقد تم تعليقه على كل عمود إنارة وحائط بيت في كل زاوية من المدن الأردنية.
التقى الملك بعد الانتخابات مع المجلس وبحضور أركان دولته والتلفزيون الرسمي ينقل اللقاء ليتحدث الملك عن رفضه لمفهوم "العودة إلى الإسلام"!! الرفض الملكي وقد ألقاه الملك كقنبلة "فراغية" في الجمع، استطرد فيه الملك الراحل والذكي بقوله إنه مع "التقدم إلى الإسلام" مشيرا إلى أن شعار الإخوان "الذي حملهم إلى البرلمان" شعار رجعي يسيء للإسلام الذي اتخذوه أداة مصلحية.
طبعا، الملك هنا أثبت فراغ الشعار الإخواني في مجمل خطابهم الغوغائي أصلا، وبحركة ثانية، أدخلهم إلى الحكومة كوزراء فأسقط بيدهم ولم يستطيعوا إثبات وجود برنامج حكم محدد وواضح لديهم، لكن انتهينا إلى وزراء متقاعدين حلقوا لحاهم وخففوا من مطالبهم "الثورية" ودخلوا عالم ريادة الأعمال والاستثمار فيما بعد.
القصص كثيرة في عهد الملك حسين، وامتد أثرها إلى عهد خليفته الملك، عبدالله الثاني، لكن الخيط انقطع امتداده وقد ضاق الصدر "الأمني" للدولة وباتت القصة بين من "يتبع" ومن يعترض تشبه معركة كسر العظم حد الإقصاء والإلغاء.
تذكرتُ كل ما ورد أعلاه (وهو غيض من فيض علاقة السلطة مع المعارضة في الأردن) وانا أدخل غرفة دردشة غاية في المتعة قبل أيام على تطبيق "كلوب هاوس" والذي ملأ الدنيا وشغل الناس.
في غرفة الدردشة تلك، كان الأغلب شباب أردنيون (من أصول شرق النهر وغربه)، ويقود الحوار شاب أردني من نشطاء "الحراك" كما يسمون حركة الشارع المعارض في الأردن منذ سنوات، وهو الشاب، عبدالرحمن الشديفات، وشابة أردنية أيضا لامعة الذكاء اسمها، ديما الخرابشة.
من الأسماء يمكن معرفة أن مديري الحوار أبناء قبائل وعشائر أردنية كبيرة، وحسب "التصنيف النمطي" فالمفترض أن هؤلاء سيتحدثون بإقليمية مفرغة من المعنى والوعي عن محاصصات ومكاسب "عشائرية" ضيقة، وربما يذهب من يفكر بذات النمطية إلى أن غضب هؤلاء أيضا أساسه نهاية الدولة الرعوية - الريعية!!
حسنا أيها السادة، كان المديران للحوار من أكثر من سمعتُ تفهما ووعيا وتشريحا لمفاهيم الدولة والمواطنة والأحزاب السياسية الحقيقية.
المتحدثون بمجملهم، تفاوتت آراؤهم ولم أكن أعرف منهم أحدا على المستوى الشخصي، وانتبهت إلى وجود الإعلامية المخضرمة "الشابة" والزميلة، عروب صبح، بين الموجودين بنشاط وفاعلية، وكان الحوار رفيع المستوى حد التعلم منه، وأنا شخصيا استمعت بشغف وتعلمت الكثير.
نعم، هنالك غضب في اللغة واضح، ويبدو أن الجرح عميق وطري وهو، في المحصلة، رد فعل ثوري وغاضب وجريح عند المتحدثين الشباب وقد تم إغفالهم، بل وازدراؤهم من قبل نخبة الحكم "المخملية" وتنميطهم على طريقة الدوائر الأمنية بالتنميط، وساهم بذلك تغييب صوتهم وتجريحهم عبر دكاكين الإعلام المدجن.
في المقابل، ومع غياب "صوت الشباب الواعي" على كل ما فيه من غضب يتصاعد طرديا مع الازدراء النخبوي الواهم، كان هناك من يملأ فراغ الجهة المقابلة بمعارضات "استعراضية" تتقن خلط الزيت بالماء أمام المتلقي، وانتشر الحواة عبر طروحات "اللايف والفيديو" وأبهروا المتلقي بعروض إخراج الأرنب من القبعة، ونثر الأوراق الملونة في الهواء، ولأن الطبيعة لا تحب الفراغ، صار هؤلاء رموز معارضة عند جمهور مسرح يبحث عن ترفيه أفيوني يفسر قهره وغضبه وعيشه البائس.
في عام 2019، كنت ضيفا على الملك عبدالله الثاني في مكتبه بمعية نخبة محترمة من الزملاء الكتاب.
وفي حديث الملك أشار بلغة جسد واضحة إلى الحراكيين الذين يجتمعون كل يوم خميس أمام مبنى الحكومة، وكانت إشارة الملك الجسدية واضحة بعدم الاكتراث بهم، ويبدو أن كل من هم حول الملك استطاعوا إقناعه أن هؤلاء الشباب لا يستحقون التفاتة من السلطة.
أندم اليوم، وأندم كثيرا أنني لم أعرف هؤلاء الشباب كما سمعتهم قبل أيام، وأني لو عرفتهم، لكنت قلت للملك يومها رأيي بهم، وأنه، كرأس دولة، لا يجب أن يكون طرفا في الصراع، وأن من بين هؤلاء الشباب من يعرف الفروقات بين المفاهيم جيدا، وأنهم يحمون العرش حتى من الجالس على العرش نفسه.
لقد تحدث الملك يومها في لقائنا معه عن طموحه الشخصي بالوصول إلى دولة برلمانية - حزبية، تتشكل فيها الحكومات على إيقاع الأحزاب في البرلمان.
تلك رؤية نبيلة وأصدّق أن الملك يؤمن بها فعلا، لكن الرؤية تظل حبيسة أمنيات الملك الشخصية إن لم يضع لها خارطة طريق حقيقية تعتمد مثل هؤلاء الشباب، للخروج بتيارات سياسية لمستُها فعليا في حواراتهم واختلافاتهم في غرف الدردشة الافتراضية تلك.
الأجدى أن نعيد صياغة العلاقة في الدولة، والدولة للجميع أصلا، بين السلطة والمعارضة، بدلا من حشر المنافع والمكتسبات في حلقات "النخبة المتوهمة في الحكم" مقابل تهميش كل من يعترض.
المعارضة في الدولة الديمقراطية السليمة هي ركن حيوي من الدولة وفيها، وهي في حركتها السياسية أيضا مشروع سلطة قادم في حال تغير الموازين الانتخابية.
مشروع المعارضة (تلك تحديدا) هو مشروع معارض لبرنامج حكم السلطة القائمة نفسها.. ( وهذه السلطة بدورها قد تكون مشروع معارضة قادم أيضا ضمن تداول صحي للسلطة).
هذا التداول، وتلك الكتل السياسية طبعا لا يمكن أن تتحرك بالأشخاص، لا بد من حواضن لها والحاضن الطبيعي هو الأحزاب.
هذا كله (وأكثر..) ضمن دولة ديمقراطية سليمة.
لكن، حين تكون هناك اعتراضات حادة ومتفاوتة على الدولة نفسها (لا يمكن تسميتها بالمعارضة)، وحين أن التداول نفسه غير موجود لأن برامج الحكم غير موجودة، وتصبح "سواليف الحصيدة" وحكايات ما قبل النوم بديلا عن برامج حقيقية للحكم، فالملك أمام حائط سد أسمنتي وشاهق أمام أمنياته في دولة مؤسسات وقانون وضع خطوطا لها في أوراقه النقاشية.
ما سمعته من حوارات من هؤلاء الشباب كان نقاشا حقيقيا لما طرحه الملك نفسه بالمناسبة، وبافتراض حسن النية إلى أقصى حد عندي، فإن الملك الذي تذمر أكثر من مرة أنه لم يجد نقاشا لأوراقه التي طرحها للنقاش، لم يعرف حتى اليوم "بتغييب المعلومة عنه" أن هناك من يناقش أفكاره التي هي أفكار الجميع.
وبدلا من أن يحتفل "الإعلام المدجن" بدكاكينه المتنوعة بمريض نفسي يحمل لقب معالي ويكتب كتابا متخما بالسذاجة والتصفيق والصفاقة مدحا بالملك ورؤاه السامية على أساس أنه كتاب يناقش أفكار الملك، كان الأجدى أن يستمع الملك لهؤلاء ويحتوي غضبهم، كرأس دولة، وهم أصلا أبناء ذوات وعائلات مهذبون بتربية واعية.
لقاءات مع الملك (الذي يستمع جيدا كما رأيت وشهدت)، يشرف عليها بنفسه حتى لا تشوبها من قبل بعض طواقمه عروض الرشوة السياسية التي حصلت قبل ذلك حسب ما رواه لي بعض هؤلاء وبالأسماء.
وأتساءل مرات مع نفسي إن كان الملك الأردني الذي يحب التقنية المعرفية الحديثة وعوالم الإنترنت مبادرا إلى دخول غرف الدردشة تلك والاستماع "والاستمتاع" بالحوارات التي تدور ومجمل عناوينها هي الملك نفسه؟
ماذا لو فعلها ولي العهد وشارك بالحوارات في تلك الغرف الافتراضية؟ وهو الذي يطمح والده الملك، أن يرث عنه عرش دولة مؤسسات وقانون محكومة بالملكية الدستورية النيابية؟
تلك الخلطة السرية الأردنية للمطبخ السياسي في الدولة، والتي تتطلب استعادة المطبخ بكل تنوعاته، للوصول إلى غاية واحدة فقط: دولة دستورية تحكمها المؤسسية والقوانين فقط.

